أحدثت مقترحات رئيس مجلس القضاء الأعلى في
العراق، القاضي فائق زيدان بخصوص المخرج من الانسداد السياسي، جدلا واسعا في البلاد كونها تنهي دور الإطار التنسيقي، وتمنح كتلة ائتلاف "الإعمار والتنمية" بقيادة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع
السوداني الحق في تشكيل الحكومة.
ومنذ أكثر من شهر، دخل العراق في مرحلة تجاوز المدد الدستورية التي تقضي بانتخاب رئيس للبلاد بعد 30 يوما من اختيار رئاسة البرلمان، والذي بدوره يكلف مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عددا بتشكيل الحكومة.
ويأتي سبب تأخر انتخاب رئيس للجمهورية، للاعتراض الأمريكي على ترشيح قوى الإطار التنسيقي الشيعي
نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، وذلك عبر تدوينة كتبها رئيس
الولايات المتحدة دونالد ترامب حذر فيها من أن المضي باختيار المالكي سيعرض العراق للعقوبات.
ثلاث مسارات
في تطور جديد، حدد رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، الثلاثاء، ثلاث مسارات لمعالجة إشكالية مفهوم "الكتلة النيابية الأكثر عددا" وتداعيات تفسيرها الدستوري.
وذكر زيدان، في مقال نشرته صحيفة "الشرق الأوسط"، أن "المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص إثارة للجدل لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية".
وأوضح أن "الإشكال برز في تفسير مصطلح (الكتلة النيابية الأكثر عددا) وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا (أعلى سلطة قضائية في العراق) بقرارها الصادر عام 2010، الذي ما يزال محل جدل فقهي وسياسي".
وبين زيدان أن "الخلاف تمحور حول ما إذا كانت (الكتلة الأكبر) هي الفائزة فعليا في الانتخابات أم التي تتشكل بعد إعلان النتائج عبر تحالفات داخل مجلس النواب"، لافتا إلى أن "تفسير المحكمة شابه عدد من المثالب الدستورية، من أبرزها مخالفة ظاهر النص، والمسّ بإرادة الناخب، وفتح باب التحالفات اللاحقة بما يضعف الاستقرار السياسي ويطيل أمد تشكيل الحكومات".
وأكد أن "مصطلح الكتلة الأكبر تحول إلى محور صراع سياسي دائم بسبب تفسير ذي أثر سياسي أكثر منه قانوني"، معتبرا أن "ذلك مثّل توسعا غير مسوغ في السلطة التفسيرية وتجاوزاً للدور التفسيري إلى الدور الإنشائي، وما ترتب عليه من آثار سلبية على الاستقرار الدستوري والثقة العامة بالعملية الديمقراطية".
وفي ختام حديثه، طرح زيدان "ثلاث مسارات للمعالجة، هي: إجراء تعديل دستوري صريح يحدد المقصود بالكتلة الأكبر بصورة لا تحتمل التأويل باعتماد معيار (القائمة الفائزة انتخابيا)، أو تعديل قانون البرلمان بما يُلزم بتسجيل الكتلة الأكبر خلال الجلسة الأولى فقط ومنع تغيير صفتها لاحقا".
أما المسار الثالث، فهو يتمثل بـ"إعادة نظر المحكمة الاتحادية العليا في تفسيرها السابق (عام 2010)، واعتماد تفسير مقيد يربط الكتلة الأكبر بنتائج الانتخابات لا بالتحالفات اللاحقة".
"حرب خفية"
وفي المقابل، قال القاضي وائل عبد اللطيف، وهو أحد أعضاء لجنة كتابة الدستور العراقي عام 2005، إن "المادة 76 من لا يمكن التلاعب فيها إلا بتعديل على مواد الدستور"، مؤكدا أنه "لا يجوز تغييرها بقانون صادر من مجلس النواب، لأنه لا أفضلية للقانون على الدستور".
وأوضح عبد اللطيف لـ"عربي21" أن "هذه القضية حصل فيها نوع من الخلل بسبب المحكمة الاتحادية، وذلك بعد حصول القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي على 91 مقعدا في انتخابات عام 2010، فيما حقق ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي 89 مقعدا، وهنا أشارت المحكمة إلى أن الكتلة النيابية الأكثر عددا هي التي تتشكل قبل الانتخابات أو بعدها".
وأشار إلى أن "إضافة عبارة ما بعد الانتخابات جعلت من النواب عرضة للشراء من كتلة أخرى، وبالتالي انسحب في حينها 8 نواب من قائمة علاوي وذهبوا مع المالكي وبذلك شكل الأخير الحكومة، وهذه كانت مؤامرة في وقتها".
وتابع: "مع ذلك، لا إلغاء لتفسير المحكمة الاتحادية، والموضوع ليس من صلاحيات رئيس مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي فإن من حق الأخير طرح آرائه القانونية، لأن أن قرارات المحكمة باتة وملزم للسلطات كافة".
وأشار إلى أن "البرلمان من حقه أن يشكل لجنة تقوم بتعديل هذه الفقرة الدستورية والتصويت عليها، ثم عرض التعديلات الدستورية للاستفتاء الشعبي حتى يضفي عليها الشرعية من عدمه، وهذا هو السياق الوحيد".
وخلص عبد اللطيف إلى أن "الدستور جعل من الشعب مصدرا للسلطات وأساسا لشرعيتها، وبالتالي لا يجوز التلاعب بصياغة المادة 76، ولا في تفسير المحكمة الاتحادية، لذلك فإن مقترح زيدان من المستحيل تطبيقه في الوقت الحالي".
وفي السياق ذاته، أكد مصدر سياسي لـ"عربي21"، طالبا عدم الكشف عن هويته، أن "مقرحات زيدان فيها بعد سياسي، إذ أن الأخير يسعى بكل الطرق إلى عدم وصول نوري المالكي للسلطة مجددا، وذلك بسبب تنافس حاد وحرب خفية بينهما حول قيادة الدولة العراقية".
وأوضح المصدر أن "زيدان يسعى إلى تولي محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة المقبلة في ولاية ثانية، لكن هذا الأمر يواجه اعتراضا من قوى فاعلة داخل الإطار التنسيقي الشيعي، بالتالي حتى إذا انسحب المالكي فربما لن يكون السوداني بديلا عنه".
"استعصاء دائم"
على الصعيد ذاته، قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي، فلاح المشعل، لـ"عربي21" إن "فائق زيدان حرك بمقترحاته المياه الراكدة في الساحة السياسية، وأشار إلى نص دستوري صريح في مادة 76 ينص على تكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عددا بتشكيل الحكومة".
وأضاف أن "سحب حق تشكيل الحكومة من إياد علاوي رئيس القائمة العراقية الفائزة في انتخابات عام 2010، كانت بمثابة الالتفاف على هذا الحق ونتائج الانتخابات البرلمانية".
وأشار إلى أن "ما قامت به المحكمة كاد يكون شرعا ثابتا بأن تذهب السلطة التنفيذية للشيعة والتشريعية للسنة والرئاسية للأكراد، وأن هذا خلق حالة من الاستعصاء الدائم خلال الدورات الانتخابية الأربع الماضية، وحقق فشلا سياسيا وإداريا وفتح بابا للفساد بشتى أنواعه تغول في مفاصل الدولة العراقية".
ورأى المشعل أن "حديث القاضي زيدان، كأنه موجه أولا إلى المحكمة الاتحادية لأن التفسير صدر منها عام 2010 بخصوص من يشكل الحكومة، ولم يأت شرح منها حتى اليوم، بالتالي هل سيأتي توجيها آخر جديد سيجري العمل به خلافا للدورات الانتخابية الأربعة الأخيرة؟".
وأردف: "إذا كان بالفعل تفسير جديد للمادة 76 من الدستور، فهل سيكون بأثر رجعي، بمعنى هل يجري تطبيقه على الدورة البرلمانية الحالية، لأن الكتلة البرلمانية الأكبر هي الإطار التنسيقي ومرشحهم المالكي، لكن إذا طبق ما طرحه زيدان، فإن السوداني ربما يتولى ولاية ثانية كونه صاحب الكتلة الفائزة بالانتخابات".
ولفت إلى أن "الحديث عن عودة السوداني مبكر، لأنه ثمة اعتراضات عليه من داخل الإطار التنسيقي، إضافة إلى هناك تأويلا بأن الضغوطات التي مارسها المبعوث الأمريكي توم باراك خلال حواراته مع السلطة القضائية والسياسية، ربما نتج عنها ضرورة العودة إلى أصول القواعد الدستورية".
وبحسب المشعل، فإن "حتى الآن لم يُكشف عن توجهات ما طرحه زيدان لكنها حركت بشكل أو بآخر موضوع رئاسة الحكومة ودفعت الأمور لاتخاذ إجراءات جديدة تنهي الانسداد السياسي الحاصل في العراق".
ورأى مراقبون أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتوترات التي نتجت عنها وخصوصا في العراق، دفعت رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى طرح حلول لإنهاء حالة الجمود السياسي، وتمسك المالكي بترشحه رغم الضغوط واشنطن المستمرة لمنع وصوله للسلطة.