لحظات
الانتصار في تاريخ الأمم والشعوب ليست كثيرة؛ لكنها ملهمة ومؤثرة وممتدة عبر الزمن،
فهي تضخ دماء الحماس والوطنية في عروق الأجيال القديمة والجديدة. ولهذا كان يوم
السابع من أكتوبر 2023 لحظة انتصار ونشوة عربية وإسلامية كان ولا يزال يعيد الثقة
في مركزية القضية الفلسطينية والمقاومة وما يمكن أن تفعله، ولم تستطيع
إسرائيل
تجاوز الهزيمة والإهانة التي منيت بها رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات ورغم كل الدمار
والتنكيل الذي مارسته ومازالت مستمرة فيه. ومن هنا يمكن فهم تصريحات رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو حول شن عملية عسكرية في الضفة الغربية لم تشهدها
البلاد منذ عام 1967.
يحاول
نتنياهو أن يرفع السقف مع الناخب الإسرائيلي قبل ساعات من فتح أبواب الاقتراع،
فيستدعي هزيمة عام 1967، أو ما يعرف إسرائيليا بحرب الأيام الستة، فهو التاريخ
الوحيد الملهم في الذاكرة الإسرائيلية الحديثة، حيث مارست إسرائيل هوايتها في غزو
جيرانها والاعتداء على الأبرياء واحتلال الأراضي، فلا يوجد بعد هذا التاريخ وعلى
مدار نحو ستين سنة أي انجاز عسكري إسرائيلي آخر يمكن
يستدعي هزيمة عام 1967، أو ما يعرف إسرائيليا بحرب الأيام الستة، فهو التاريخ الوحيد الملهم في الذاكرة الإسرائيلية الحديثة
تصنيفه في خانة النصر
إسرائيليا. فحرب السادس من أكتوبر 1973 تصنف كهزيمة عسكرية لإسرائيل رغم محاولات
المؤرخين الغربيين الحط من قدر الإنجاز العسكري المصري والعربي باستخدام منهج
استشراقي معروف يريد سلب العرب أي إمكانية للإنجاز، وبدليل التحقيقات التي أجرتها
إسرائيل بعد ذلك لمعرفة كيف تمكن الجيش المصري من العبور والتمركز في شرق القناة
وتدمير خط بارليف الذي كان يوصف بإنه لا يقهر.
إن
إسرائيل من الدول النادرة في العالم التي لا تملك تعريفا واضحا لحدودها الجغرافية
منذ أعلن ديفيد بن غوريون عن تأسيس الدولة عام 1948 وحتى يومنا هذا، ولا يحكم حدود
الأمر الواقع حاليا لإسرائيل سوى اتفاقيات مع بعض دول الجوار أو حدود متنازع عليها
تتدخل الأمم المتحدة أحيانا لصيانة وقف هش لإطلاق النار فيها. ومن هذه الاتفاقيات
الهشة اتفاقية أوسلو بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والتي يعتبرها اليمين
الإسرائيلي لحظة تنازل وهزيمة إسرائيلية أمام العرب.
يحاول
رئيس الوزراء الإسرائيلي استنساخ هزيمة سنة 1967 في
حربه مع إيران لكنه فاشل في
ذلك حتى الآن، ولهذا فهو يحاول أن يستنسخ تداعيات هذه الهزيمة بالاستقواء على بعض
المكتسبات البسيطة للسلطة الفلسطينية والنكوث على الاتفاقات السياسية معها، رغم كل
ما قدمته وتقدمه السلطة من تعاون مع إسرائيل على كافة الأصعدة.
أثبتت السنوات الأخيرة سقوط استراتيجية إسرائيل في الحرب الخاطفة ونقل المعركة إلى أرض العدو
في
عام 1967 احتلت إسرائيل القدس الشرقية والضفة الغربية والجولان وسيناء. عادت سيناء
إلى مصر في الثمانينيات، وحصل الفلسطينيون على حكم ذاتي في القدس الشرقية والضفة
الغربية في التسعينيات، وزال النظام السوري الذي سقطت الجولان في عهده قبل عامين
وأتى رئيس جديد كنيته السابقة أبو محمد الجولاني؛ يقف في الولايات المتحدة ويعلن
عن عدم تنازله عن الجولان. ماذا بقي إذا من تراث ما تراه إسرائيل نصرا في حرب
الأيام الستة قبل ستين سنة؟
لقد
أثبتت السنوات الأخيرة سقوط استراتيجية إسرائيل في الحرب الخاطفة ونقل المعركة إلى
أرض العدو. وقد نشر "ألما" الإسرائيلي للدرسات بحثا في حزيران/يونيو
2026 الماضي حول مجريات العمليات العسكرية في جنوب لبنان، ورصد فيه بوضوح التغيرات
التي طرأت على أسلوب إدارة الحرب في إسرائيل، فبسبب الهزيمة الإسرائيلية يوم
السابع من أكتوبر 2023 بدأ الجيش الإسرائيلي في اعتماد نهج التقدم البطيء
والتدريجي. وهذه السياسة، بحسب البحث، تفرض على القوات الإسرائيلية أعباء إضافية
تتمثل في احتلال مناطق عازلة والبقاء فيها وتسيير دوريات، وهو ما يعني تجسيد للفشل
الإسرائيلي واستنزاف واضح لمقدراته.
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.