اليابان تدخل مرحلة القوة الصلبة.. 9 تريليونات ين للدفاع والهادئ يتحوّل إلى ساحة صدام

اليابان باتت 3 دولة أكبر دولة إنفاقا عسكريا في العالم- جيتي
اليابان باتت 3 دولة أكبر دولة إنفاقا عسكريا في العالم- جيتي
شارك الخبر
نشر موقع "شيناري إيكونومتشي" تقريرا يسلّط الضوء على إعلان اليابان عن ميزانية دفاعية قياسية تبلغ 9 تريليونات ين، أي نحو 58 مليار دولار، ما يجعلها ثالث أكبر دولة إنفاقا عسكريًا في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، مؤكدا هذه القفزة تُنهي عقودًا من السياسة "السلمية الرمزية"، وتؤكد أن طوكيو تستعد بجدية لمواجهة عسكرية محتملة في المحيط الهادئ.

وقال الموقع، في التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن حكومة اليابان، التي ترأسها سانائيه تاكايتشي، أقرت، يوم الجمعة، ميزانية دفاع قياسية بقيمة 9 تريليونات ين، تشمل صواريخ بعيدة المدى، وطائرات مُسيّرة، ومقاتلات جي سي إيه بي، في خطوة تهدف إلى مواجهة الصين، وبذلك تبلغ طوكيو نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الموعد المحدد بنحو عامين، وتستعد صراحةً لاحتمالات المواجهة في مسرح المحيط الهادئ. 

وأفاد الموقع أن هذا القرار يقطع الشك حول ما إذا كان مركز ثقل العالم قد انتقل نهائيًا وبشكل خطِر نحو المحيط الهادئ؛ حيث إن الأخبار الواردة من طوكيو ينبغي أن تبدّد كل حالة عدم يقين؛ فاليابان، ذلك "البلد المُحبّ للسلام" الذي جعل لعقود من الدستور السلمي درعَه الخطابي، وافقت للتو على ميزانية دفاع وصفها بالتاريخية يُعدّ تقليلًا من شأنها.

اظهار أخبار متعلقة



نهاية السلمية "الظاهرية"

وذكر الموقع أن الدافع الرسمي، الذي شدّد عليه وزير الدفاع شينجيرو كويزومي، هو أن اليابان تواجه "أخطر وأكثر بيئة أمنية تعقيدًا منذ حقبة ما بعد الحرب"، وبترجمة اللغة الدبلوماسية فهذا يعني أن الصين تُثير القلق، وطوكيو لا تنوي الوقوف موقف المتفرّج بينما توسّع بكين نفوذها.

ومن اللافت ملاحظة كيف تحاول الخطابيات الرسمية الحفاظ على توازن هشّ، إذ يؤكد كويزومي أن إعادة التسلّح هذه "لا تغيّر مسارنا كدولة محبّة للسلام"، وهي عبارة تبدو شبه ساخرة عند قراءتها جنبًا إلى جنب مع قائمة المشتريات التي أقرّتها الحكومة، والواقع أن اليابان باتت تكتسب قدرات لم تعد دفاعية فقط، بل قدرات "هجوم مضاد".

ماذا تشتري طوكيو؟
وفقا للموقع، فإن ميزانية السنة المالية 2026، التي ستبدأ في شهر أبريل/نيسان، تُظهر زيادة بنسبة 9.4% مقارنة بعام 2025، وفي هذا الإطار، ستتجه أموال دافعي الضرائب اليابانيين بالأساس إلى
•  القدرات الصاروخية «ستاند أوف»: جرى تخصيص أكثر من 970 مليار ين (6.2 مليارات دولار) لتعزيز القدرات الصاروخية بعيدة المدى.

•  صواريخ تايب-12: الركيزة الأساسية تتمثل في شراء وتحديث صواريخ أرض–بحر تايب-12 المنتَجة محليًا، مع توسيع مداها إلى نحو 1000 كيلومتر. ومن المقرر نشر الدفعة الأولى في محافظة كوماموتو بحلول شهر مارس/آذار، أي قبل الموعد المحدد بعام كامل.

•  الطائرات المُسيّرة ونظام شيلد: في ظل شيخوخة السكان ونقص الأفراد في القوات المسلحة، تراهن اليابان على الأتمتة. وسيُخصَّص 100 مليار ين لنشر طائرات مُسيّرة جوية، وسطحية، وتحت مائية، لأغراض المراقبة الساحلية.

•  مقاتلات الجيل الجديد (جي سي إيه بي): أكثر من 160 مليار ين مخصّصة للتطوير المشترك للمقاتلة الجديدة مع المملكة المتحدة وإيطاليا، والمقرر دخولها الخدمة في عام 2035، إلى جانب طائرات مُسيّرة مرافِقة موجّهة بالذكاء الاصطناعي.

اظهار أخبار متعلقة



التوتر في المحيط الهادئ وعامل تايوان

وبين الموقع أن هذا التسلّح يأتي في سياق توتّر ملموس، يكاد يكون صلبًا؛ فتصريحات رئيسة الوزراء تاكايتشي بشأن احتمال انخراط عسكري ياباني في حال أقدمت الصين على تحرّك ضد تايوان رفعت منسوب التوتر إلى مستويات التأهّب القصوى، ولم تُحسن بكين تلقّي ذلك، إذ اتهمت طوكيو بالانحراف عن مسار التنمية السلمية والتحرّك في "اتجاه خطِر". 

وأضاف الموقع أن مؤشرات الاحتكاك في المنطقة تتواصل دون انقطاع، من خلال مناورات لحاملات طائرات صينية قرب جنوب-غرب اليابان، إلى جانب قيام رادارات توجيه نيران صينية بتثبيت الاستهداف على طائرات يابانية، وهو تصرّف يُعدّ عملا عدائيا ومقدمة مباشرة لإطلاق النار، فضلا عن الوجود، وللمرة الأولى، لحاملتي طائرات صينيتين تعملان في وقت واحد في محيط جزيرة إيوو جيما، في مؤشر واضح على تصعيد محسوب في مسرح المحيط الهادئ.

وأشار الموقع إلى أن هذه الأحداث ليست مناوشات معزولة، بل اختبارات تقنية لصراع يأمل الجميع في تجنّبه، لكن الجميع يستعدّ له في الوقت نفسه، بل إن وزارة الدفاع اليابانية ستفتتح مكتبًا جديدًا مخصّصًا حصريًا لدراسة العمليات الصينية في المحيط الهادئ.

الصناعة تربح ودافعو الضرائب يتحمّلون الكلفة

ولفت الموقع إلى أنه من منظور اقتصادي وصناعي بحت، تُعدّ هذه الميزانية نعمة حقيقية لعمالقة الصناعة اليابانية مثل ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة؛ فالحكومة تدفع بقوة باتجاه دعم صناعة الدفاع المحلية، مع تخفيف القيود المفروضة على التصدير، ومن النجاحات الأخيرة في هذا الإطار اختيار أستراليا الاعتماد تحديدًا على ميتسوبيشي لتحديث الأسطول عبر فرقاطات فئة موغامي.

وأوضح، أن الإنفاق العام لا بدّ أن يُموَّل، وهنا تظهر الجوانب المؤلمة بالنسبة للمواطنين اليابانيين، إذ تعتزم حكومة تاكايتشي تغطية التكاليف المتزايدة من خلال:

1. زيادة الضرائب على الشركات.
2. زيادة الضرائب على التبغ.
3. خطة أُقِرّت مؤخرًا لرفع ضريبة الدخل ابتداءً من عام 2027.

ويطرح الموقع ،بالمقابل، تساؤلًا جوهريًا بشأن النمو الاقتصادي، إذ أنه في ظل دين عام متضخّم أصلًا إلى مستويات هائلة، تراهن اليابان على أن الأمن القومي يستحق تحمّل كلفة عدم الشعبية الضريبية.

ومع ذلك، تبقى آفاق النمو المستقبلي، اللازمة لدعم إنفاق عسكري عند مستوى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو 64 مليار دولار سنويًا، وهو ما يضع اليابان في مرتبة ثالث أكبر منفق عالميا بعد الولايات المتحدة والصين، آفاقًا غير مؤكدة حتى الآن.

اظهار أخبار متعلقة



المحيط الهادئ بوصفه المسرح العالمي الجديد

وأكد الموقع أننا أمام إعادة اصطفاف تكتونية حقيقية؛ فأوروبا، المثقلة بمشكلاتها، تخاطر بأن تصبح هامشية، ولا سيما إذا انتهى الصراع الأوكراني بتجميد الوضع القائم، أما اللعبة الحقيقية فتجري بين أمواج المحيط الهادئ، إذ تضغط الولايات المتحدة على حلفائها لاحتواء "التنين"، وحيث تتحول دول مثل اليابان وأستراليا تدريجيًا إلى قلاع مسلّحة.

وبذلك فإنّ الاستثمار الياباني، إلى جانب استثمار تايوان والإستراتيجية الأمريكية، يضع الأسس للمواجهة العالمية الكبرى المقبلة. فلم يعد السؤال هو هل ستُختبر هذه التوازنات الجديدة، بل "كيف" ومتى فلقد اختارت اليابان الطرف الذي ستقف إلى جانبه، والأهم أنها اختارت أن تتسلّح بكثافة لدعم هذا الخيار. فالسلم، في القرن الحادي والعشرين، له ثمن باهظ يُدفع بالين بحسب الموقع.

لماذا تزيد اليابان إنفاقها العسكري بشكل حاد في هذا التوقيت تحديدا؟
وأوضح الموقع أن اليابان تتحرّك ردًا على تدهور الأمن الإقليمي، ولا سيما التوسّع العسكري السريع للصين وتصاعد التوترات حول تايوان. وتعتبر الحكومة اليابانية أن بيئة الأمن الحالية هي الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وإضافة إلى ذلك، هناك ضغط قوي من جانب الولايات المتحدة لكي تضطلع طوكيو بدور أكثر فاعلية في الدفاع عن المحيط الهادئ، أما هدف بلوغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي، الذي جرى تحقيقه مبكرًا، فيهدف إلى تزويد البلاد بقدرات "هجوم مضاد" موثوقة لأغراض الردع.

ما أبرز المستجدات التكنولوجية المتوقعة في الميزانية الجديدة؟
وأضاف أن الميزانية تركّز بقوة على الصواريخ بعيدة المدى والأنظمة غير المأهولة. ويبرز بشكل خاص شراء صواريخ أرض–بحر تايب-12 بمدى موسّع يصل إلى 1000 كيلومتر، والقادرة على ضرب أهداف في العمق.

كما يحظى نظام "شيلد" أهمية محورية للدفاع الساحلي عبر طائرات مُسيّرة جوية وتحت مائية، وهي ضرورة تفرضها أيضًا الأزمة الديموغرافية التي تقلّص عدد الأفراد العسكريين المتاحين.

وأخيرًا، تتواصل الاستثمارات في مقاتلة الجيل الجديد (جي سي إيه بي) المطوّرة بالشراكة مع إيطاليا والمملكة المتحدة.

كيف ستموّل اليابان هذه الزيادة الهائلة في الإنفاق؟
واختتم الموقع تقريره بالتأكيد على أن حكومة تاكايتشي خططت لسلسلة من الإجراءات الضريبية غير الشعبية لتغطية التكاليف، وتشمل هذه الإجراءات زيادة الضرائب على الشركات وعلى التبغ، إضافة إلى خطة أُقِرّت بالفعل لرفع ضريبة الدخل ابتداءً من عام 2027، ورغم الفائدة التي ستجنيها الصناعة الثقيلة الوطنية (مثل ميتسوبيشي)، تبقى هناك حالة من عدم اليقين بشأن استدامة هذه النفقات على المدى الطويل، في ظل نمو الناتج المحلي الإجمالي وحجم الدين العام الياباني الضخم القائم أصلًا.
التعليقات (0)

خبر عاجل