بعد 6 أشهر من إعلان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إيمانه بـأن "إسرائيل الكبرى"، من النيل إلى الفرات في آب/ أغسطس الماضي، عاود السفير الأمريكي في الأراضي المحتلة مايك
هاكابي، التأكيد على حق كيان الاحتلال المزعوم في أراضي 6 دول عربية هي:
مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق، والسعودية.
وخلال مقابلة أجراها معه الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون يوم الجمعة الماضي، قال هاكابي، إن "لإسرائيل الحق التوراتي في أراض تمتد من النيل إلى الفرات"، مضيفا: "سيكون من الجيد لو أنهم (إسرائيل) استولوا على كل شيء (الشرق الأوسط بأكمله)".
وإثر موجة غضب عربية وإسلامية واسعة حاول هاكابي تضليل الرأي العام حيث زعم بمنصة "إكس" أن نقاشه مع كارلسون، "كان ملتويا ومربكا حول تفسير معنى الصهيونية"، فيما تجاهل التطرق لتصريحاته الداعمة لما يسمى بـ"دولة إسرائيل الكبرى".
وكان حاكم ولاية أركنساس السابق المؤيد بشدة للاحتلال الإسرائيلي٬ والذي عُين في نيسان/ أبريل 2025 سفيرا لواشنطن لدى تل أبيب،٬ تحدث سابقا عن "حق إلهي" لإسرائيل بالضفة الغربية المحتلة، كما صرح بأنه "مسيحي صهيوني"، وأكد أمام المؤتمر السنوي لرؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية أنه يشعر في "إسرائيل وكأنه ببيته".
كما حصل هاكابي عام 2013، على "جائزة أديلسون" كمدافع عن الاحتلال الإسرائيلي. وكان قد اقترح دولة
فلسطينية بالأردن، أو سيناء، بدعوى أن "هناك الكثير من الأراضي العربية والإسلامية، بينما لا توجد إلا إسرائيل واحدة صغيرة"، كما أنه صاحب مقولة: "لا يوجد شيء اسمه فلسطيني".
متسق مع ترامب وداعميه
حديث هاكابي، الذي نُشر الجمعة الماضي، وصفت أسلوبه شبكتي "NPR" و"CNN"، بأنه "يمثل تحولا عن اللغة الدبلوماسية التقليدية للسفراء الأمريكيين، ويقارب أكثر خطاب الناشط السياسي منه خطاب المبعوث الرسمي".
مراقبون وسياسيون مصريون وعربا قالوا إن "حديث سفير أمريكي عن إسرائيل الكبرى رغم أنه مسؤول يعبر عن سياسات بلاده؛ له أبعاد خطيرة تحتاج إلى قراءة في مضامينها ودلالاتها واحتمالات مشاركة صانع القرار الأمريكي في تنفيذها، وسيناريوهات ردود فعل الدول العربية".
واعتبروه "صادما"، أكثر مما قاله نتنياهو، في 12 آب/ أغسطس 2025، لقناة "i24" العبرية من إنه "في مهمة نيابة عن الشعب اليهودي" مشيرا لإسرائيل الكبرى، حيث قُرئ الأمر حينها أنه رسالة من نتنياهو إلى الرأي العام الإسرائيلي للفت الأنظار عن فشله في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
ولفتوا إلى أن تصريحات هاكابى، متسقة مع توجهات المتطرفين الجمهوريين الداعمين لإسرائيل، وخططهم، وبينهم الأمريكية ميريام أديلسون، التي دعمت ثروتها المقدرة بـ40.5 مليار دولار، حملتي ترامب الرئاسيتين، ودفعت لقرارات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس (2017) والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السورية (2019)، ودعم جيش الاحتلال بحرب غزة.
وتبرعت أديلسون، لحملة ترامب، الأخيرة للعودة إلى البيت الأبيض، بـ100 مليون دولار شريطة قبوله بضم إسرائيل للضفة الغربية، فيما أنفقت مئات ملايين الدولارات ضمن خطط بعيدة المدى تركزت حول توسع الاستيطان، وزيادة عدد المستوطنين.
كما يعد حديث مايك هاكابى، متسقا مع قرارات وتوجهات ترامب، الذي إلى جانب نقله السفارة الأمريكية للقدس، واعترافه لإسرائيل بالجولان، ويواصل خططه للسيطرة واحتلال قطاع غزة اقتصاديا وعسكريا، ويدعم الاستيطان بالضفة الغربية، قال عن إسرائيل، في آب/ أغسطس 2024 وشباط/ فبراير 2025: "هل من طريقة للحصول على المزيد؟ إنها صغيرة جدا".
ويأتي حديث هاكابى، في ظل: "محاولات إسرائيل وأمريكا نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، واللبنانية، وتحجيم المقاومة اليمنية، وضم الضفة الغربية، وتشكيل مجلس السلام العالمي"، وما يتبع الثلاثة من مخاطر على الأمن القومي الفلسطيني والمصري والأردني واللبناني.
ويتزامن حديث السفير الأمريكي عن إسرائيل الكبرى، مع محاولات إسرائيلية لضم الضفة الغربية، عبر التوسع في مصادرة وهدم المنازل، وإلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع الأراضي الفلسطينية لليهود.
بيانات فاترة تستثني ترامب
ورغم أن محللون شككوا في أن يكون للدول العربية الستة أي رد فعل على تصريحات هاكابي، إلا أن بيانات عربية غاضبة تتابعت السبت، من مصر، والسعودية، والأردن، وسوريا، وفلسطين، ولبنان، والعراق، وقطر، والإمارات، والبحرين، والكويت، وعمان، وإندونيسيا، وباكستان، وتركيا، فيما تشابهت بيانات القاهرة، وعمان، ورام الله، في استبعادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الإدانة.
وقالت الخارجية المصرية، إنها تصريحات تمثل "خروجا سافرا على مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة"، مشددة على "رفض مصر القاطع لمحاولات ضم الضفة الغربية أو فصلها عن غزة".
لكن البيان، وفق قراءة البعض حاول استثناء ترامب، حيث أعرب عن استغراب مصر "إزاء صدور هذه التصريحات التي تتناقض مع رؤية الرئيس ترامب، والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب في غزة، وكذلك مؤتمر السلام في واشنطن 19 شباط/ فبراير الجاري".
الخارجية الأردنية، انتقد تصريحات هاكابي، ووصفتها بـ"العبثية والاستفزازية"، والتي تمثل انتهاكا للأعراف الدبلوماسية، ومساسا بسيادة دول المنطقة، وتتناقض مع موقف ترامب المعلن في رفض ضم الضفة الغربية.
وقالت حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" إنها "تمثل تجسيدا صريحا للعقلية الاستعمارية التي قامت عليها الحركة الصهيونية"، مؤكدة أنها تكشف "الانحياز الأميركي لمشاريع الهيمنة والضم".
كما طالبت الخارجية السعودية، نظيرتها الأمريكية بإيضاح موقفها، مؤكدة أن "طرح هاكابي المتطرف ينبئ بعواقب وخيمة ويهدد السلم العالمي"، واعتبرتها "سابقة خطيرة واستهتار بعلاقات دول المنطقة مع واشنطن".
غضب الشارع العربي
ردود فعل الشارع العربي كانت أكثر سخونة من بيانات وزارت خارجياتها، حيث طالب البعض حكومات بلاده بـ"طرد السفير الأمريكي، وعقد قمة عربية طارئة، وتقديم شكوى للأمم المتحدة"، مؤكدين أنه "لا حل أمام تلك الأطماع إلا بتشكيل جبهة عربية موحدة من دول الطوق الستة، ودعم المقاومة الفلسطينية، واللبنانية، واليمنية".
وقالوا إنه "مخطط طويل المدى، لن يوقفه سوى تحالف عسكري للدول العربية وخاصة مصر والسعودية مع تركيا وإيران وباكستان، مع تعاونها بصناعة السلاح في ظل سيطرة الصهيونية العالمية على تلك الصناعة وعلى صانعي القرار الغربي".
ودعوا لأن يكون هناك "توازن في القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والإعلامية مع إسرائيل، وتكافؤ في التسليح والقوة النووية التي تعد الوحيدة التي تمتلكها في الإقليم"، مؤكدين أن "الاحتجاج على حديث المسؤول الأمريكي، إزاء ما وصفوه بالتحريض الأمريكي على احتلال أجزاء من 6 دول عربية، غير كاف".
ورأوا أن "موقف السفير الأمريكي ليس بغريب ولا بجديد بل معروف ومعلن، ولولا المقاومة الفلسطينية وتضحية سكان فلسطين وخاصة غزة؛ لكان علم إسرائيل يرفرف فوق دول الشام، ومصر، والعراق، والسعودية أيضا".
يكشف هذه الخدعة
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد الأكاديمي المصري الدكتور مصطفى الجمال، أولا أن "أي سفير لأية دولة من المفترض أنه يعبر عن وجهة النظر الرسمية لدولته".
وبين أنه "إذا خاطبت مصر، أمريكا، بشأن تصريح مايك هاكابى ومع إصدارها بيانا يهاجمه، فمن المفترض أن يرد البيت الأبيض بأن هذا الرأي يمثل واشنطن أو لا يمثلها".
ويرى أن "الصمت أو عدم التعاطي مع هذا التصريح بشكل علني يهز صورة النظم الحاكمة العربية كلها، ويؤكد أنها لا تستطيع مواجهة أمريكا".
وخلص للقول إن "تصريح كهذا بما فيه أن أمريكا معترفة بحق اليهود في احتلال أو ضم أراضي مصرية يشكل إهانة، ويكشف الخدعة المسماة (مجلس السلام العالمي)، الذي أعلن عنه ترامب".
ليس انفعالا عابرا
وقال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المصري إلهامي المليجي، لـ"عربي21"، إن "استدعاء السفير الأمريكي مقولة (من النيل إلى الفرات) بوصفها (حقًا توراتيًا)، لا يمكن التعامل معه باعتباره انفعالًا دينيًا أو رأيًا شخصيًا عابرًا؛ فنحن أمام خطاب يتقاطع مع جوهر المشروع الصهيوني ذاته، لا مع هامشه الأيديولوجي".
ويرى أنه "حين يرفع نتنياهو شعار (إسرائيل الكبرى)، يمكن تفسير ذلك في إطار مزايدات داخلية أو تعبئة يمينية؛ لكن حين يُعاد إنتاج الفكرة من ممثل رسمي لدولة عظمى، فإنها تتحول من أداة تعبئة انتخابية إلى مؤشر سياسي على مستوى الرؤية الاستراتيجية، والفارق هنا ليس في الكلمات، بل في الموقع الذي صدرت عنه".
وأكد المليجي، أن "المشروع الصهيوني، منذ نشأته، لم يكن مجرد دولة تبحث عن أمن، بل كيانًا وظيفيًا ذا تصور توسعي للمجال الحيوي، يتجاوز حدود 1948 و1967 إلى مخيال أوسع يستند إلى تأويل (ديني–تاريخي) يمنح التوسع غطاءً قدريًا، والحديث عن (الحق التوراتي) ليس تفصيلًا ثقافيًا، بل إعادة إحياء للأساس الرمزي الذي شرعن، تاريخيًا، سياسات الضم والاستيطان والهيمنة".
وأضاف: "صحيح أن موازين القوى الراهنة لا تسمح للكيان الصهيوني بابتلاع 6 دول عربية، لكن الخطورة لا تكمن في سيناريو الاحتلال الحرفي، بل في ترسيخ منطق التفوق المطلق؛ فحين يُقال إن للكيان حقًا يمتد من النيل إلى الفرات، فإن ذلك يعني ضمنيًا أن سيادة هذه الدول مشروطة، وأن وجودها الجغرافي قابل للتأويل من موقع القوة".
هنا تتجلى المعضلة
وتساءل الكاتب المصري: "هل نحن أمام زلة خطاب، أم أمام تعبير صريح عن تيار نافذ داخل دوائر القرار الأمريكية يرى في المشروع الصهيوني أداة لإعادة تشكيل الإقليم وفق خرائط مصالح تتجاوز القانون الدولي؟".
وأوضح أن "التاريخ القريب يقول إن الكيان الصهيوني لم يتوسع دفعة واحدة، بل عبر سياسة (الخطوة الممكنة) ثم تثبيتها كأمر واقع؛ من فلسطين إلى الجولان، ومن جنوب لبنان إلى الضربات المتكررة في سوريا، يتقدم المشروع دائمًا تحت عنوان (الأمن)، ثم يتحول الأمن إلى ذريعة لإعادة تعريف المجال الاستراتيجي بأكمله".
ويعتقد أن "أخطر ما في هذا الخطاب أنه يسعى إلى تطبيع فكرة أن المنطقة ليست مجموعة دول ذات سيادة، بل ساحة مفتوحة لإدارة صراع دائم تُعاد فيه هندسة الحدود وفق ميزان القوة لا وفق الشرعية؛ وإذا ترسخت هذه الفكرة في الخطاب الدولي دون ردع سياسي حازم، فإنها تتحول تدريجيًا إلى أرضية تفاوضية جديدة تُفرض على الجميع".
جيوسياسي لا ديني
وخلص المليجي، للقول إن "المسألة إذن ليست دينية، ولا لغوية، بل جيوسياسية بامتياز"، مبينا أن "المشروع الصهيوني لا يُخفي طموحه في الهيمنة الإقليمية، وما يُختبر اليوم هو سقف الاعتراض العربي، لا حدود الخرائط".
ويرى أن "الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ كحكمة، بل كقبول ضمني؛ والرد اللفظي وحده لا يردع مشروعًا يؤمن أن التفوق العسكري يمنحه حق إعادة تعريف الجغرافيا".
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح، وفق رؤية السياسي المصري: "هل يملك العرب تصورًا استراتيجيًا يعيد بناء ميزان ردع يجعل أي حديث عن (إسرائيل الكبرى) ضربًا من الوهم السياسي؟، أم أننا سنكتفي بإدانة خطاب يتقدم خطوة خطوة، حتى تصبح الخريطة التي تبدو اليوم مستحيلة؛ موضوع نقاش غدًا؟".
وختم موضحا أنه "في الإقليم الذي اعتاد الحروب، تبدأ المعارك أحيانًا بكلمات؛ والكلمات التي تُطلق من موقع القوة، إن لم تُواجَه بقوة مقابلة، تتحول إلى سياسات".