في خضم تصاعد الاحتجاجات في العمق
الإيراني واتساع رقعتها اجتماعيا وسياسيا، بدأت أوساط الاحتلال
الإسرائيلية تنظر إلى ما يجري داخل إيران بوصفه عاملا مؤثرا في معادلات الأمن الإقليمي، وليس مجرد شأن داخلي عابر.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية وضعف الاستقرار الداخلي، أعادت المؤسسات الأمنية والسياسية في تل أبيب ترتيب الحسابات العسكرية والسياسية تجاه
طهران، باعتباره مشهدا متغيرا قد يوسع هامش المناورة أو يفرض قيودا إضافية على أي خيار عسكري، في لحظة إقليمية تتسم بحساسية عالية وتشابك غير مسبوق بين الجبهات.
وشهدت إيران منذ 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 موجة احتجاجات واسعة، ولا تزال مستمرة حتى مطلع كانون الثاني/يناير 2026، واندلعت التحركات عقب انهيار قياسي للريال الإيراني أمام الدولار، الذي بلغ نحو 1.45 مليون ريال للدولار الواحد، في ظل تضخم يتجاوز 40–50% وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة.
وبدأت الاحتجاجات بإضراب للتجار في سوق طهران الكبير (البازار)، ثم اتسعت رقعتها لتشمل ما بين 17 و22 محافظة من أصل 31، وامتدت إلى مدن ومحافظات مثل أصفهان وشيراز وهمدان وكرمانشاه وأحواز ولرستان، لتصل إلى نحو 113 موقعًا في 46 مدينة.
اتسمت الموجة في بدايتها بطابع اقتصادي مرتبط بالتضخم وانهيار العملة ونقص المياه والطاقة، لكنها سرعان ما اكتسبت بعدا سياسيا مع شعارات مناهضة للنظام من قبيل “الموت للديكتاتور” و“نريد إسقاط النظام”، وشارك فيها تجار وطلاب وعمال ومتقاعدون، وتخللتها هجمات على مبان حكومية وبنوك ومحطات شرطة، لتُعد الأكبر منذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022.
الرد الحكومي الإيراني ومحاولات الاحتواء
على صعيد الرد الحكومي، اعتُقل عشرات المتظاهرين، وأعلنت الحكومة إجازة عامة في معظم أنحاء البلاد بذريعة الطقس البارد، فيما قُتل ما لا يقل عن 7–8 متظاهرين بنيران قوات الأمن، إضافة إلى إصابات ومقتل بعض عناصر الأمن.
من جهته، أكد محافظ طهران محمد صادق معتمديان أن "الاحتجاج حق قانوني للمواطنين شرط بقائه ضمن الأطر والضوابط القانونية ومعايير الأمن المجتمعي".
وفي خطوة تهدف إلى تهدئة التوترات، وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تعليمات إلى وزير الداخلية بضرورة الاستماع إلى المطالب المشروعة للمحتجين من خلال حوار مباشر مع ممثليهم.
التقديرات الإسرائيلية في ظل الاضطراب الداخلي الإيراني
في ضوء هذه التطورات، تُظهر التقديرات أن المؤسسة العسكرية والأمنية في دولة الاحتلال تعيد تقييم خياراتها على وقع الاضطراب الداخلي الإيراني، لكن من دون اندفاع نحو هجوم فوري.
وفي هذا السياق، لفت مقال نشرته صحيفة "ناشونال إنترست" الأمريكية إلى أن حكومة الاحتلال أصبحت تراهن بشكل متزايد على تغيير النظام في طهران عبر تحريض الشعب الإيراني، مما قد يضمن أمان دولة الاحتلال المستقبلي.
وشدد الكاتب براندون وايكرت، وهو محرر شؤون الأمن القومي لدى المجلة، على أن فشل الثورة في إطاحة الحكومة الإيرانية سيستوجب تدخلا عسكريا أميركيا للتخلص من تهديد إيران، خاصة إذا شنت هجوما جديدا وناجحا على أهداف إسرائيلية.
وخلص إلى أن السبيل الوحيد لتجنب الانهيار الإقليمي هو إحياء الدبلوماسية وتعزير الردع، مع التمسك بأمل توسعة اتفاقيات أبراهام، وإلا فالبديل هو "تفكك كامل لما تبقى من النظام الإقليمي".
من جانبه، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب تحذيرا شديد اللهجة وسط الاحتجاجات المستمرة في إيران، قائلا إن الولايات المتحدة "ستتدخل لإنقاذ المتظاهرين السلميين إذا قامت إيران بقتلهم"، وكتب ترامب في منشور على حسابه في "تروث سوشيال": "نحن جاهزون ومستعدون للتنفيذ".
الحسابات الدفاعية الإسرائيلية ومخاوف التصعيد
من ناحية دفاعية، ترى حكومة الاحتلال في الاحتجاجات مؤشرًا على ضعف داخلي محتمل للنظام الإيراني، لكنها تخشى في المقابل أن يلجأ هذا النظام إلى تصعيد خارجي مفاجئ ضدها لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف الانتباه عن الأزمة الاقتصادية، ما يدفع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى تسريع الاستعدادات لاحتمال حرب مفاجئة على جبهات متعددة تشمل إيران ولبنان.
وقال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع شبكة "نيوزماكس"، الأسبوع الماضي، تعليقاً على الاحتجاجات الجارية في إيران، إن أي تغيير محتمل في هذا البلد "سيأتي من الداخل"، مؤكدا أن هذا التغيير مرهون بقرار الشعب الإيراني، مضيفاً: "نحن نفهم ما يمرّ به الإيرانيون ونتعاطف معهم بعمق".
وشنت دولة الاحتلال، ليل 13 حزيران/ يونيو 2025، عملية ضد إيران، متهمة إياها بتنفيذ برنامج نووي عسكري سري، واستهدفت الضربات الجوية وعمليات التخريب منشآت نووية، وقيادات عسكرية، وعلماء بارزين في الفيزياء النووية، إضافة إلى قواعد جوية.
وحذّرت المنظومة الأمنية الإسرائيلية وزراء الحكومة من الإدلاء بتصريحات علنية حول إيران، في ظل توتر متصاعد ومتابعة حثيثة للتطورات هناك، مؤكدةً أن أي تصريحات سياسية قد تُلحق "ضررا كبيرا".
وقالت مصادر أمنية لـ"القناة 12" الإسرائيلية، إن توجيهات رئيس أركان جيش الاحتلال، في أعقاب دروس السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تقضي بالاستعداد لسيناريو "حرب مفاجئة" في جميع الساحات، بما فيها الساحة الإيرانية، ما يفسّر حالة التأهب المرتفعة حالياً.
وأضافت المصادر أن "الوضع متوتر أصلا، وكل تصريح من وزير أو سياسي إسرائيلي حول إيران يسبب ضررا كبيرا، والمطلوب في هذه المرحلة هو الصمت".
وبدوره اعتبر المراسل العسكري لصحيفة "معاريف" الإسرائيلية، آفي أشكنازي أن إيران تمرّ بحالة تآكل متسارعة وأزمة داخلية عميقة، إلا أن القلق المركزي داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يتمثل في احتمال لجوء النظام الإيراني، تحت وطأة هذا الضغط، إلى شن هجوم صاروخي مفاجئ على الأراضي المحتلة.
وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية في تل أبيب تراقب بحذر بالغ التطورات في طهران، خشية أن يدفع الإحساس بالحصار القيادة الإيرانية إلى خيار تصعيد خارجي رغم كلفته العالية.
وأوضح أشكنازي أن التقديرات الإسرائيلية ترى أن إيران لا ترغب حاليًا في خوض حرب مع دولة الاحتلال، وأن قدراتها العسكرية محدودة، خصوصًا في ما يتعلق بالدفاع الجوي الذي يُعد مكشوفًا، إضافة إلى ضعف قدرتها على تنفيذ هجوم فعّال.
ورغم سعي طهران إلى إعادة بناء ترسانتها العسكرية، ولا سيما الصواريخ الباليستية بالاعتماد على الصناعة المحلية، فإن المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية تقدّر أن هذه الجهود ما تزال دون المستوى الذي كانت عليه عشية حرب "عام كلافي"، وأن الأرقام المتداولة في الإعلام الغربي مبالغ فيها.
وبحسب أشكنازي، ترى دولة الاحتلال أن الحكومة الإيرانية تواجه وضعًا داخليا وخارجيا بالغ الصعوبة، في ظل أزمة اقتصادية حادة، وأزمة مياه متفاقمة، وخسارة نفوذها الإقليمي وحلفائها، من حزب الله وحماس إلى الميليشيات في سوريا والعراق، مع تعقّد الجبهة اليمنية أيضًا.
ورغم اعتقاد إسرائيل بأن الخطوط الحمراء لم تُكسر بعد، تؤكد المؤسسة العسكرية أن خيار توجيه ضربة جديدة لإيران سيظل قائمًا إذا مضت طهران في إعادة بناء منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن هناك أولويات أكثر إلحاحًا في المرحلة الراهنة.
البعد الهجومي وإعادة بناء القدرات الإيرانية
ومن ناحية هجومية، يبقى القلق الإسرائيلي الأساسي منصبًا على إعادة بناء إيران لقدراتها الصاروخية الباليستية، التي تُعد أولوية أعلى من الملف النووي في المرحلة الراهنة، ولا سيما بعد الضربات المتبادلة في حزيران/يونيو 2025.
وفي هذا السياق، ناقش بنيامين نتنياهو مع دونالد ترامب خيارات ضربات جديدة محتملة في عام 2026، وسط ضغوط داخلية إسرائيلية لاستثمار ما يُنظر إليه على أنه "نافذة فرصة" ناجمة عن الضعف الداخلي الإيراني، بالتوازي مع دعم علني أبداه الموساد ووزارة الخارجية الإسرائيلية للمتظاهرين عبر حسابات ناطقة بالفارسية.
وبصورة عامة، تزيد الاحتجاجات منسوب التوتر وتؤثر في حسابات الردع والتوقيت، إلا أن الاستخبارات الإسرائيلية لا ترى حتى الآن حاجة فورية لعمل عسكري، مع ترجيح أن يصبح هذا الخيار أكثر إلحاحا في أواخر عام 2026، تبعًا لمسار الاحتجاجات واحتمالات الانهيار الداخلي أو التصعيد الإيراني المضاد.
كما أفاد موقع "واللا" نقلا عن مصادر أمنية بأن "إسرائيل تستعد لأي سيناريو متعلق بإيران وترفع درجة الجاهزية للرد على أي هجوم مفاجئ".
الرد الإيراني والتقديرات المقابلة
وفي وقت سابق٬ أفاد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي أسبوعي، بأن قدرات إيران الدفاعية اليوم لا تقارن بما كانت عليه قبل الحرب الأيام الـ12، موضحاً أن التجربة الأخيرة عزّزت الجاهزية العملياتية وفهم آليات المواجهة على الأرض.
وأضاف أن أي مغامرة إسرائيلية جديدة ستُواجه برد أشد، مشدداً على أن إيران راقبت خلال الفترة الماضية تحركات الاحتلال بدقة، وعملت على رفع مستوى استعدادها لمواجهة أي تهديد محتمل.
ورأى بقائي أن "دولة الاحتلال تشكّل أكبر تهديد للأمن الإقليمي والدولي"، مشيراً إلى أن دول المنطقة باتت تدرك الطبيعة العدوانية لهذا الكيان ودوره في زعزعة الاستقرار وإشعال الأزمات.
وذكرت "فينانشل تايمز" في تقرير، أن إيران تعرض على الجهات الاجنبية بيع اسلحة متقدمة مثل الصواريخ الباليستية و المسيرات مقابل الدفع بالعملات الرقمية ، في محاولة للالتفاف على العقوبات المفروضة عليها
وتعيش إيران حالة ضغط داخلي مركّبة تتقاطع فيها أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، تشمل التضخم والبطالة وتآكل العملة واتساع الفجوة الطبقية، مع سخط سياسي متراكم تجاه بنية النظام وأسلوب الحكم.
وعلى لوحة التقييم للخصم، تجمع العقيدة الإسرائيلية التي تطورت عبر الحروب الكبرى مع الجيوش العربية ثم مع الفاعلين من غير الدول، بين مبدأ “الحسم السريع” والوعي بأن استغلال ضعف الخصم الداخلية قد يفتح أيضًا على حروب طويلة تستنزف دولة الاحتلال نفسها.
فهي ترتكز على الردع، والإنذار المبكر، والحسم، مع بحث دائم عن نقاط ضعف الخصم، بما فيها أزماته الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن ضمن تقدير دقيق لعدم تحوّل الضغط المفرط إلى عامل تعبئة مضادة.
وتفترض النظرة التقليدية في الفكر الأمني الإسرائيلي أن الخصم الذي يعاني من انقسامات داخلية أو أزمة شرعية أقل قدرة على تحمّل ضربة خاطفة وقاسية، وأن ضربة مركزة قد تدفعه إلى طلب وقف إطلاق النار سريعا أو القبول بتسويات لم يكن ليقبلها في ظروف مختلفة.
غير أن هذا الافتراض يقابله وعي متزايد بأن بعض الأنظمة، ولا سيما العقائدية منها، قد توظف التهديد الخارجي لتسكين الداخل أو قمعه، ما يجعل الرهان على “انهيار سريع” نتيجة الضغط الخارجي وحده رهانًا عالي المخاطر.