بين وعود اقتصادية وتغيرات سياسية ومؤشرات سلبية.. ماذا يحمل 2026 للمصريين؟

فوائد الديون تلتهم الإيرادات.. أرقام تكشف هشاشة الوضع المالي - جيتي
ينقضي 2025 ويحل 2026، ويظل السؤال قائما حول ما قد يحمله العام المنقضي من أزمات طحنت أكثر من 108 ملايين مصري، للعام  الجديد، خاصة وأن البلاد ووسط وعود حكومية بتحسن الأحوال وزوال بعض الأزمات؛ مقبلة خلال أسابيع على برلمان جديد تتبعه تغييرات سياسية ووزارية وإدارية محتملة.

ويستقبل المصريون 2026، بينما بلغ إجمالي الدين العام 14.9 تريليون جنيه (نحو 313 مليار دولار) بنهاية حزيران/يونيو الماضي، فيما سجل الدين الخارجي 3.8 تريليونات جنيه من هذا الإجمالي، بينما تشير الأرقام إلى أن الدين الخارجي تعدى 161.2 مليار دولار في حزيران/يونيو الماضي.

وكشفت أحدث الأرقام أن فوائد الديون تلتهم أكثر من قيمة الإيرادات (863.9 مليار جنيه أي ما يساوي 18.14 مليار دولار)، حيث أنفقت مصر 899.1 مليار جنيه٬ أي ما يساوي 18.9 مليار دولار٬ على فوائد الدين بأول 4 شهور من (2025/ 2026).

وعود حكومية ومؤشرات تحسن

والأسبوع الماضي، وعد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، (منذ 7 حزيران/ يونيو 2018 حتى الآن)، المصريين بتحسن الأوضاع بالعام الجديد، قائلا في مقال له: "مصر بدأت مرحلة الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة ضبط المسار المالي"، فيما وعد وزير المالية الأسبق والمسؤول الحالي بصندوق النقد المصريين بتحسن اقتصادي في آذار/ مارس المقبل.

وفي سياق التغييرات الاقتصادية المحتملة، أطلقت الحكومة المصرية "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية" بالتركيز على: (الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة والاتصالات)، كرؤية اقتصادية حتى 2030، وهو عام انتهاء ولاية رئيس النظام عبدالفتاح السيسي الثالثة.

وفي مؤشر ثان على احتمالات حدوث تغيرات بالسياسة الاقتصادية في 2026، قررت الحكومة عدم اللجوء لصندوق النقد الدولي بعد انتهاء الاتفاق الحالي الخريف القادم، ما يعني وفق خبراء، انتهاء الكثير من الضغوط التي يفرضها الصندوق وتطال آثارها المصريين، وبينها ملف الدعم، وبيع الأصول.

وفي مؤشر جيد ثالث، وفي جو ودي على غير وضع المراجعتين الثالثة والرابعة، توصل صندوق النقد الدولي وحكومة القاهرة إلى اتفاق بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة من قرض المليارات الثمانية، ما يتبعه حصول مصر على 2.7 مليار دولار.

بيان الصندوق جاء ملمحا لتحسن عدة مؤشرات، ما يعني دخول مصر العام الجديد بوضع أفضل، مشيرا لتسجل نمو بنسبة 4.4 بالمئة في (2024/2025)، بدعم أداء قطاعات الصناعة، والنقل، والخدمات المالية، والسياحة، وتحسن ميزان المدفوعات، وتراجع عجز الحساب الجاري مع زيادة تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة.

ورغم ما عرضه صندوق النقد من مؤشرات جيدة، وقرار مصر بوقف الاقتراض من المؤسسة الدولية، إلا أن مراقبين، يرون أن آثار قرض المليارات الثمانية ممتدة حتى نهاية 2026، حيث تنتهي المراجعة الثامنة والأخيرة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

وتوقعوا أن يواصل الصندوق ضغوطه على مصر خلال المراجعة السابعة في آذار/ مارس المقبل، وما بعده، بشروطه السابقة بتنفيذ برنامج طروحات الشركات الحكومية (بيع الأصول العامة)، وخفض دعم الوقود والخبز، واحتمالات تحرير سعر صرف الجنيه، وزيادة الرسوم والضرائب، لصرف 2.5 مليار دولار دفعتي المراجعتين السابعة والثامنة.

تغييرات سياسية.. هل تغير المشهد؟

وفي الإطار، من المؤكد حدوث تغييرات وزارية جزئية على وزارة مدبولي، وإما تغييرات كلية برحيله بعد مكوثه بالمنصب 7 سنوات يصفها محللون بـ"سنوات الاستدانة والبيع والتفريط في الأصول"، وتعيين رئيس وزراء جديد، وذلك في حتمية دستورية مع انعقاد البرلمان المنتخب الجديد نهاية كانون الأول/ يناير المقبل.

لكن؛ احتمال حدوث تغيير وزاري مؤثر يدفع البلاد نحو شيء من التغيير في السياسات نحو الاقتراض وبيع الأصول والإنفاق الترفي وخفض قيمة الجنيه وتقليص دعم الوقود والخبز، قلل من أهميته قرار السيسي، الثلاثاء الماضي، بمد عمل القائمين على السياسات المالية والنقدية بالبنك المركزي المصري، ما يعني وفق مراقبين، استمرارا ذات السياسات السابقة والجارية على مدار 3 سنوات مضت مع تجديد السيسي، لمحافظ البنك المركزي حسن عبدالله، لمدة عام رابع.

مسودة موازنة غير مبشرة

وبدأت وزارة المالية مبكرا في صياغة مسودة الموازنة العامة للدولة للعام المالي (2026/ 2027)، التي تبدأ في تموز/ يوليو المقبل، لتحمل بعض بنودها التي عرضتها نشرة "إنتربرايز" المحلية، الأربعاء، توجهات صادمة تؤشر على عام أشد قسوة في انتظار المصريين خاصة مع توجه الدولة نحو تفكيك منظومة الدعم القديمة.

وحملت مسودة الموازنة وضع جدول زمني محدد للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، في ملف يقلق ملايين الفقراء وبينهم 70 مليون مواطن من متلقي الدعم العيني، من سلع تموينية وخبز عبر 23 مليون بطاقة، حيث اختارت الحكومة محافظة السويس كبداية للتنفيذ.

وقبل أيام اعترف رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب فخري الفقي، بأنه سيتم تحويل دعم الخبز من عيني إلى نقدي، ومراجعة قاعدة البيانات كل 3 أشهر لحجب الدعم عن غير المستحقين.

ورغم أن وزير البترول كريم بدوي، أكد الأحد الماضي، أن "أسعار الوقود ستظل ثابتة حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2026، إلا أن مصدر حكومي أكد لـ"إنتربرايز"، أن الموازنة الجديدة لا تستبعد صراحة إجراء تعديلات تسعيرية إضافية".

وفي حواره مع قناة CNBC عربية، أكد رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ أسامة كمال، أن هناك زيادة قريبة متوقعة بأسعار الكهرباء، مرتبطة باتفاق الحكومة مع صندوق النقد، وذلك رغم نفي حكومي لرفع أسعار الكهرباء.

ويتوقع خبراء استمرار أزمات البلاد في قطاع التصنيع خاصة مع ما تشير إليه الأرقام من تعثر لنحو 12 ألف مصنع في البلاد، وما أكده الجهاز المركزي للتعبة والإحصاء بأن من بين 261 ألف منشأة اقتصادية، هناك 32 بالمئة منها لا تعمل بكامل طاقتها بعدد 85 ألف منشأة.

تحسن أداء يقابله ضغوط الديون

وبينما يشير الإعلام الحكومي إلى تحسن كبير في أداء قطاعات السياحة وتحويلات المصريين في الخارج، وتعافي حركة المرور من قناة السويس، إلا أن تلك الرؤية تصدم برؤية معارضة تشير لاستحقاقات مالية ضخمة وأعباء كبيرة والتزامات دولية مستحقة على مصر في 2026.

ويشهد القطاع السياحي كأحد أهم مصادر النقد الأجنبي 20 بالمئة زيادة للإيرادات بالأشهر التسعة الأولى من 2025، بقيمة 13.6 مليار دولار، مع توقعات بوصولها 17.5 مليار دولار وحضور 18 مليون سائح نهاية العام.

وسجلت قناة السويس نموا بالإيرادات بنسبة 8.6 بالمئة بين تموز/ يوليو وأيلول/ سبتمبر، منهية سلسلة تراجعات لنحو 18 شهرا، مع حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة، وسط توقعات بتحسن إيرادات القناة.

وحققت تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستويات قياسية بالشهور العشرة الأولى من 2025، مسجلة 33.9 مليار دولار، بزيادة 42.8 بالمئة مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.

وفي المقابل، مصر مطالبة بتدبير بين 55 إلى 60 مليار دولار في 2026 لتغطية الديون واستيراد السلع الأساسية ومستحقات الشركات الأجنبية، بخلاف استيراد السلع غير الأساسية ومستلزمات الإنتاج.

وتبلغ فاتورة خدمة الديون الخارجية 32.3 مليار دولار، مع أقساط أصل الدين بنحو 26.6 مليار دولار، وفوائد تقدر بـ5.7 مليار دولار، تتركز أغلبها بالنصف الأول من العام.

وتقدر الفاتورة السنوية لاستيراد الوقود (سولار، بنزين، غاز مسال) بنحو 18 إلى 20 مليار دولار، كما تستهدف القاهرة استيراد 13 مليون طن قمح بقيمة بين 4 إلى 4.5 مليار دولار، وسداد 750 مليون دولار لشركات البترول الأجنبية بالربع الأول من 2026.

ويشير مراقبون إلى أن تلك الالتزامات تأكل من رصيد خدمة المواطن المصري الذي يعاني أزمة في الخدمات الصحية بالمستشفيات العامة وشحا في الأدوية وخدمات الأشعة والتحاليل، إلى جانب ضعف الأجور، ملمحين إلى أن الحد الأدنى يبلغ 7 آلاف جنيه (147.27 دولارا) شهريا، بينما بدولة مثل تركيا يعادل 655 دولارا.

وارتفعت ديون الأسر المصرية بنحو 7 مليارات دولار منذ تعويم الجنيه في 2024، حسبما أظهرت بيانات معهد التمويل الدولي، مسجلة 28.2 مليار دولار في الربع الثالث من 2025.

عام أشد قسوة

وفي إجابته على السؤال: ماذا يترك 2025 إلى 2026 للمصريين من أزمات، وهل 2026 ستكون سنة كبيسة، وأشد قسوة على المصريين من سابقاتها أم أن المؤشرات تقول عكس ذلك؟، تحدث الباحث الاقتصادي أحمد السيد، إلى "عربي21".

وقال السيد: "عام 2026 يمثل في الذاكرة الجمعية وتوقعات الخبراء عنق الزجاجة الأخير في خطة الإصلاح الاقتصادي المصري الحالية؛ فبينما تشير الأرقام الكلية إلى بداية تعافي، إلا أن المواطن قد يشعر بضغوط من نوع آخر تتعلق بسداد الالتزامات الدولية وإعادة هيكلة الدعم".

وتوقع أن "ينتقل الاقتصاد للعام الجديد محملا بـتركة ثقيلة من التحديات من إرث السنوات السابقة، وأبرزها أن 2026 يمثل عاما حاسما بجدول سداد الديون الخارجية؛ حيث تشير تقديرات البنك المركزي لاستحقاق مبالغ ضخمة تتجاوز 32 مليار دولار".

ولفت الباحث المصري، إلى "تعاظم الفجوة التمويلية بالعام الجديد"، مشيرا إلى "رفع صندوق النقد الدولي تقديراته للفجوة التمويلية في (2025/ 2026) إلى 8.2 مليار دولار، مما يعني استمرار الحاجة لتدفقات دولارية مكثفة، وهو ما تعوضه حكومة القاهرة إما بالاقتراض مجددا أو عبر بيع الأصول تحت اسم الاستثمار"، بحسب قوله.

وحول تحسن معدلات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وتحسن أوضاع الإقليم بما يحسن مدخلات قناة السويس، يرى أن "استمرار التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر قد يلقي بظلاله على إيرادات القناة حتى عام 2026، مما يضغط على أحد أهم موارد العملة الصعبة"، ملمحا إلى أن "التوتر الإقليمي لم ينته وقد يلقي بظلاله على قطاع السياحة".

وأشار السيد، إلى أن "الضغوط على المصريين لن تتوقف في 2026"، ملمحا إلى "توجه حكومي برفع أسعار الكهرباء، وتقليص دعم الوقود مجددا برفع جديد لأسعاره، مع فرض حزمة ضريبية جديدة في كانون الأول/ يناير المقبل، لزيادة الحصيلة بنسبة 1 بالمئة من الناتج المحلي".

وتوقع أن تكون "سنة أشد قسوة، من ناحية الأسعار"، مبينا أن "الدولة ملتزمة بتحقيق فائض أولي كبير حوالي 5 بالمئة لسداد الديون، وأن أزمتها المتراجعة مع توفير الدولار تنتقل إلى كيفية سداد الديون، ما يعني استمرار سياساتها بحق تقليل برامج الحماية الاجتماعية ورفع أسعار الخدمات وتقليص الدعم".

سنة كبيسة

كما أن الكتاب علاء الغطريفي، وعبر مقال بموقع "المصري اليوم"، أكد أنه يجري "تهيئةِ الرأي العام لإجراءات ستكونُ أقسَى كثيرًا في ظلِّ استحقاقاتٍ مُفزعةٍ لسدادِ استحقاقاتِ الدَّينِ الخارجي بعام 2026".

وأضاف: "2026، ستكون سنة كبيسة قطعا.. إنها لحظةُ ذروةِ الديونِ"، ملمحا إلى أن "أعباءَ السدادِ مخيفةٌ، وستزدادُ الكُلفةُ العامَّةُ على مستوى المواطنِ والدولةِ نفسِها، حتى لو جرى تبريرُها بأنها ضرورةٌ للحفاظِ على الاستقرارِ الاقتصادي والاجتماعي".

وشهدت بعض برامج "التوك شو"، بالفضائيات المصرية الموالية وبينهم المذيع خالد أبوبكر، انتقادات لأداء الحكومة المصرية، في ملفات التعليم والصحة والرواتب، وغيرها، مطالبين بتحسين الأوضاع في العام الجديد.