مقال في "الغارديان" يحذر من إدارة الهجرة الأمريكية: هذا الرعب قد يتكرر بأي مكان

تأسست إدارة الهجرة والجمارك في أعقاب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر- جيتي
نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إنه لم يعد هناك الكثير مما يُثير الصدمة في ولاية دونالد ترامب الثانية، إلا أن مقتل رينيه غود في وقت سابق من هذا الشهر على يد ضابط من إدارة الهجرة والجمارك، فضلا عن المواجهات المتكررة، والتي غالبا ما تكون عنيفة، التي تُنظمها إدارة الهجرة والجمارك في شوارع الولايات المتحدة، تُظهر بوضوح مدى التدهور الحاصل. 

وذكر مقال مالك أن سيادة القانون، وحرية الاحتجاج، وحتى الحق في السير أو القيادة في الشوارع بأمان دون التعرض لاعتداء من الدولة، تبدو قد اختفت في المدن والبلدات التي رسّخت فيها إدارة الهجرة والجمارك وجودها. الجانب الأكثر إثارة للقلق في كل هذا هو سرعة حدوثه. 

وأضاف المقال أنه "لكن لكي تتحول وكالة حكومية مثل إدارة الهجرة والجمارك إلى قوة شبه عسكرية جبارة، لا بد من توافر عدة عوامل أولا، ودونالد ترامب واحد منها فقط.

وأوضح "قد يبدو الأمر وكأن إدارة الهجرة والجمارك (ICE) ظهرت فجأة، لكن هذا النوع من الاستبداد الذي يؤدي إلى هذه الحملات القمعية لا يظهر فجأة. بل يتشكل ببطء، على مرأى ومسمع من الجميع، بطريقة يمكن تتبعها بوضوح مع مرور الوقت.

وقال" أولا، لا بد من دمج قضايا الهجرة والأمن، مؤسسيا وسياسيا. تأسست إدارة الهجرة والجمارك في أعقاب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، كجزء من إعادة هيكلة حكومية في عهد الرئيس جورج بوش الإبن. مُنحت ميزانية ضخمة، وصلاحيات تحقيق واسعة، وشراكة مع فرقة العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي. أصبح إنفاذ قانون الهجرة مرتبطا ارتباطا وثيقا بمهمة الحفاظ على سلامة الأمريكيين بعد أكبر هجوم على الأراضي الأمريكية. ثم امتد هذا التركيز، في عهد باراك أوباما، ليشمل ما هو أبعد من مجرد أولئك الذين يشكلون تهديدا للأمن القومي، ليشمل المهاجرين الذين يتم القبض عليهم على الحدود، وأفراد العصابات، وغير المواطنين المدانين بارتكاب جنايات أو جنح".

واتسع نطاق عمليات الاعتقال، وزادت الميزانيات، وبدأت الإجراءات القانونية الواجبة بالتلاشي. ثم وسّع ترامب نطاق عمل إدارة الهجرة والجمارك لتصبح أكبر وكالة إنفاذ قانون فيدرالية في البلاد، بميزانية تفوق ميزانية معظم جيوش العالم. ومنحها تفويضا مطلقا لإنقاذ الولايات المتحدة من تهديد وجودي، أشبه بحرس بريتوري مُخوّل بسلطته التنفيذية.

وأكد المقال أنه "للوصول إلى ما وصلت إليه الولايات المتحدة اليوم، لا بد من وجود إعلام يميني متطرف يقوم بنشر الذعر وتهيئة الرأي العام، مُروّجا بلا هوادة للهجرة غير الشرعية وخطر التزايد السكاني الهائل. وبطبيعة الحال، فإن حملات الولايات المتحدة الصارمة على الهجرة مدعومة بثقافة عنصرية متجذرة، تتستر وراء مخاوف تتعلق بالأمن العام، لكنها في الواقع وسيلة لتوجيه السخط إزاء واقع بلد أقل بياضا بكثير مما يرغب فيه الكثيرون".

وأشار إلى أنه "يلي ذلك تاريخ طويل وثقافة راسخة للهيمنة العسكرية. بدت مشاهد دخول ضباط إدارة الهجرة والجمارك (ICE) إلى الأحياء، وهم مدججون بالسلاح، لا تكاد تُفرّق عن مشاهد الجنود الأمريكيين في الخارج. ويمكن تلمّس الكثير من أسطورة الجندي الأمريكي، الذي يتمتع بتفويض مطلق لاستخدام العنف في الخارج دفاعا عن الحرية والقيم الأمريكية، في الدعاية المحيطة بإدارة الهجرة والجمارك. ويتجلى اندماج الوظائف العسكرية والشرطية في الترسانات المفرطة لقوات الشرطة المحلية، من طائراتها المسيّرة وأسلحتها ومتفجراتها وناقلات الجنود المدرعة ووجوهها الملثمة. ويتجلى أيضا في الأفراد الذين يتنقلون بين القوات الخارجية والمحلية. وقد ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن جوناثان روس، عميل إدارة الهجرة والجمارك الذي أطلق النار على غود، خدم في العراق".

وذكر مقال مالك "فما الذي جعل ظاهرة إدارة الهجرة والجمارك مألوفة بشكل مرعب لشخص نشأ في ظل أنظمة قمعية. لم يكن الأمر متعلقا بنشر أعداد هائلة من القوات، ولا حتى بالعنف. كان الشعور السائد أن أي شيء قد يحدث لأي شخص، وليس فقط لمن تم تحديدهم صراحة كأهداف مشروعة للحملات القمعية. إن التجربة الدائمة للعيش في ظل الاستبداد لا تكمن في الشعور بهجوم وشيك، بل في الاحتمال الدائم بأن تجد نفسك فجأة في ورطة. قد يحدث ذلك في حادث مروري حيث لم يُعجب الشرطي بنبرة صوتك، أو في تجمع اعتُبر مخالفا لحظر التجول ثم تم فضّه بالقوة، أو حتى على وسائل التواصل الاجتماعي حيث قد يؤثر منشور طائش على قدرتك على مغادرة البلاد. إنها حالة من طمس جميع الحقوق المدنية، وتضخم الحكومة لتصبح حاكما متقلبا ومزاجيا، آمنا أو مخيفا بقدر ما هو المنفذ الوحيد الذي يقف أمامك والذي يُصادف أنه مُخوّل بسلطتها".

وقال "لقد تجاوزت الولايات المتحدة هذا الحاجز. لكن هناك مؤشرات تحذيرية في المملكة المتحدة. التصوير المستمر للمهاجرين كتهديد للأمن والتماسك الاجتماعي. نفس التلميع لصور الحملات القمعية، الذي أصبح الآن سمة من سمات الدعاية الحكومية حيث يحضر الوزراء مداهمات وزارة الداخلية للهجرة".

وأكد أن "التوسع نفسه في صلاحيات الشرطة وسلطاتها التقديرية ليشمل تعريفات أوسع لانتهاك النظام العام، مثل الأخذ في الاعتبار "الأثر التراكمي" للمظاهرات المؤيدة لفلسطين. تحويل الاحتجاج إلى معارضة. تمكين قوات الحدود البريطانية، التي باتت تملك الحق في مصادرة هاتف أي شخص حتى لو لم يكن موقوفا. دوامة النزعة القومية المتطرفة التي تُغذي كل ذلك. أضف إلى ذلك زعيما سياسيا واحدا يتمتع بالكاريزما والكذب، وصحافة يمينية تُضخّم كل الأوهام الضرورية لبلد يمر بأزمة، وستكون على الطريق الصحيح نحو تجاوز هذا الحاجز. قد يحدث هذا في بريطانيا أيضا، ولكن بعدد أقل من الأسلحة".