"أحلام على وسادة".. تواصل تطوير لعبة فلسطينية توثق النكبة رغم محاولات التقييد

اللعبة تنتمي إلى نمط المغامرة القائم على التسلل وحل الألغاز- عربي21
أثناء أحداث النكبة عام 1948، حاولت امرأة فلسطينية النجاة بنفسها ورضيعها، فحملته على عجل من مهده وهربت باتجاه غزة، لتكتشف لاحقاً أن ما بين يديها لم يكن سوى وسادة بيضاء. هذه الحكاية التي وثّقها مسلسل "التغريبة الفلسطينية" للمخرج الراحل حاتم علي، ورغم عدم إمكانية التحقق الكامل من تفاصيلها التاريخية، بقيت رمزاً مكثفاً لحجم الصدمة التي رافقت التهجير.

ومع استمرار الحرب على قطاع غزة لأكثر من عامين، عاد المشهد بصورة واقعية حين جرى تداول مقطع لامرأة نازحة من جباليا تحمل وسادة بعد فقدان أبنائها تحت الأنقاض، في صورة أعادت استحضار القصة القديمة بكل أبعادها الإنسانية.


من هذه الرمزية انطلقت لعبة الفيديو الجديدة "أحلام على وسادة" التي أعلن عنها المخرج الإبداعي ومصمم الألعاب الفلسطيني رشيد أبو عيدة، عبر مؤتمر صحفي كشف خلاله عن عرض تجريبي حصري، وأطلق حملة تمويل جماعي ثانية تهدف إلى جمع 400 ألف دولار إضافية لاستكمال تطوير المشروع، تمهيداً لإصداره أولاً على أجهزة الحاسوب في 2027، ثم على منصات الألعاب المنزلية والهواتف المحمولة.


وتستند اللعبة "شبه ثلاثية الأبعاد" إلى حكاية شعبية عن أم فلسطينية فرت من مجزرة في بلدتها وهي تظن أنها تحمل رضيعها، قبل أن تكتشف أنها كانت تحتضن وسادة، والعمل يستلهم هذه القصة لتسليط الضوء على الحياة الفلسطينية قبل عام 1948، وعلى الأثر النفسي العميق للعنف والتهجير. وجاء اختيار قصة الأم والوسادة لرمزية العلاقة بين الأم وطفلها، باعتبارها من أعمق الروابط الإنسانية، ما يعكس مستوى الرعب الذي عاشه الفلسطينيون خلال النكبة.


اللعبة تنتمي إلى نمط المغامرة القائم على التسلل وحل الألغاز، وتدور حول شخصية "خضرة"، حيث تتداخل الأحلام والكوابيس مع وقائع تاريخية.

وبعد نجاح حملة التمويل الأولية في كانون الأول/ يناير 2025، بجمع أكثر من 240 ألف دولار، استعرض أبو عيدة 15 دقيقة من أسلوب اللعب من مستويين مستوحَيَين من قرية الطنطورة الساحلية، التي دُمّرت عام 1948.

وتظهر القرية في مشاهد تجسد الحياة اليومية قبل النكبة، كما تحضر في مستويات توثق لحظات المجزرة والاقتلاع، قبل أن تنتهي اللقطات بهروب البطلة بعد مشاهدتها أحداثاً دامية.

كما أظهر العرض رسومات عالية الدقة، وشخصيات ثلاثية الأبعاد بتحريك تعبيري واقعي، وأوضح الفريق أن هذا الأسلوب البصري طُوّر لإبراز جمال الحياة والطبيعة والثقافة الفلسطينية قبل 1948، وفي الوقت نفسه لتصوير معاناة الفلسطينيين ومآسي النكبة بطرح إنساني يحافظ على الحساسية التاريخية.

المرحلة الثانية والقيود

مع إطلاق الحملة الجديدة والكشف عن تطور المشروع، تعرضت حسابات أبو عيدة لحملة تقييد أثرت على وصول المحتوى الجديد والتحديثات حول اللعبة إلى شريحة أكبر من الجمهور.

وقال المطور أبو عيدة لـ"عربي21" إن فريقه أنجز في المرحلة الأولى من المشروع النظم الأساسية للعبة وجميع الأدوات اللازمة لعملية الإنتاج، موضحًا أن المرحلة الثانية تركز على تسريع وتيرة العمل وتوظيف مبلغ حملة التمويل الجديدة لاستكمال بناء بقية المراحل داخل اللعبة، بما يضمن الحفاظ على استقلالية المشروع.


وقال إن الطريق ليس سهلًا، لكنه أعرب عن أمله في مواصلة التقدم بفضل ما أكد أنه الوعي والدعم الحقيقي من المجتمع، مشيرًا إلى أن نجاح الحملة الأولى وحجم الدعم الذي تلقاه الفريق عززا الثقة في التوجه والرؤية العامة للعبة.

وأوضح أبو عيدة أنهم واجهوا محاولات لتقليل الوصول إلى الجمهور، غالبًا عبر تقييد الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، مبينًا أن هذا الحظر يؤثر سلبًا على المشروع، إلا أنهم يعملون بالتعاون مع مجتمع الداعمين لكسر هذه القيود والوصول إلى شريحة أكبر من الجمهور.

وأضاف أنهم يعتمدون على منصات موثوقة، ويسعون باستمرار للبحث عن منصات بديلة لتعزيز الانتشار، معتبرًا أن محاولات الحظر ترتبط بالسعي إلى تغييب الرواية الفلسطينية، لكنه شدد على أن هذه الضغوط تزيدهم إصرارًا، وأن أي دعم يتلقونه يصنع فارقًا حقيقيًا في مسار المشروع.

أصل المشروع

يأتي المشروع امتداداً لتجربة أبو عيدة السابقة في لعبة "ليلى وظلال الحرب" التي تناولت أحداث غزة عام 2014، وحققت انتشاراً واسعاً وحصدت جوائز دولية، مع نحو مليوني تحميل على مختلف المنصات.

وكشف المطوّر أن متجر "آب ستور" التابع لشركة "آبل" رفض اللعبة في البداية قبل إعادة نشرها، معتبراً ذلك مؤشراً على ازدواجية المعايير.

وأشار إلى أن "ليلى" عُرضت لسنوات في متاحف في بريطانيا والسويد وإسبانيا، وتناولت دراسات أكاديمية أثرها في تنمية التعاطف من خلال تجربة اللعب.


وأشار إلى أنه لجأ إلى التمويل الجماعي عبر منصة "LaunchGood" المتخصصة في دعم المبادرات المجتمعية، في ظل ما وصفه بصعوبات واجهتها حملات فلسطينية على منصات غربية شملت الحظر أو تجميد الأموال. ولفت إلى أن ناشرين تقليديين أحجموا عن دعم المشروع بسبب طبيعة أعماله السابقة وما أثارته من تعاطف عالمي واسع.

وأكد أن صناعة الألعاب من أكثر الصناعات الإبداعية تعقيداً وكلفة، نظراً لما تتطلبه من تكامل بين التقنية والفن والسرد وتجربة اللعب، مشيراً إلى أن النجاح لا يرتبط بحجم الميزانية بقدر ما يرتبط بعمق التجربة وصدقها.

وبيّن أن الفريق الحالي يضم مختصين في البرمجة والتصميم والرسم ثنائي وثلاثي الأبعاد والتحريك وإدارة المشاريع والتسويق، مع خطط لتوسيع الفريق خلال المرحلة المقبلة.