مواجهة الظل مع إيران.. كيف تدار بين واشنطن وتل أبيب؟

جذور الصراع الأمريكي مع إيران تعود إلى عام 1953 - الأناضول
تصاعد في الآونة الأخيرة التحليلات التي تتناول طبيعة المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، في إطار صراع يعتمد على أدوات سياسية واقتصادية وأمنية وتقنية متعددة، بعيدا عن الحرب التقليدية المباشرة، وسط تحذيرات من تداعيات إقليمية ودولية قد تنتج عن استمرار هذا النهج.

أكد الكاتبان جيفري دي ساكس وسيبيل فارس، في تقرير نشره موقع "كومون دريمز"، أن السؤال المطروح في ما يتعلق بإيران لم يعد مرتبطًا بإمكانية شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا عليها، بل بتوقيت هذا الهجوم، في ظل اعتماد الطرفين ما وصفاه باستراتيجية "الحرب الهجينة" بدلا من المواجهة العسكرية الشاملة.

وأشار الكاتبان إلى أن الولايات المتحدة، في العصر النووي، تتجنب خوض حروب تقليدية واسعة النطاق لما تحمله من مخاطر تصعيد نووي، لكنها في المقابل تشن، بالتعاون مع إسرائيل، حربًا متعددة الأدوات ضد إيران، تقوم على العقوبات الاقتصادية القاسية، والضربات العسكرية المحدودة، والهجمات السيبرانية، وتأجيج الاضطرابات الداخلية، إضافة إلى حملات تضليل إعلامي متواصلة، وهو ما يُعرف بالحرب الهجينة.

وأضاف التقرير أن ما وصفه بـ"الدولة العميقة" في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل باتت تعتمد بشكل منهجي على هذا النمط من الحروب، مشيرًا إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الموساد الإسرائيلي، بالتعاون مع شركات مقاولات عسكرية وأجهزة أمنية، لعبت أدوارًا محورية في إشعال نزاعات وفوضى في عدد من دول أفريقيا والشرق الأوسط، من بينها ليبيا، الصومال، السودان، فلسطين، لبنان، سوريا، العراق، إيران، واليمن.

وأوضح الكاتبان أن نتائج هذه السياسات، على مدار أكثر من 25 عامًا، تمثلت في تدمير واسع النطاق، وتعطيل التنمية الاقتصادية، وانتشار الإرهاب، وتصاعد موجات اللجوء الجماعي، دون أن تحقق الولايات المتحدة أو إسرائيل استقرارا أمنيا أو تحالفات دائمة، مؤكدين أن الحصيلة كانت "فوضى ومعاناة إنسانية واسعة النطاق".

وأشار التقرير إلى أن هذه السياسات تترافق مع مساعٍ أمريكية لتقويض ميثاق الأمم المتحدة، رغم أن واشنطن كانت من أبرز واضعيه عقب الحرب العالمية الثانية، لافتًا إلى أن الميثاق ينص بوضوح على الامتناع عن استخدام القوة ضد الدول الأخرى، وهو ما تنتهكه ممارسات الحرب الهجينة.

وأكد الكاتبان أن المستفيد الأبرز من هذه الحروب هو ما وصفاه بـ"المجمع العسكري الصناعي الرقمي" في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تحقق شركات تكنولوجية وعسكرية، من بينها شركة "بالانتير"، أرباحًا ضخمة من تطوير خوارزميات اغتيال مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مذكرين بتحذير الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور عام 1961 من مخاطر نفوذ المجمع العسكري الصناعي.

وأضاف التقرير أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيد حربين هجينتين متزامنتين في كل من فنزويلا وإيران، موضحًا أن المشروعين يعودان في جذورهما إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وقد شهدا مؤخرًا تصعيدًا ملحوظًا من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

وأشار الكاتبان إلى أن الولايات المتحدة تسعى في فنزويلا إلى هدفين رئيسيين، هما السيطرة على احتياطيات النفط الضخمة في حزام أورينوكو، والإطاحة بالحكومة اليسارية التي تحكم البلاد منذ عام 1999، موضحين أن الحرب الهجينة ضد كاراكاس بدأت فعليًا عام 2002 بدعم محاولة انقلاب ضد الرئيس الراحل هوغو تشافيز.

وأضاف التقرير أن واشنطن، بعد فشل الانقلاب، صعّدت أدواتها عبر فرض عقوبات اقتصادية، ومصادرة الأصول الفنزويلية، وعرقلة إنتاج النفط، ورغم ذلك لم تنجح في إسقاط الحكومة، وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صعد لاحقًا من إجراءاته عبر قصف كاراكاس، ومحاولات اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، وفرض حصار بحري، وهي خطوات اعتبرها التقرير أعمالًا حربية مستمرة.

وفي السياق نفسه، لفت الكاتبان إلى أن هذه السياسات تتقاطع مع مصالح إسرائيل، التي تسعى لإسقاط الحكومة الفنزويلية بسبب دعمها للقضية الفلسطينية وعلاقاتها الوثيقة مع إيران، مشيرين إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف الهجوم الأمريكي على فنزويلا بأنه "عملية مثالية".

وأكد التقرير أن الولايات المتحدة وإسرائيل تصعدان في الوقت ذاته حربهما الهجينة ضد إيران، متوقعًا استمرار عمليات التخريب والاغتيالات والغارات الجوية، محذرا من أن هذا المسار يحمل خطر التحول إلى حرب إقليمية أو عالمية، وهو ما دفع حتى حلفاء واشنطن في الخليج إلى تكثيف جهود دبلوماسية لثني ترامب عن العمل العسكري.

وأشار الكاتبان إلى أن جذور الصراع الأمريكي مع إيران تعود إلى عام 1953، عندما دعمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وMI6 البريطانية الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق بعد تأميمه النفط، ثم دعم الشاه حتى سقوطه عام 1979، وما تلا ذلك من توترات مستمرة.

وأضاف التقرير أن الهدف الأمريكي–الإسرائيلي يتمثل في إبقاء إيران تحت ضغط اقتصادي ودبلوماسي دائم، مع تقويض أي تسوية تفاوضية قد تطبع وضعها الدولي، مؤكدًا أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2016 شكّل محطة مفصلية في هذا المسار.

وختم الكاتبان بالتأكيد على أن أفضل أمل لوقف هذه السياسات يكمن في موقف جماعي من بقية دول العالم داخل الأمم المتحدة، يرفض الحروب الهجينة، والعقوبات الأحادية، وتسليح الدولار، وانتهاك القانون الدولي، مشيرين إلى أن الشعوب، بما فيها الشعب الأمريكي، لا تؤيد هذه السياسات، لكنها تجد صعوبة في إيصال صوتها.