نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا للصحفي كريستيان كاريل، الرئيس السابق لمكتب موسكو لمجلتي "نيوزويك" و"يو إس نيوز آند وورلد ريبورت"، استعاد فيه تجربة شخصية تعود إلى منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2003، حين استقل هو وزميل له من مجلة "نيوزويك" سيارة في
بغداد متجهين غربا، بعد أسابيع طويلة من تغطية الاحتلال الأمريكي المضطرب للعراق، على أمل الحصول على قدر من الراحة.
ولم تسمح لهما التطورات بالمغادرة، إذ عبرا بعد رحلة طويلة ومتوترة الحدود إلى الأردن، قبل أن يكتشفا أن القوات الأمريكية ألقت القبض على الرئيس العراقي صدام حسين، ما دفع رؤساء التحرير في نيويورك إلى مطالبتهما بالعودة فورا لتغطية الحدث.
وأوضح الكاتب أن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن بدا في غاية السعادة، وطمأن الأمريكيين بقوله: "في تاريخ العراق، انتهى عهد مظلم ومؤلم، لقد أتى يوم مشرق، بإمكان جميع العراقيين الآن أن يتحدوا ويرفضوا العنف ويبنوا عراقا جديدا".
وأبدى أنصاره تفاؤلا مماثلا، معتبرين أن اعتقال صدام يمثل "نهاية البداية"، غير أن بوش وإدارته لم يتوقعوا أن يستمر الاحتلال ثماني سنوات إضافية، وأن يسفر عن عشرات الآلاف من الضحايا الأمريكيين، بينهم نحو 4500 قتيل، إضافة إلى هدر مئات المليارات من الدولارات، فضلا عن مقتل أعداد لا تحصى من العراقيين، من مقاتلين ومدنيين أبرياء.
وأشار كاريل إلى أنه أثناء متابعته للمؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب صباح الثالث من كانون الثاني/ يناير بشأن القبض على نظيره الفنزويلي نيكولاس
مادورو.
تذكر الكاتب بوضوح تلك اللحظة التي عاشها قبل 22 عاما، معتبرا أن أوجه الشبه كانت لافتة، فكما ابتهج بوش بالقبض على صدام، عبّر ترامب عن نشوة عملية عسكرية ناجحة بأقل الخسائر، واصفا إياها بأنها "واحدة من أكثر العروض إثارة للدهشة والفعالية والقوة العسكرية الأمريكية في التاريخ الأمريكي".
وبعبارات ذكّرت بتصريحات بوش بعد الغزو، أعلن ترامب أن واشنطن ستتولى زمام الأمور قائلا: "سندير البلاد إلى أن نتمكن من إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم"، وتحدث بدوره عن "إعادة بناء"
فنزويلا من خلال استغلال احتياطياتها النفطية الضخمة.
ورأى الكاتب أن هذه التصريحات تشير إلى أن ترامب، على عكس نواياه المعلنة، يكرر الخطأ الجوهري ذاته الذي أطاح بمساعي
الولايات المتحدة لإعادة تشكيل العراق، إذ أخفق، مثل بوش، في إدراك أن إزاحة دكتاتور لا تكفي لتجاوز إرث ديكتاتورية امتد لعقود.
وبيّن أن بوش اعتقد في عام 2003 أن اعتقال صدام سيقنع أنصار نظامه البعثي بعدم جدوى استمرار المقاومة.
وفي عام 2026، أزاحت الولايات المتحدة الزعيم الفنزويلي، لكن الشخصيات الأساسية في نظام مادورو، ولا سيما وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، بقيت في مواقعها.
و"لا تزال الحكومة نفسها تسيطر على الحزب الحاكم والشركات الحكومية الكبرى والجيش، فيما تواصل الدولة البوليسية عملها بكامل طاقتها، بما في ذلك جهاز مراقبة واسع يمتد، على غرار النموذج الكوبي، حتى مستوى الأحياء، كما تنتشر الميليشيات الحكومية والعصابات الإجرامية الخاصة، فيما تعج البلاد بالأسلحة، على نحو شبيه بما كان عليه العراق بعد صدام".
واعتبر أن هذه المعطيات لا توحي بقرب انطلاق عهد جديد من الحكم الرشيد، غير أن ترامب يبدو مقتنعا بأن خطوته الجريئة في كاراكاس قادرة على تفادي إخفاقات التجربة العراقية.
وعندما سأله مراسل مجلة "ذا أتلانتيك"، عقب اعتقال مادورو، عن خطر تكرار فشل واشنطن قبل عقدين، رد ترامب بغضب: "أنا لم أغزو العراق. هذا كان بوش. عليك أن تسأل بوش هذا السؤال، لأنه ما كان ينبغي لنا أبدا أن نغزو العراق. لقد كان ذلك بداية كارثة الشرق الأوسط".
وأضاف الكاتب أن بعض المؤشرات توحي بأن ترامب يعتزم تجنب "لعنة العراق" عبر إدارة فنزويلا عن بعد.
ففي مؤتمره الصحفي في الثالث من كانون الثاني/ يناير، أدلى بتصريح لافت عن نائبة الرئيس الفنزويلية آنذاك ديلسي رودريغيز، واصفا إياها بأنها "مستعدة تماما لفعل ما نراه ضروريا لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى".
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أوصت بالإبقاء على رودريغيز ومسؤولين كبار آخرين في مناصبهم، بحجة أن المعارضة الديمقراطية، التي فازت بتفويض شعبي واضح في الانتخابات الأخيرة، غير قادرة على ممارسة السلطة. وبعد تصريحاتها الحادة في البداية، حاولت رودريغيز، عقب تلقيها تهديدا من ترامب، تبني موقف أكثر مرونة.
ورأى كاريل أنه إذا واصلت رودريغيز تلبية رغبات ترامب، فمن الصعب تصور بقائها طويلا في السلطة، نظرا لوجود زملاء متشددين في الحكومة يدركون أنهم سيواجهون السجن في الولايات المتحدة إذا سمحوا لترامب بتحقيق أهدافه.
واعتبر أن هذا الوضع طبيعي في نظام قائم على أيديولوجية معادية بشدة للولايات المتحدة، ورثها عن سلف مادورو، الراحل هوغو تشافيز، مشبها توقع تخلي شخصيات بارزة عن التشافيزية بمحاولة إقناع متشددين في حزب البعث بالتخلي عن صدام حسين بعد عام 2003.
وأشار الكاتب إلى أهمية معرفة ما يسعى ترامب إلى تحقيقه فعليا من إزاحة مادورو، مؤكدا أنه حتى وقت كتابة المقال فشلت الإدارة الأمريكية في توضيح أهدافها أو استراتيجيتها.
وتساءل عما إذا كانت واشنطن تهدف إلى مواجهة النفوذ الصيني والروسي في نصف الكرة الغربي، انسجاما مع توجه ترامب نحو تطبيق نسخة عدوانية جديدة من مبدأ مونرو، أم أن الهدف الأساسي يتمثل في منح شركات النفط الأمريكية موقعا مهيمنا في السوق الفنزويلية، كما ألمح ترامب في مؤتمره الصحفي الأول.
ولفت إلى أن الإبقاء على النظام القديم لا يبدو قادرا على تحقيق أي من هذين الهدفين، متسائلا عن الحافز الذي قد يدفع شخصيات مثل رودريغيز أو كابيلو أو وزير الدفاع فلاديمير بادرينو للخضوع لشركة إكسون موبيل.
وأضاف أن إزاحتهم ستتطلب على الأرجح جهدا عسكريا جديدا، وهو أمر جرى التحذير منه مسبقا.
وأوضح أن جهود إرساء الديمقراطية على غرار تجربة بوش لا تبدو مطروحة في الوقت الراهن، معتبرا أن ترامب قد يشترك مع بوش في أوهام القدرة على إحداث تغيير جذري عبر القوة العسكرية، لكنه يختلف عنه في كونه ليس من المحافظين الجدد.
وأشار إلى أن ترامب أظهر تفضيله التعامل مع الديكتاتوريين والحكام المستبدين على التعامل مع الديمقراطيات الحليفة، وهو ما يفسر نبرته الاستعلائية عند حديثه عن زعيمة المعارضة الفنزويلية، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، ماريا كورينا ماتشادو.
ومع ذلك، أعلن في مؤتمر الثالث من كانون الثاني/ يناير أن الولايات المتحدة تخطط "لإدارة البلاد" بعد إزاحة مادورو، ملمحا إلى "انتقال" غير محدد لاحقا، ظل مصيره غامضا.
وذكر أن وزير الخارجية ماركو روبيو حاول لاحقا تهدئة هذه التصريحات، مشيرا إلى إمكانية تحقيق أهداف واشنطن عبر الضغط على حكومة كاراكاس من خلال حصار ناقلات النفط، غير أن ترامب عاد بعد ساعات ليناقضه، مؤكدا: "نحن من يدير الأمور... نحتاج إلى الوصول إلى النفط وغيره من الموارد في بلادهم التي تمكننا من إعادة بناء بلادهم"، في إشارة إلى أن مشروع "إعادة البناء" يفترض تمويله من عائدات قطاع نفطي معاد تنشيطه تحت إدارة أمريكية.
وأشار الكاتب إلى أن تجربة العراق تفسر سبب احتمال بقاء هذا الهدف بعيد المنال، إذ إن موارد العراق النفطية الهائلة لم تمنع التمرد المستمر من تقويض جهود إعادة إحياء قطاع النفط، ما دفع الولايات المتحدة إلى تمويل جزء كبير من الاحتلال من أموال دافعي الضرائب.
وبيّن أن العراق احتاج سنوات لإعادة الإنتاج إلى مستوياته السابقة، معتبرا أن التحدي ذاته يواجه فنزويلا، حيث تراجع قطاع النفط إلى مجرد ظل لما كان عليه بسبب نقص الاستثمار والفساد وسوء الإدارة. وأكد أن معالجة هذه المشكلات تتطلب استثمارات ضخمة، قد يثني عنها تدهور الوضع الأمني، محذرا من أن تتحول فنزويلا ما بعد مادورو إلى نسخة شبيهة بالعراق ما بعد صدام بوتيرة أسرع مما يتوقعه كثيرون.
وأكد كاريل أن ترامب وبوش يشتركان في عيب جوهري آخر، يتمثل في افتراضهما أن القوة العسكرية الأمريكية الهائلة قادرة على رسم مصائر الدول المستهدفة.
وذكّر بأن إدارة بوش تجاهلت كما كبيرا من الأبحاث التي أعدتها وزارة الخارجية حول كيفية إدارة العراق، ما أدى إلى سياسات وُصفت بالجاهلة وسوء التصميم، مثل قرار حل حزب البعث الحاكم، الذي أفقَر عددا كبيرا من المسؤولين ودفعهم للانضمام إلى التمرد، وكانت له تبعات مدمرة.
وختم الكاتب بالإشارة إلى أن استخفاف ترامب بالاستراتيجية والتخطيط يتجلى في عجزه عن تقديم حتى الخطوط العريضة لرؤية قابلة للتطبيق لمستقبل فنزويلا.
وأضاف أن ترامب قلّص موارد وزارة الخارجية إلى حد كبير، وأفرغ مؤسسات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومعهد السلام الأمريكي من مضمونها، رغم أنها كانت قادرة على لعب دور في إدارة فنزويلا ما بعد مادورو، معتبرا أن هذا السلوك يعكس غطرسة شبيهة بغطرسة المتدخلين في عهد بوش، الذين يسخر منهم أنصار شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا".