تم التوقيع على ما اتفق عليه أعضاء لجنة 4+4
التي تضم ممثلين عن القوى النافذة في غرب البلاد وشرقها برعاية البعثة الأممية
وبحضور ممثلين عن السلطات النافذة والبعثات الدبلوماسية.
مضمون الاتفاق يعالج، حسب الموقعين، المسائل
الخلافية التي عطلت المسار السياسي منذ ما يزيد عن 10 سنوات، خاصة النقاط الخلافية
ضمن قوانين الانتخابات، والتي من أبرزها السماح بترشح العسكريين وحملة الجنسيات
الأجنبية للرئاسة ولعضوية البرلمان.
وبرغم أن الأطراف المعنية تفاهمت حول تسوية
المسائل التي عرقلت التسوية السياسية، إلا إن هذا التفاهم لا يعني العبور إلى
مرحلة الاستقرار، والشيطان يكمن في التفاصيل، والتفاصيل تدخل من نافذة المرحلة
الانتقالية الجديدة التي قضى الاتفاق بأن تكون عامين، والتجارب تقول بأن الإطار
الزمني المقترح قابل للتمديد إلى حين توقيع اتفاق آخر.
برغم أن الأطراف المعنية تفاهمت حول تسوية المسائل التي عرقلت التسوية السياسية، إلا إن هذا التفاهم لا يعني العبور إلى مرحلة الاستقرار، والشيطان يكمن في التفاصيل، والتفاصيل تدخل من نافذة المرحلة الانتقالية الجديدة التي قضى الاتفاق بأن تكون عامين، والتجارب تقول بأن الإطار الزمني المقترح قابل للتمديد إلى حين توقيع اتفاق آخر.
يأتي المتابع الحصيف إحساس بأن ما جرى هو
أشبه بعملية ردم متعجل للحفر في طريق الاستقرار، وليس معالجة جذرية للأسباب التي
تتكرر من خلالها الحفر والمطبات، وبيسر يمكن أن تتجلى أمام المنقب التحديات
والعوائق التي تمنع أن يحقق الاتفاق الجديد ما وعد به من بلوع مرحلة الاستقرار
خلال العامين القادمين بالوصول إلى محطة الانتخابات، ونحاول في هذه السانحة أن نقف
على أبرز وأخطر تحدي من بينها.
منذ نحو عقد من الزمن طرح الحائزان على
جائزة نوبل، (Daron Acemoglu & James
Robinson)، في كتابهما: "لماذا تفشل الأمم"
نظريتهما التي قوبلت بنقاش واسع وقبول من قبل مؤسسات وباحثين مختصين، والتي يفرق
فيها المؤلفان بين نوعين من الأنظمة التي عرفتها البشرية خلال القرون الثلاث
الماضية، حيث يحضر نموذج المؤسسات الشاملة "Inclusive Institutions"، القائم على
المشاركة، بحيث يضع هذا النظام الأساس للاستقرار والتنمية ومراكمة الثروة، في
مقابل نظام أسماياه "Extractive Institutions"، وهو نظام الذي يستأثر فيه قلة قليلة
بالسلطة ويطوع الواقع خدمة لبقائهم وتعظيم مصالحهم، وأن المؤسسية التي هي عماد
الاستقرار والتقدم تتحق في النموذج الأولى وتنتفي في الثاني. بمعنى أن تجاوز
الأزمة بكل مظاهرها يتطلب الأخذ بالنظام الأول، وأن الفشل والانحراف عن مسار تسوية
الأزمات يقترن بوجود واستمرار النظام الثاني.
الحالة الليبية التي تتركز الأزمة فيها في
غياب المؤسسات التي تنتمي إلى منظومة تعددية راسخة، وتتعاظم فيها سلطة قلة قليلة
تبحث عن كل ما يضمن بقاءها ويراكم مصالحها، على حساب البناء المؤسسي بمفهومه
الواسع والدقيق، هي تمثيل لنظرية (Daron
Acemoglu & James Robinson).
الحالة الليبية التي تتركز الأزمة فيها في غياب المؤسسات التي تنتمي إلى منظومة تعددية راسخة، وتتعاظم فيها سلطة قلة قليلة تبحث عن كل ما يضمن بقاءها ويراكم مصالحها، على حساب البناء المؤسسي بمفهومه الواسع والدقيق، هي تمثيل لنظرية (Daron Acemoglu & James Robinson).
لقد أجبرت تطورات ما بعد الحرب على طرابلس
أن تتجه القيادة العامة إلى مسلك سلطوي فئوي عائلي منغلق يعمل على توظيف الوضع
السياسي والاقتصادي لتعزيز سلطته وزيادة تركيزها، وهذا ما وقع مع حكومة ادبيبة بعد
العام 2023م، فقد صار سلوكها براغماتيا بهدف الاستمرار في السلطة على حساب المسلك
المنفتح الذي بدأت به مسيرتها، ولقد كشف مسار التفاهمات بين حكومة ادبيبة وبين
القوة المتحكمة في القرار في الشرق منذ أعوام عن نموذج منسحب من فضاء الفعل المعبر
عن المجموع إلى مقاربة الصفقة الداعمة للمصالح الضيقة، وهذا أبرز ما يضعف الاتفاق
ويلغمه.
الاتفاق لا يمثل مجموع كل جبهة من جبهات
النزاع، الغرب والشرق الليبيين، فهو تعبير عن تعامل مع ما تمليه مصالح كل طرف موقع
على الاتفاق من منطلق تحقيق أهداف خاصة يعتبرها أولويات.
هذه الحقيقة يدركها الموقعون، ويفهمها
الراعون، ولا تغيب عن الحضور المُبارِك من المجتمع الدولي، ولو كان في الاتفاق ما
يجعله حقيقة واقعة قابلة للتطبيق والوصول إلى الانتخابات خلال الفترة الممتدة حتى
العام 2028م، لقبل به المجموع الواسع الذي يبحث عن مخرج للمأزق الراهن، ذلك أن
الاتفاق ترك كثيرا من التفاصيل المهمة جدا والتي يمكن أن تكون سدا أمام تحقيق
الغاية الكبرى من الاتفاق، تركها للنقاش بين أعضاء لجنة 4+4، مما يعني إطارا زمنيا
مفتوحا وماراثونا تفاوضيا قد لا يختلف عن سابقيه من مفاوضات منذ العام 2026م، في
تكرار لسيناريوهات يعرفها الليبيون ويفهمون غايات من يديرها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.