لعنة الذهب الأسود.. النفط والإمبراطورية وسقوط "باكس أميريكانا"

ترامب تحدث عن عقود ضخمة للشركات النفطية الأمريكية في فنزويلا- الأناضول
تناول تقرير لموقع "كاونتر بانش"، ارتباط النفط بالصراعات العالمية، موضحًا كيف تحولت هذه الثروة إلى أداة للهيمنة والحروب، من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، وما تسببه من فساد ودمار بيئي واقتصادي.

وقال الموقع، في تقريره الذي ترجمته "عربي21"، إن النفط يجلب المتاعب أينما وُجد، متحديًا قيم عالم يُفترض أنه متنور؛ فمنذ اكتشاف إدوين دريك الشهير في بنسلفانيا عام 1859، ظل الوجه القبيح للنفط بعيدًا عن الاهتمام، إذ تقوم الصناعة على الاستخراج دون تنظيم، والسرعة دون أمان، والأرباح قبل الإنسان. ويفرض النفط قواعده الخاصة مهما كان الثمن، حتى لو كان ذلك عبر شن الحروب، وقد ارتبطت التدخلات العسكرية الأمريكية دومًا بأهم سلعة في العالم.

وأشار الموقع إلى أن محاولات حفظ السلام لم تمنع الحروب وعدم الاستقرار في المناطق الغنية بالنفط، حيث اندلعت صراعات بين إيران والعراق والسعودية واليمن، إضافة إلى الحروب الأهلية في العراق وسوريا وليبيا، فضلًا عن سقوط صدام حسين والاحتلال الأمريكي للعراق. فيما استمرت تداعيات الإرهاب بعد عقود من التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، كما كانت خطوط الغاز والرسوم سببًا في غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022.

وتعيش فنزويلا حصارًا طويلًا بسبب احتياطاتها الهائلة في حزام أورينوكو واعتمادها المفرط على النفط الذي يشكل أكثر من 90 بالمئة من الناتج المحلي، حيث كان البنزين يباع بأقل من التكلفة وكان استيراد الطعام أرخص من إنتاجه. وكانت فنزويلا تنتج نحو 3 ملايين برميل يوميًا قبل أن تؤدي العقوبات الأمريكية عام 2019 إلى انهيار قدرتها على التجارة في السوق المفتوحة، فانخفض الإنتاج إلى أقل من مليون برميل يوميًا.

وأضاف الموقع أن النفط يترك ندوبه على الجميع، محولًا العالم إلى رقعة شطرنج تُدار فيها حروب صامتة داخل مجالس الشركات ومكاتب الحكومات. لقد انهار النظام العالمي الهش تمامًا في الثالث من يناير/ كانون الثاني 2026، حين نفذت القوات الأمريكية عملية سرية لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ما أثار مخاوف سيادية حول العالم وزعزع الأسواق النفطية.

وأفاد الموقع أن الأزمات الدولية ارتبطت بالنفط منذ تأسيس منظمة أوبك عام 1960، بعد مباحثات بين الوزير الفنزويلي خوان بابلو بيريز ألفونزو والمسؤول السعودي عبد الله الطريقي، حيث سعى الطرفان إلى رفع العوائد المتدنية التي كانت تحصل عليها بلديهما من الشركات الأجنبية المسيطرة على المورد الأساسي.

وقال الموقع إن فكرة إنشاء مجموعة للمنتجين وُلدت لأول مرة عام 1959 خلال مؤتمر البترول العربي في القاهرة، قبل أن تُحسم في اجتماعات لاحقة ببغداد عام 1960، حيث انضمت إيران والعراق والكويت. 

وأشار الموقع إلى أن الدافع الأول لتأسيس منظمة أوبك كان خفضًا أحاديًا بنسبة 10 بالمئة في أسعار النفط من قبل "الأخوات السبع" (بي بي وستاندرد جيرسي وسكوني وتكساكو وسوكال وغلف وشل)، التي كانت تسيطر على معظم السوق العالمية، بزعم مواجهة الاتحاد السوفيتي الذي تضاعف إنتاجه خلال خمس سنوات ليصل إلى نحو 60 بالمئة من إنتاج الشرق الأوسط. لكن هذه الخطوة ألحقت ضررًا كبيرًا بإيرادات الدول المنتجة، وجاءت الضربة القاضية بخفض إضافي بنسبة 8 بالمئة قادته ستاندرد جيرسي.

وأوضح الموقع أن أوبك غيّرت العلاقات الدولية، إذ منحت الدول المنتجة للنفط لأول مرة حق تقرير مصير مبيعاتها العالمية. ورغم وجود ترتيبات سابقة لتقاسم الأرباح بنسبة 50-50 كما في فنزويلا، فإن الدول الغنية بالنفط طالبت بالمزيد من حصتها. وكما قيل بعد تأسيس المنظمة: "كان واضحًا منذ البداية أن تخفيض الأسعار قد يؤدي إلى إنشاء ما وصفه بعض المندوبين بأنه كارتل لمواجهة كارتل".

واستعارت أوبك أسلوب جون دي روكفلر، رائد الكارتلات، الذي هيمنت شركته "ستاندرد أويل" على أكثر من 90 بالمئة من سوق النفط الأمريكي قبل تفكيكها عام 1911. وتبدلت استراتيجيات أوبك بين خفض الإنتاج لرفع الأسعار عبر الحصص، أو إغراق السوق لخفضها وزيادة الحصة السوقية في مواجهة المنافسين، مثل منتجي النفط الصخري والرمال النفطية والطاقة المتجددة. ومع دخول منتجين كبار كروسيا وبحر الشمال والولايات المتحدة وكندا، تراجع نفوذ أوبك لكنه بقي عاملًا مؤثرًا في تسعير النفط عالميًا.

وأوضح الموقع أن السعودية لعبت دور "المنتج المرجّح" عالميًا، محتفظة بفائض يصل إلى مليوني برميل يوميًا، ترفعه أو تخفضه للحفاظ على الأسعار وحماية حصتها. ومنذ عام 2016، اتفقت روسيا على التنسيق مع أوبك في ما يُعرف بـ "أوبك+" لضبط الإنتاج والأسعار.


وأضاف الموقع أن منظمة أوبك تأسست بدايةً في جنيف قبل أن تنتقل إلى فيينا بعد خمس سنوات، وكانت عند إنشائها تمثل 80 بالمئة من نفط العالم. وكانت الدول المؤسسة هي السعودية وإيران والعراق والكويت وفنزويلا، إلا أن المنظمة تضم اليوم 12 عضوًا وتسيطر على أكثر من ثلاثة أرباع الاحتياطيات العالمية وثلث الإنتاج. وتمتلك الدول الأربع الكبرى - فنزويلا والسعودية وإيران والعراق - أكثر من نصف الاحتياطيات العالمية وربع الإنتاج، بعائدات سنوية تجاوزت عادةً تريليون دولار، رغم تراجع الأرباح مؤخرًا مع انخفاض الأسعار.

ورغم عوائده الضخمة، يمثل النفط لعنة للحكومات التي تعتمد عليه بشكل مفرط، إذ تنهار اقتصاداتها مع هبوط الأسعار لغياب التنويع، فيما يُعرف بـ "المرض الهولندي" الذي أصاب هولندا بعد الإفراط في استغلال الغاز الطبيعي على حساب قطاعات أخرى، وتبدو الولايات المتحدة ليست بعيدة عن هذا النموذج، إذ تراهن على النفط حتى ولو كان ذلك على حساب صحتها واقتصادها.

وأوضح الموقع أن الوضع أسوأ في الدول النامية، حيث لا يسهم النفط في دعم الاقتصاد المحلي إلا بقدر ضئيل، إذ لا يحتاج تشغيل المصافي الحديثة سوى بضع مئات من العمال رغم تكلفتها بمليارات الدولارات. وغالبًا ما تشوه شركات النفط العالمية اقتصادات الدول المضيفة وتحولها إلى أحادية المورد بدلًا من دعم التنمية والتنوع. 

وبحسب المقع؛ ففي فنزويلا، سيطر النفط على الأجندة السياسية لعقود طويلة، محققًا أرباحًا هائلة لشركات النفط الأمريكية منذ بدء الاستخراج عام 1914. وقد شكل استخدام دعائم خرسانية مسلّحة مجوفة بدلًا من الأعمدة الخشبية في مياه بحيرة ماراكايبو عام 1924 نقلة تقنية لاحقة استُخدمت في منصات بحر الشمال والمحيط الأطلسي.

وأشار الموقع إلى أن انتخاب هوغو تشافيز عام 1998 غيّر المشهد، إذ حوّل شركة النفط الوطنية إلى مؤسسة حكومية بالكامل عام 2001 تحت شعار "زرع النفط"، أي توجيه الأرباح لخدمة الشعب. وأنفق تشافيز، بعد نجاته من محاولة انقلاب مدعومة أمريكيًا عام 2002، ثروة النفط على التعليم والصحة والبرامج الاجتماعية لمعالجة التفاوت الطبقي الكبير في المجتمع الفنزويلي.

وأوضح الموقع أن الشركة أنفقت عام 2006 نحو 10 مليارات دولار على المشاريع الاجتماعية مقابل 5.9 مليارات على العمليات النفطية. ولم يكن نجاح فنزويلا نتيجة سياسات تشافيز وحدها، بل أيضًا لارتفاع أسعار النفط من 12 دولارًا للبرميل إلى 140 دولارًا عام 2008. أما خلفه نيكولاس مادورو فكان أقل حظًا بعد انهيار الأسعار عام 2014، حيث واجه معارضة قوية بينما تكافح فنزويلا للتنويع والاعتماد على موارد أقل.

وقال الموقع إنه في عام 2026، وبعد سلسلة هجمات مزعومة من “قوارب المخدرات” وحصار نفطي وتهديدات بالغزو من دونالد ترامب، نفذت الولايات المتحدة غارة فجرية على مادورو أودت بحياة نحو 80 شخصًا، فيما وُصفت بـ “ضربة إقصاء الرأس” لإنهاء قيادته. وزعمت واشنطن تورطه في الإرهاب وتجارة المخدرات استنادًا إلى ملف اتهام عام 2020.

وأضاف الموقع أن دول العالم أدانت الضربة على اعتبارها خرقًا للقانون الدولي، واعتبرتها حلقة جديدة في سلسلة عداءات أمريكية لدول غنية بالنفط مثل العراق وإيران وليبيا ونيجيريا. وفي مؤتمر لاحق، صرح ترامب بأن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا وتعيد بناء بنيتها التحتية لضخ النفط تحت سيطرتها.

وأشار الموقع إلى أن مراقبين يشككون في الدافع المعلن لمكافحة “الإرهاب المخدراتي”، معتبرين أن الهدف الأرجح هو السيطرة على النفط وإرسال رسائل سياسية إلى دول مثل الصين وكندا وروسيا، أو الانتقام من التدخلات الفنزويلية المزعومة في انتخابات 2020، وليس الدفاع عن الديمقراطية أو تحرير الشعب الفنزويلي.

وأوضح الموقع أن الولايات المتحدة تخطط للسيطرة بالقوة على موارد النفط والمعادن في نطاق نفوذها الجديد، وسط اتهامات داخلية بالنفاق والفساد؛ حيث وصف النائب جيمس تالاريكو الحرب بأنها تخدم المتبرعين النفطيين لحملة ترامب، فيما شككت النائبة مارجوري تايلور غرين في النوايا، متسائلة عن سبب استهداف فنزويلا بدلًا من الكارتلات المكسيكية، مشيرة إلى تناقض إدارة ترامب في التعامل مع المخدرات، بما في ذلك عفوه عن رئيس هندوراس المدان بتجارة الكوكايين.

ونقل الموقع عن مصادر أن واشنطن، استنادًا إلى مبدأ مونرو المحدث، تعيد فرض هيمنتها على الأمريكتين، مستبدلة الشرق الأوسط بفنزويلا كمصدر رئيسي للموارد. وفي تحول تاريخي، استبدل ترامب نهج روزفلت الدبلوماسي مع السعودية بعقيدة جديدة سماها “عقيدة دونرو”، تزامنًا مع تغيير اسم وزارة الدفاع إلى “وزارة الحرب”، في مؤشر على توجه عدائي مباشر للسيطرة الإقليمية.

وأكد الموقع أن الولايات المتحدة تتخلى عن دور “اللاعب النزيه” في سباق الموارد العالمي، متبعة سياسة المراوغة لفرض مصالحها، ما أدى إلى تآكل النظام العالمي القائم على القواعد لصالح “قانون الغاب”، مما يفتح الباب أمام الأنظمة الاستبدادية لتقليد النموذج الأمريكي، كما يظهر في تحركات روسيا نحو كييف والصين نحو تايبيه، مهددة التحالفات التقليدية وبدء حقبة جديدة من الفوضى الدولية.


وأشار الموقع إلى أن البرازيل والإكوادور قد تكونان الأهداف التالية؛ ففي البرازيل، يتحدى الرئيس لولا النخب المالية بتقييد وصول شركات النفط الأجنبية وبدعم برامج مكافحة الفقر، ورفض العفو عن حليف ترامب السابق بولسونارو المتورط بمحاولة انقلابية. وفي الإكوادور، يستمر الصراع مع شركات النفط الأمريكية مثل تكسكو وشيفرون التي تسببت بكوارث بيئية، ورفضت الامتثال لحكم قضائي بدفع مليارات الدولارات.

وأوضح الموقع أن الأنشطة النفطية أدت إلى تدمير نحو 30 بالمئة من غابات الأمازون الإكوادورية وتهديد ثقافات أصيلة بالانقراض نتيجة التلوث والقطع الجائر. ورغم دعوات البابا فرنسيس لعدم حصر استغلال الموارد في المنافع قصيرة الأجل، يبقى الواقع أن شركات النفط الأمريكية لا تضع حماية حياة المواطنين في البرازيل أو الإكوادور ضمن أولوياتها، بل تسعى للاستغلال المباشر للموارد.

وقال الموقع إن أزمات النفط لا تقتصر على الدول النامية؛ فبينما تسعى دول كالبرازيل وفنزويلا لتجاوز الفقر عبر مواردها، تحولت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى “دولة أوليغارشية” يهيمن عليها بوتين، الذي يسيطر على جيرانه بسلاح الغاز ويمتلك ثروات هائلة غير معلنة في شركات الطاقة الكبرى وقصور وطائرات، محولًا الاقتصاد إلى أداة نفوذ سياسي.

وأضاف الموقع أن العلاقة بين ترامب وبوتين تبرز كتحالف محتمل لتعزيز الاستكشاف النفطي، خاصة في القطب الشمالي وتنظيم الأسواق الدولية، بدل التنافس التقليدي. وتاريخيًا، يُعد جين بول جيتي رمزًا للجشع النفطي؛ فباعتباره أول ملياردير نفطي، استحوذ على امتيازات ضخمة في المنطقة المحايدة بين السعودية والكويت، مؤمنًا بأن “الودعاء لن يرثوا حقوق المعادن”، مخلفًا إرثًا من ثروة فاحشة ممزوجة بالبخل الشديد.

واختتم الموقع بالقول إن المأساة العالمية تكمن في نظام “ميركانتيلي” الذي يحافظ على رخص الموارد وضعف معايير السلامة في الدول الفقيرة مقابل رفع أسعار السلع في الدول الغنية، مما يكرس الفجوة الاقتصادية.

وأكد أن الوقت قد حان لوقف هذه “اللعبة الهزلية” ومطالبة الحكومات والشركات بالتوقف عن تدمير البيئة وإبادة المجتمعات في كل مناطق النفط، فالفوز في هذا السباق لا قيمة له إذا أدى إلى دمار كل شيء.