حذر كاتب أمريكي
من تزايد مؤشرات استعداد الولايات المتحدة، وربما
إسرائيل، لشن غارات جوية على
إيران، في ظل تصاعد الاحتجاجات الداخلية ضد النظام، مشيرا إلى أن التهديدات
العلنية الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتحركات السياسية والعسكرية
المصاحبة لها، تثير مخاوف من مغامرة عسكرية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها
إضعاف الاحتجاجات وفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع.
ونشرت مجلة
"فورين
بوليسي " مقالا لأستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن،
مارك لينش، قال فيه إن احتمالات شن غارات جوية أمريكية، وربما إسرائيلية، على إيران
تبدو في تزايد، ظاهريا لدعم الاحتجاجات ضد النظام.
وقد دأب الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب على نشر تهديدات مباشرة متزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما يسرب
مسؤولون في إدارته معلومات غزيرة حول استعداداتهم. ويبدو أن ترامب مُعجب للغاية بنجاحه
المزعوم في فنزويلا وبالغارات الجوية الأمريكية التي شنت العام الماضي على إيران، ولطالما
استخفّ بالخبراء الذين يحذرون من المخاطر والعواقب.
وتشير تقارير من خارج
الولايات المتحدة إلى أنه جرى التشاور مع مسؤولين أوروبيين بشأن الأهداف المحتملة،
وأُفيد بأن بعض الأفراد نصحوا بمغادرة القواعد الأمريكية في الخليج.
ولا تشير أي من هذه
المؤشرات إلى أن الهجوم أمر محسوم - فقد يختار ترامب جولة أخرى من العقوبات والهجمات
الإلكترونية - لكن هذه الإشارات مقلقة.
وتساءل الكاتب عن سبب
إقدام الولايات المتحدة على قصف إيران الآن؟ مجيبا أن الأمر لا يقتصر على الاحتجاجات
فحسب. فإسرائيل تحرض على جولة أخرى من العمل العسكري ضد البرنامج النووي الإيراني،
وقد ضغط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على ترامب بهذا الشأن خلال اجتماعهما في أواخر
كانون الأول/ ديسمبر. لكن الاحتجاجات، والقمع العنيف المتوقع من إيران، تتيح فرصة للتحرك
استجابة لمطلب سياسي قديم. لطالما كان تغيير النظام في إيران الهدف الأسمى للصقور الأمريكيين
والإسرائيليين لعقود.
وقال الكاتب أن كثيرون
قد اقتنعوا بأن الاحتجاجات تضعف النظام الإيراني، وأن دفعة عسكرية بسيطة كفيلة بإسقاطه،
بالطبع، لا يتعلق الأمر بتعزيز الديمقراطية في إيران. فنحن جميع ندرك تماما موقف ترامب
من الديمقراطية من خلال تصرفاته في الداخل والخارج (من فنزويلا إلى أوكرانيا إلى الدنمارك
إلى الاتحاد الأوروبي إلى غزة).
وأضاف أن الإيرانيون
في الشوارع يرغبون بالديمقراطية، وبالتأكيد يريدون أكثر من مجرد فرض ديكتاتور موال
لأمريكا، لكن ترامب لا يبالي بما يريدونه، وكذلك العديد من الصقور الذين يعلنون بصوت
جهوري عن حبهم ودعمهم الأبدي للشعب الإيراني.
وتابع أنه مهما بلغ
غضب الإيرانيين من الجمهورية الإسلامية، فإن وصول زعيم إيراني جديد مدعوما بقصف أمريكي
لن يلقى ترحيبا يذكر لدى الشعب الإيراني ذي النزعة القومية المتشددة.
ولكن ما نوع القصف
الذي قد نتوقعه؟
وأشار الكاتب أن الصقور
الأمريكيون والإسرائيليون يحلمون بضربة اغتيال على غرار حزب الله، تطيح بالمرشد الأعلى
آية الله علي خامنئي وكبار قادة الجمهورية الإسلامية والحرس الثوري. لكن نجاح الهجوم
الإسرائيلي عام 2024، الذي أودى بحياة حسن نصر الله في بيروت، من غير المرجح أن يتكرر
في طهران.
وأضاف أن القادة الإيرانيون
يدركون إمكانية تنفيذ مثل هذه الضربة. لقد أمضوا الأشهر الستة الماضية في استئصال الجواسيس
والمخبرين المحتملين، الحقيقيين والمتوهمين، ومن غير المرجح أن يمنحوا إسرائيل فرصة
لتنفيذ عملية اغتيال مباشرة. حتى لو نجحت هذه الضربة بطريقة ما (ولا ينبغي الاستهانة
بقدرة الاستخبارات الإسرائيلية على اختراق إيران)، فإن النظام الأرجح بعد خامنئي سيكون
بقيادة الحرس الثوري وقوات الأمن المتشددة.
وتابع أن الأرجح هو
شن حملة قصيرة إلى متوسطة المدى لإضعاف قدرات الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج
شبه العسكرية، بهدف الحد من قدرة الدولة الإيرانية على القمع، وإتاحة الفرصة للمتظاهرين
للتغلب على ما تبقى من قوات النظام. لكن هذا لن يكون سهلا في الواقع كما يبدو على وسائل
التواصل الاجتماعي.
وأردف أنه في هذه الأيام،
تنتشر قوات الأمن التابعة للنظام في أماكن تواجد المتظاهرين، وقصف هذه القوات سيؤدي
حتما إلى مقتل العديد من المتظاهرين وتفريق الباقين خوفا من استهدافهم. قد تخدم غارة
جوية أخرى على المواقع النووية أهداف مكافحة الانتشار النووي، لكنها لن تشجع المتظاهرين
كثيرا، ونظرا لميل الإيرانيين إلى الالتفاف حول العلم عند قصفهم من قبل الولايات المتحدة
وإسرائيل، فإن التأثير الأرجح لحملة قصف لا تستهدف القيادات هو تهدئة الاحتجاجات وإنهاؤها
في نهاية المطاف.
وقال الكاتب إنه كما
توجد تحديات لوجستية أمام حملة قصف مستمرة. فمعظم الأصول العسكرية الأمريكية منتشرة
حاليا في منطقة الكاريبي في إطار حملة فنزويلا الطموحة، مما يجعل القدرات الأمريكية
في الخليج في أدنى مستوياتها منذ زمن طويل. وتشير التقارير إلى أن مخزونات صواريخ الاعتراض
والقنابل الذكية آخذة في النفاد. ومن غير المرجح أن تقف إيران مكتوفة الأيدي، مما يزيد
من مخاطر اندلاع حرب إقليمية شاملة في قلب صناعة النفط العالمية.
وأضاف أنه كما أنه
من غير المرجح أن تسد دول الخليج هذا الفراغ. فهي، في معظمها، تتوق إلى الاستقرار،
لا إلى صراع قد يؤدي إلى انهيار دول وتدفق موجات من اللاجئين وهجمات انتقامية في جميع
أنحاء المنطقة القريبة من إيران. وقد عارضت كل من السعودية وقطر أي هجوم أمريكي على
إيران. ولا تظهر الرياض أيا من النزعة الدموية لتغيير النظام في إيران التي ميزت الأيام
الأولى لتولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان السلطة الفعلية.
وتابع أنه لا يزال
التقارب بين السعودية وإيران، الذي تم بوساطة صينية قبل بضع سنوات، قائما، ويرتكز على
المصالح السعودية في الحفاظ على بيئة مستقرة نسبيا للتنمية الاقتصادية. ويتعزز هذا
الأمر بفعل المخاوف السعودية المتزايدة الوضوح بشأن إسرائيل غير المقيدة، ليس فقط في
غزة، بل في الضربات العسكرية في جميع أنحاء المنطقة. كما أن التحول السعودي الحاد ضدّ
الإمارات العربية المتحدة خلال الشهر الماضي، والتشكيل الفعلي لتحالف عسكريّ جديد يضمّ
تركيا وباكستان ومصر وبعض الدول العربية، يهدفان بوضوح إلى موازنة هذا التهديد الإسرائيليّ
المتصور، والذي من شأن أي هجوم على إيران أن يفاقمه.
وقال إن من غير المرجّح
أن يسقط العمل العسكري الأمريكي في الوقت الراهن النظام الإيراني، ومن غير المرجح أن
يحمي المدنيين الإيرانيين. حتى لو حالف الحظ مرة أخرى ترامب في مغامراته في السياسة
الخارجية، وتم تجنب أسوأ التداعيات المحتملة، فمن المرجح أن يكون للضربات تأثير مباشر
هامشب فقط. وستزيد هذه الضربات من مخاوف دول الخليج من التوسّع الإسرائيلي، وتجرد المتظاهرين
الذين يواجهون النظام من شرعيّتهم وتضعف حركتهم، وتضفي مزيدا من التطبيع على العمل
العسكري المتقطع دون مسوغ قانوني. وقد تقوض أيضا الدعم الدولي للعقوبات التي، على الرغم
من كل المعاناة الإنسانية التي تسبّبت بها، كانت أيضا دافعا رئيسيا للإخفاقات الاقتصادية
وتدهور قدرات الدولة الذي أشعل فتيل الاحتجاجات في المقام الأوّل.