خبير أمني صومالي يكشف لـ"عربي21" خسائر العرب حال اقتراب الاحتلال من باب المندب؟

التعاون بين الصومال ومصر وتركيا نموذجًا لتقاطع المصالح في مواجهة التحديات - جيتي
تتزايد في الأوساط العربية والإقليمية المخاوف من تحولات خطيرة يشهدها القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في ظل محاولات الاحتلال الإسرائيلي الحثيثة لإيجاد موطئ قدم سياسي وأمني في منطقة تعد من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، لما تمثله من شريان حيوي للتجارة الدولية وأمن الطاقة والملاحة، وما يترتب على اختراقها من خسائر استراتيجية مباشرة لدول عربية مركزية، في مقدمتها مصر والسعودية، إضافة إلى تركيا بوصفها فاعلا إقليميا متقدمًا في هذه الجغرافيا.

وتنبع خطورة هذه التحركات باعتراف الاحتلال الإسرائيلي بأرض الصومال من كونها لا تستهدف دولة بعينها، بقدر ما تمس بنية الأمن القومي العربي برمّته، إذ يشكل البحر الأحمر وخليج عدن امتدادا مباشرا للأمن القومي المصري عبر قناة السويس، وللأمن القومي السعودي بحكم السيطرة على سواحله الغربية وموانئه الاستراتيجية، كما يمثل للصالح التركي بوابة نفوذ متقدمة في إفريقيا والشرق الأوسط، لا سيما في ظل استثمارات أنقرة العسكرية والاقتصادية في الصومال.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أي وجود إسرائيلي، مباشر أو غير مباشر، في شمال الصومال أو على سواحل البحر الأحمر، سيعني إعادة تشكيل ميزان القوة في المنطقة، وفتح المجال أمام تهديدات متعددة، تبدأ بالضغط على خطوط الملاحة، ولا تنتهي عند تطويق النفوذ العربي والتركي، وفرض واقع أمني جديد يخدم مصالح الاحتلال في مواجهة خصومه الإقليميين.

وأكد أستاذ الدراسات الأمنية في المعهد العالي للدراسات الأمنية بمقديشو، حسن شيخ علي نور، أن ما يجري في الصومال لا يمكن فصله عن هذه الحسابات الإقليمية، معتبرا أن محاولات الترويج لانفصال "أرض الصومال" ليست سوى مدخل سياسي وقانوني لتمرير أجندات خارجية، في مقدمتها الأجندة الإسرائيلية، مستفيدة من هشاشة الدولة الصومالية بعد عقود من الحرب الأهلية والانقسام.

وأشار نور، في لقاء خاص مع "عربي21"، إلى أن الاعتراف بكيانات انفصالية داخل الصومال، أو التعامل معها بوصفها أمرا واقعًا، يمثل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، ويهدد بتفكيك دول أخرى في المنطقة، لافتًا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتحرك بدوافع اقتصادية فقط، بل انطلاقًا من رؤية أمنية شاملة تهدف إلى تطويق العالم العربي من خاصرته الجنوبية.



خسائر مصر.. تهديد مباشر لقناة السويس

وتبرز مصر في مقدمة الدول المتضررة من أي اختراق أمني للبحر الأحمر، إذ تمثل قناة السويس أحد أعمدة الاقتصاد المصري، وأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

 وأكد نور أن أي توتر أمني أو عسكري في مدخل البحر الأحمر الجنوبي، سواء عبر خليج عدن أو السواحل الصومالية، سينعكس فورا على حركة الملاحة في القناة، ويمنح القوى المعادية أوراق ضغط سياسية واقتصادية على القاهرة.

ويرى نور أن السماح للاحتلال الإسرائيلي بتوسيع نفوذها في هذه المنطقة سيمنحها قدرة غير مسبوقة على التأثير في أمن الملاحة، والتحكم غير المباشر في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ما يشكل تهديدا استراتيجيا طويل الأمد لمصر، يتجاوز الأبعاد الاقتصادية إلى حسابات الأمن القومي.

السعودية والبحر الأحمر.. خط دفاع أول

ولا تقل المخاطر على السعودية، التي تمتد سواحلها الغربية على طول البحر الأحمر، وتحتضن موانئ حيوية ومشروعات استراتيجية كبرى ضمن "رؤية 2030" حيث أكد أن أي وجود عسكري أو استخباراتي إسرائيلي قريب من هذه السواحل سيقوّض جهود المملكة في تأمين البحر الأحمر، ويخلق بؤر توتر جديدة في منطقة تسعى الرياض لتحويلها إلى فضاء اقتصادي وتنموي آمن.

وحذر نور من أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى، عبر أدوات سياسية وإعلامية، إلى شرعنة حضوره في المنطقة، مستغلا النزاعات الداخلية والانقسامات المحلية، معتبرًا أن التغاضي العربي عن هذه التحركات سيؤدي إلى نتائج يصعب احتواؤها لاحقًا.

تركيا.. استهداف النفوذ الصاعد

أما تركيا، التي تمتلك واحدة من أكبر القواعد العسكرية الخارجية لها في الصومال، وتشارك في تدريب الجيش الصومالي ودعمه، فتواجه هي الأخرى تحديًا مباشرًا. فالتغلغل الإسرائيلي في شمال الصومال أو على سواحله سيضعف النفوذ التركي، ويهدد الاستثمارات العسكرية والاقتصادية التي بنتها أنقرة خلال السنوات الماضية.

وأشار نور إلى أن الصراع في الصومال لم يعد داخليًا فقط، بل أصبح ساحة لتنافس إقليمي ودولي، تسعى فيه الاحتلال الإسرائيلي إلى تقليص أدوار قوى فاعلة، من بينها تركيا، عبر دعم كيانات انفصالية أو إثارة نزاعات تعيق استقرار الدولة المركزية.

الزيارة الرئاسية.. دليل ميداني

وفي خضم هذه التحولات، جاءت زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى مناطق في شمال البلاد، من بينها لاسعانون، لتكشف واقعًا ميدانيًا يناقض الروايات الانفصالية، وتبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن هذه المناطق لا تزال جزءًا لا يتجزأ من الدولة الصومالية.

وأكد أستاذ الدراسات الأمنية في المعهد العالي للدراسات الأمنية بمقديشو، أن أهمية الزيارة لا تكمن في رمزيتها فقط، بل في توقيتها وسياقها، إذ جاءت بعد تصاعد الحديث عن اعترافات مزعومة ولقاءات خارجية مع كيانات انفصالية، ما جعلها بمثابة رد عملي على تلك التحركات، ورسالة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن الصومال لن يسمح بتفكيك أراضيه.

وأضاف حسن شيخ علي نور أن وجود الرئيس ميدانيًا في هذه المناطق ينسف محاولات تصويرها على أنها خارج سيطرة الدولة، ويظهر أن غالبية العشائر والسكان المحليين يرفضون الانفصال ويتمسكون بوحدة البلاد، معتبرًا أن ما يُروّج له لا يعكس الإرادة الشعبية بقدر ما يعكس مصالح أطراف خارجية.

القانون الدولي في مواجهة التلاعب السياسي

وشدد نور على أن أي اعتراف بكيانات داخل الصومال يخالف مبادئ القانون الدولي، التي تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، محذرًا من أن القبول بمثل هذه السوابق سيفتح الباب أمام فوضى سياسية في المنطقة.

ويرى أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول استغلال ثغرات سياسية وقانونية لفرض أمر واقع، مستخدمًا أدوات غير مباشرة، من بينها دعم اقتصادي وإعلامي، وعلاقات مع أطراف محلية، بهدف التمهيد لوجود أمني مستقبلي.

البحر الأحمر.. أمن عربي مشترك

وفي هذا الإطار، دعا نور إلى تحرك عربي منسق، تشارك فيه الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وفي مقدمتها مصر والسعودية واليمن والسودان وجيبوتي وإريتريا، إضافة إلى الصومال، لوضع استراتيجية أمنية موحدة تمنع أي اختراقات خارجية.

وأكد أن التعامل مع هذه التحديات بشكل منفرد لم يعد مجديًا، في ظل تشابك المصالح وتعقّد الصراعات، مشددًا على أن أمن البحر الأحمر لا يمكن تجزئته، وأن أي تهديد في جنوبه سينعكس حتمًا على شماله.

الدور المصري والتركي.. تقاطع مصالح

وأشار نور إلى أن التعاون القائم بين الصومال ومصر وتركيا يمثل نموذجًا لتقاطع المصالح في مواجهة هذه التحديات، لافتًا إلى وجود تنسيق عسكري وأمني متنام، شمل زيارات رسمية خلال الأيام الماضية وبرامج تدريب وتسليح للجيش الصومالي، مؤكدا أن الأيام الماضية شهدت وجود زيارات لبعض الضباط المصريين للصومال بهدف تعزيز قدرته على حماية الأراضي والسواحل.

ويرى أن هذا التعاون لا يستهدف طرفًا بعينه، بقدر ما يهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي، ومنع تحويل الصومال إلى ساحة صراع بالوكالة تخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي أو غيره من القوى الساعية للهيمنة.

تحديات داخلية ومسؤولية عربية

ولا يُغفل أستاذ الدراسات الأمنية في المعهد العالي للدراسات الأمنية بمقديشو، التحديات الداخلية التي تواجه الصومال، من ضعف المؤسسات إلى الانقسامات السياسية والعشائرية، معتبرًا أن هذه الثغرات هي ما تستغله الأطراف الخارجية. ويؤكد أن معالجة هذه الأزمات تتطلب دعمًا عربيًا حقيقيًا، سياسيًا واقتصاديًا، وليس بيانات تضامن فقط.

واختتم بالتأكيد على أن ما يجري في الصومال اليوم يمثل اختبارًا حقيقيًا للإرادة العربية، محذرًا من أن ترك الساحة مفتوحة أمام الاحتلال الإسرائيلي سيؤدي إلى خسائر استراتيجية فادحة، ليس للصومال وحده، بل لمصر والسعودية وتركيا، وللأمن القومي العربي ككل.