ملفات وتقارير

بعد طلبها غواصات هجومية.. هل عادت مصر لسوق السلاح العالمي؟

تُعد البحرية المصرية الأكبر بالشرق الأوسط وأفريقيا، ومن بين أكبر 10 إلى 15 بحرية في العالم – الموقع الرسمي للقوات المسلحة المصرية
عادت مصر إلى سوق السلاح العالمي بقوة بهدف تطوير قواتها البحرية عبر صفقات غواصات وطائرات بحرية بدون طيار من فرنسا وإسبانيا، وذلك بعد تراجع الإنفاق العسكري الذي أكده تقرير "معهد ستوكهولم" نيسان/ أبريل 2024.

وعلى ما يبدو فإنها عودة لطفرة التسليح الكبيرة التي جرت بين (2014- 2021)، ووضعت القاهرة في المرتبة الثالثة بين الدول الأكثر استيرادًا للسلاح في العالم، فيما يُطرح سؤال حول ما إذا كانت كل من أمريكا ودولة الاحتلال ستسمحان بتمرير طلب مصر لشراء غواصات هجومية متطورة.

مصر صاحبة الإطلالات البحرية بأكثر من ألفي كيلومتر على البحرين المتوسط والأحمر، وبمجرى قناة السويس؛ التي تمتلك فرقاطات "FREMM"، وسفن "ميسترال"، و"كورفيتات" فرنسية، و4 غواصات "Type 209" ألمانية.

تتجه لباريس مجدداً لشراء 4 غواصات "باراكودا" بتكلفة بين 4.5 و6 مليارات دولار، في توقيت يشهد فيه إقليم الشرق الأوسط والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي صراعاً بحرياً واسعاً يمس في أغلبِه الأمن القومي المصري.

ووفقا لموقع "Army Recognition" المتخصص في أخبار الدفاع والتسليح، تهدف مصر إلى شراء 4 غواصات تقليدية الدفع (ديزل-كهربائية)، "باراكودا"، الهجومية المتقدمة لتدخل وحدتها الأولى الخدمة بين عامي 2032 و2035، ملمحًا إلى طلب القاهرة نقل التكنولوجيا كاملة وتحقيق تصنيع الغواصات محليًا، وإعادة تصديرها.

و"باراكودا" بنسختها الفرنسية "Suffren"، تزن 4650 طنًا على السطح و5300 طن تحت الماء، طولها 99.5 مترًا وعرضها 8.8 أمتار، وسرعتها تحت الماء 25 عقدة، وتحمل 4 أنابيب طوربيد 533 مم، و24 قطعة سلاح "طوربيد F21"، وصواريخ "Exocet" مضادة للسفن، وصواريخ "MdCN" كروزية برية المدى تصل 1000 كم.
 
وأكد التقرير الصادر في الـ9 من كانون الثاني/ يناير الجاري، أن مصر وضمن إطار تحديث قواتها البحرية، تحوّل استثماراتها من السفن الحربية السطحية الكبيرة إلى الغواصات والأنظمة البحرية غير المأهولة، رغم تزايد الضغوط المالية، موضحاً حاجتها للحفاظ على الردع والأمن البحري بالبحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس.
 
"فرقاطة F110" الإسبانية
وتفاوض مصر شركة "نافانتيا" الإسبانية لشراء فرقاطة من فئة F110، دون الكشف عن العدد المطلوب، وذلك بعد زيارة الغواصة الإسبانية "إسحاق بيرال" الإسكندرية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وعرض "أراب إنترناشونال أوبترونيكس" المركبة السطحية غير المأهولة "USV-AIO-001" المزودة بمحطة أسلحة عن بُعد من طراز "Eagle-2"، بمعرض "إيدكس 2025" العسكري بالقاهرة.

وأكد الموقع في تقرير ثانٍ، 6 كانون الثاني/يناير الجاري، أن الفرقاطة "F110"، أو "بونيفاز"، سفينة مرافقة متعددة المهام تركز على الحرب المضادة للغواصات، مع قدرات قتالية جوًا وسطحًا، بنظام (ديزل-كهرباء-غاز) مُدمج، وتبلغ إزاحتها 6100 طن، وطولها 145 مترًا وعرضها 18 مترًا، وبغاطس 5 أمتار، وسرعة 35 عقدة، وطاقم 150 فردًا، ليبلغ سعر الوحدة منها (860 مليون يورو).

وعن أهمية الصفقة لمصر، لفت الموقع البلجيكي إلى أن زوارق الدورية غير المأهولة قادرة على مراقبة مداخل الموانئ، والبنية التحتية للطاقة البحرية، والممرات البحرية ذات الحركة الكثيفة مثل مداخل قناة السويس، مع مرونتها للعمل مع كثرة الطائرات المسيرة، ملمحًا لطلب مصر نقل التكنولوجيا ومشاركة "الهيئة العربية للتصنيع".

وبشأن التنافس الإقليمي، قال إن خيارات مصر تعكس تنافسًا محتدمًا؛ فتركيا تُدخل غواصات تعمل بنظام دفع مستقل عن الهواء، وتؤكد إسرائيل على القيمة الاستراتيجية لغواصاتها دولفين، مبينا أن القاهرة تركز على الغواصات والأنظمة غير المأهولة في محاولة للحفاظ على الردع والجدوى العملياتية في ظل تقليص الميزانيات.

ما أسباب توقيت الصفقتين؟
ويأتي سعي مصر لتنفيذ صفقات للبحرية المصرية في توقيت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر صراعًا جيوسياسيًا متصاعدًا في الصومال واليمن، والذي تطور إلى صدام (عربي- عربي) بين السعودية والإمارات، في الوقت الذي تتخوف فيه القاهرة على مستقبل الملاحة في قناة السويس.

كما تتزامن عودة مصر لسوق السلاح العالمي مع ما يعانيه اقتصادها من أزمات، وديون خارجية تعدت 161.2 مليار دولار يتبعها خدمة دين تصل 4.38 تريليون جنيه، تمثل 64.8 بالمئة من استخدامات الموازنة العامة، والتهام فوائد الدين وحده نحو 87 بالمئة من إجمالي الإيرادات الضريبية المتوقعة.

ورغم تلك الضغوط، يؤكد مراقبون على أهمية تلك الصفقات وضرورة عودة مصر مجدداً إلى سوق السلاح العالمي، للحفاظ على الأمن القومي، في ظل الأزمات الإقليمية التي تحاصرها شرقاً في غزة، وغرباً في ليبيا، وجنوباً في السودان، وعمقها الجنوبي بالبحر الأحمر، في الصومال واليمن.

ويلفتون إلى احتمال عرقلة واشنطن وتل أبيب للصفقتين، مشيرين إلى رفضهما تمرير سلاح يمنح مصر تفوقاً نوعياً على الترسانة العسكرية الإسرائيلية، مثل طائرات "سو 35" وبطاريات صواريخ "S-300" أو "S-400" الروسية، وطائرات "إف 15" وصواريخ "أمرام" الأمريكية.

محاولات مصرية.. وتردد فرنسي
وتحدث الباحث المصري والمتخصص في تحليل البيانات، حسام عبد الكريم، لـ"عربي21"، عن أهمية تلك الصفقات في الحفاظ على الأمن القومي المصري، وما تضيفه من قوة ردع للجيش المصري، وما تمنحه من تفوق تسليحي للبحرية المصرية في الإقليم.

وقال: "فيما يتعلق بالتوجه المصري لشراء الغواصات الفرنسية، فهي خطوة ليست جديدة بل ترجع إلى مطلع عام 2022، حيث كشف موقع (أفريكا إنتلجنس) في أيلول/سبتمبر 2022، أن مصر تقدمت في شباط/فبراير بطلب رسمي للحصول على الغواصات الفرنسية (باراكودا).

وأوضح أن "الموقع الاستخباري الفرنسي أكد وجود مخاوف لدى باريس من المضي قدمًا في الصفقة، من بينها التخوف من عدم قدرة مصر على الوفاء بتسديد ثمنها بسبب الديون المتراكمة عليها في ذلك الوقت".

وأشار إلى أن المفاوضات المصرية حول الصفقة لم تتوقف خلال الأعوام الماضية، إذ نقل موقع (تاكتيكال ريبورت) مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023، أن المفاوضات لا تزال مستمرة بين الطرفين المصري والفرنسي.
 
تصحيح الخطأ.. واعتراضات
ويرى الباحث المصري أنه "لا يمكن قراءة هذه الخطوة وهذا الإصرار المصري على إتمام الصفقة بمعزل عن المحاولات المصرية المتأخرة لتصحيح الخطأ الذي ارتكبه النظام المصري بشراء الغواصات الألمانية الأربعة من طراز (209/1400)".

ولفت إلى أن "مواقع إخبارية عبرية كشفت مطلع العام 2019، أن الصفقة الألمانية التي وافق عليها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وواجه بسببها انتقادات داخلية شديدة، تخدم الأمن القومي الإسرائيلي".

وبينت المواقع العبرية حينها أن "صفقة الغواصات الألمانية نجحت في صرف أنظار مصر عن بدائل أكثر تفوقًا مثل الغواصتين الفرنسية والروسية، اللتين تتفوقان على الغواصة الإسرائيلية ألمانية الصنع من طراز (دولفين) في أغلب النواحي الفنية والقتالية".

وأكد عبد الكريم، أن "الغواصتين الفرنسية والروسية كانت ستمثلان تهديدًا أكبر على دولة الاحتلال، خاصة مع قدرتهما على إطلاق صواريخ (كروز) بعيدة المدى في نسختهما المتقدمة، وهو ما لا يتوفر في الغواصات الألمانية التي اشترتها مصر، بل وتتفوق الغواصات الإسرائيلية (دولفين) عليها في كل شيء تقريبًا".

وأشار إلى أن "تصريحات جرى نقلها عن رئيس أركان الجيش الفرنسي آنذاك تييري بوركهار، أعرب فيها عن رفضه تمرير صفقة الغواصات الفرنسية (باراكودا) إلى البحرية المصرية، مرجعًا ذلك إلى وجود تخوفات من أن يؤدي امتلاك مصر لصواريخ (كروز) البحرية من طراز (SCALP NAVAL)، التي تصنعها شركة (MBDA)، إلى إثارة قلق أعضاء (حلف الناتو)، خاصة تركيا، فضلاً عن اعتراض إسرائيلي محتمل".
 
خطوة صائبة رغم كونها متأخرة
وقال الباحث المصري، إن "القاهرة تسعى إلى تحديث ترسانتها البحرية في سياق خلق حالة الردع المطلوبة، في ظل سباق إقليمي متسارع لتحديث التسليح، زادت وتيرته عقب الحرب (الروسية- الأوكرانية) ثم الحرب الإقليمية الحالية".

واستدرك: "إلا أنه، وعلى الرغم من صوابية الخطوات المصرية التصحيحية المتأخرة، فإن الصفقة ستواجه في اعتقادي رفضًا (إسرائيليًا) قاطعًا، لأنها تُحدث خللًا في ميزان القوة لصالح البحرية المصرية، حيث يصبح العمق الإسرائيلي في مرمى تلك الصواريخ إذا أُطلقت من غرب الإسكندرية أو من السواحل المصرية على البحر الأحمر".

وأكد أن "هذه قدرات كانت ولا زالت إسرائيل حريصة على عدم امتلاك مصر لها على أي من منصات الإطلاق الجوية أو البحرية".

ويتوقع الباحث المصري أيضًا أن "تواجه الصفقة رفضًا أو ابتزازًا أمريكيًا مماثلًا لما واجهته مصر عند سعيها للحصول على صواريخ كروز من طراز (SCALP) النسخة الجوية ضمن صفقة طائرات (الرافال) الفرنسية عام 2015، إذ تحتوي هذه الصواريخ على مكونات أمريكية في أنظمة الملاحة والإلكترونيات والمحركات الفرعية، ما يجعلها خاضعة لاتفاقية (ITAR) الأمريكية".

وفي نهاية حديثه، لفت إلى موافقة الولايات المتحدة لاحقاً على تصدير الصواريخ عقب توقيع مصر على اتفاقية (CISMOA) في كانون الثاني/يناير 2018، وهي اتفاقية تتيح دمج منظومة تشفير الاتصالات الأمريكية مع نظيرتها المصرية، في خطوة حساسة تمس أمن القوات المسلحة المصرية، وجرى رفضها على مدار 30 عاماً خلال حقبة الرئيس الراحل حسني مبارك.
 
وضع البحرية المصرية
وتُعد البحرية المصرية الأكبر بالشرق الأوسط وأفريقيا، وبين أكبر 10 إلى 15 بحرية بالعالم، إذ تُشغّل أسطولًا من 150 سفينة، بينها سفن القتال السطحية، والغواصات، والإنزال البرمائي، والدوريات، والسفن المساعدة، لتأمين المدخلين الشمالي والجنوبي لقناة السويس، حيث إحدى نقاط الاختناق الحيوية بالغة الأهمية للأمن القومي المصري والملاحة البحرية العالمية.

وتضم القوات البحرية المصرية 13 فرقاطة تقوم بمهام المرافقة والمراقبة البحرية والحرب المضادة للغواصات وحماية الأصول البحرية والتجارية، وتشمل 3 من فئة "FREMM" واحدة فرنسية واثنتان إيطاليتان، و4 من طراز "MEKO A-200EN" الألماني بُنيت بمشاركة صناعية محلية (مع طلبية بناء اثنتين)، و6 فرقاطات أمريكية 4 من فئة "Oliver Hazard Perry" واثنتان من فئة "Knox".

وجرى تزويد البحرية المصرية بفرقاطات من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا؛ ففي عام 2014، طلبت من فرنسا 4 فرقاطات من طراز "جويند" بتكلفة مليار يورو، وفي عام 2015، تسلمت الفرقاطة "فريم" الفرنسية بقرابة 900 مليون يورو، وعام 2016، حصلت على حاملتي المروحيات "ميسترال" من فرنسا بـ950 مليون يورو.

وبين 2017 و2021، تعاقدت مع ألمانيا على 4 غواصات (209/1400mod) بنحو 1.6 مليار يورو، وتسلمت من روسيا اللانش الصاروخي "أر 32 مولنيا"، لتتعاقد في 2020 مع إيطاليا على فرقاطتين "بيرجاميني" بـ1.2 مليار يورو، وتطلب عام 2021 من ألمانيا 4 فرقاطات "ميكو" بـ 2.3 مليار يورو.

ويحتل الجيش المصري المركز الـ19 عالمياً في 2025، وفق تقرير "جلوبال فايرباور"، متراجعاً من المرتبة 15 في 2024، بعد أن سجل عام 2020 أفضل ترتيب عالمي بالمركز التاسع.

ووضع تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري"، آذار/مارس 2022، مصر ضمن المرتبة الثالثة بعد الهند والسعودية بقائمة الأكثر استيرادًا للأسلحة عالميًا، بين أعوام (2017-2021)، لكن تقرير "سيبري" نيسان/أبريل 2024، خلا من اسم مصر حول زيادة الإنفاق العسكري.
 
ومنذ العام (2016 حتى 2020)، تشير تقديرات "سيبري" إلى شراء القاهرة سلاحًا بأكثر من 34 مليار دولار، فيما مثلت واردات مصر نحو 5.8 بالمئة من حجم واردات السلاح العالمية، لروسيا منها 41 بالمئة، وفرنسا 28 بالمئة، ولأمريكا 8.7 بالمئة.

وبحسب ما يعرضه "سيبري" من بيانات جاء الإنفاق العسكري المصري لعام 2013 (4359.8 مليار جنيه)، وفي 2014 (5085.1 مليار جنيه)، وبـ2015 (5475.5)، وفي 2016 (4513)، وللعام 2017 (2765.6 مليار جنيه)، وبـ2018 (3119.6 مليار جنيه)، وفي 2019 (3743.7 مليار جنيه)، وبعام 2020 (4505.4 مليار جنيه)، وخلال 2021 (5165.4)، وفي 2022 (4645.9)، وبالعام 2023 (3164.6 مليار جنيه).