كانت
هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) على موعد مع مواجهة عنيفة مع الحكومة إبان
أخطر حرب تمر على الإمبراطورية البريطانية في تاريخها، وهي حرب السويس عام 1956،
والتي اندلعت في أعقاب إعلان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة
السويس. وكانت الحرب هي القشة التي قصمت ظهر الإمبراطورية وأظهرت أنها خرجت بالفعل
من سباق القوى العظمى. فقد أراد رئيس الوزراء البريطاني حينئذ أنطوني إيدين منع بي
بي سي من تغطية وجهة نظر حزب العمال المعارض للحرب ومنع الهيئة من إفساح المجال
لأصوات تعبر عن وجهة النظر المصرية. واعترضت بي بي سي على الانحياز لرواية واحدة
حتى ولو كانت رواية الحكومة، وفي النهاية انتصرت بي بي سي واضطر إيدين للاستقالة
بعد ذلك بأشهر قليلة. وهذه الحرب الإعلامية تشبه كثيرا ما يدور في أروقة السياسة
والإعلام في العاصمة الأمريكية واشنطن هذه الأيام.
هناك
ضباب كثيف يلف واشنطن جراء غموض يكتنف مستقبل دور وسائل الإعلام وعلاقتها مع
الساسة وصناع القرار في الولايات المتحدة. ولم يبدأ الأمر دفعة واحدة ولكن مر بعدة
مراحل معروفة؛ عنوانها
الصراع بين الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب وعدد من وسائل
الإعلام، وحتى بعض منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر سابقا (إكس حاليا).
ضباب كثيف يلف واشنطن جراء غموض يكتنف مستقبل دور وسائل الإعلام وعلاقتها مع الساسة وصناع القرار في الولايات المتحدة. ولم يبدأ الأمر دفعة واحدة ولكن مر بعدة مراحل معروفة؛ عنوانها الصراع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من وسائل الإعلام، وحتى بعض منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر سابقا (إكس حاليا)
فلم يكن مشهد منع عدد من وسائل الإعلام على
رأسها شبكة سي إن إن الشهيرة من دخول البيت الأبيض سوى حلقة من حلقات هذا الصراع،
الجديد الذي حدث هو إعلان عدد من الشبكات الأمريكية مقاطعة تغطية أنشطة الرئيس الأمريكي
بما فيها صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز، الأمر الذي أسفر عن غياب عدد من
وسائل الإعلام أثناء وصوله مثلا إلى مدينة نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة
للأمم المتحدة. زاد من سخونة الأحداث تصريح القضاء لوسائل الإعلام الممنوعة من
دخول البيت الأبيض لممارسة علمها الصحفي، رغم أنف ترامب والملاسنات الحادة بين هذه
الأخير والشبكات الإعلامية.
هذا على صعيد علاقة الإدارة الأمريكية مع
وسائل الإعلام، أما على صعيد التفاعلات داخل وسائل الإعلام هذه فالأمر لا يقل
أهمية. نجد مثلا أن رجل الأعمال روبرت ألبريتون، مؤسس لموقع بوليتيكو، حوَّل منصة
"نوتوس" من مشروع تدريبي للصحفيين إلى صحيفة واشنطن صن الجديدة كمنافس لواشنطن
بوست، واستقطب عددا من الصحفيين الذين سرحتهم الصحيفة. ويأتي إطلاق هذا المشروع
ردا على حالة الغموض التي تكتنف مستقبل واحدة من أقوى الصحف الأمريكية، وهي واشنطن
بوست التي ارتبط اسمها بملفات كبيرة وتاريخية على رأسها الإطاحة بالرئيس الأمريكي
السابق نيكسون؛ بعد أن كشفت فضيحة التنصت على الحزب المنافس له في الانتخابات، في ما
عرف باسم فضيحة ووتر جيت عام 1972. وقد جسد المخرج ستيفن سبيلبيرغ هذه القصة في
فيلمه الشهير "ذا بوست" عام 2017، والذي تناول عمل الجريدة في تلك
الفترة. وتشير أصابع الاتهام حول ما يكتنف الجريدة من تغييرات بشكل غير مباشر
للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعلاقته مع الملياردير الأمريكي جيف بيزوس، مالك واشنطن
بوست.
لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على نهج
يختلف عن الدول الأوروبية في التعامل مع وسائل الإعلام. كان نموذج القطاع الخاص هو
المهيمن، بخلاف الحال في دول أوروبا الغربية التي آثرت أن تكون هناك مؤسسات وطنية
للإعلام، مثل بي بي سي تتمتع بقدر من الاستقلالية لكنها تحت إشراف المؤسسات
الشعبية المنتخبة وليس محكومة برأس المال فقط. وقد نجحت وسائل الإعلام الأوروبية
في الحفاظ على سمعتها ونجت من فخ الحروب والصراع مع الساسة، فهل تنجو وسائل
الإعلام الأمريكية من هذا الفخ؟
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.