جدل الولاية الثالثة يعود إلى موريتانيا.. حليف لغزواني يحذر من "التشويش"

كان ولد الغزواني قد أكد كذلك التزامه بالدستور وإرادة الشعب، قائلا إن ما لا يجيزه الدستور أو لا يريده الشعب لن يفعله، مشددا على أن جهوده ستظل موجهة إلى تنفيذ برنامجه الانتخابي حتى نهاية مأموريته.
كان ولد الغزواني قد أكد كذلك التزامه بالدستور وإرادة الشعب، قائلا إن ما لا يجيزه الدستور أو لا يريده الشعب لن يفعله، مشددا على أن جهوده ستظل موجهة إلى تنفيذ برنامجه الانتخابي حتى نهاية مأموريته.
شارك الخبر
حذّر رئيس حزب جبهة المواطنة والعدالة "جمع" في موريتانيا، محمد جميل ولد منصور، من الانشغال المبكر بالانتخابات الرئاسية الموريتانية المقررة عام 2029، معتبرا أن الحديث عنها في المرحلة الحالية، مهما اتخذ من حماس أو طابع احتفالي، لا يعدو أن يكون "تشويشا وإثارة".

ويأتي موقف ولد منصور في وقت عادت فيه دعوات داخل بعض الأوساط السياسية المؤيدة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى طرح فكرة ترشحه لولاية رئاسية ثالثة، رغم تأكيدات سابقة من الرئيس نفسه بأن الأولوية هي لتنفيذ برنامجه والوفاء بالتزاماته، ورغم القيود الدستورية التي تحكم عدد الولايات الرئاسية في موريتانيا.

ولد منصور: الأولوية للعمل لا لانتخابات بعيدة


وقال ولد منصور، في تدوينة نشرها الخميس، إن أي حديث في الوقت الحالي عن الانتخابات الرئاسية المقررة سنة 2029 يمثل "تشويشا وإثارة"، حتى لو صاحبه ما وصفه بالحماس والكرنفالية.

وأضاف أن أصحاب المبادرات الداعية إلى إعادة انتخاب الرئيس لمأمورية ثالثة لا يشفع لهم أنهم يتحركون تحت شعار دعم استمرار التجربة، مؤكدا أن الرئيس نفسه لم يطلب منهم إطلاق مثل هذه الدعوات.

ويأتي موقف رئيس "جمع" منسجما مع خطاب سبق أن عبّر عنه الرئيس ولد الغزواني بشأن أولوية العمل الحكومي والتنمية خلال مأموريته الحالية، إذ قال الرئيس في مناسبة سابقة إن إثارة مسألة المأمورية الثالثة في بداية المأمورية الثانية تعني الانشغال بقضايا مستقبلية على حساب أولويات المرحلة.

وكان ولد الغزواني قد أكد كذلك التزامه بالدستور وإرادة الشعب، قائلا إن ما لا يجيزه الدستور أو لا يريده الشعب لن يفعله، مشددا على أن جهوده ستظل موجهة إلى تنفيذ برنامجه الانتخابي حتى نهاية مأموريته.

وبذلك، فإن رسالة ولد منصور لا تبدو مجرد تعليق عابر على حملة سياسية محدودة، وإنما تدخل في نقاش أوسع حول توقيت فتح ملف الانتخابات المقبلة، وما إذا كان من المناسب أن تتحول المأمورية الثالثة إلى عنوان سياسي قبل أن تقترب نهاية المأمورية الحالية.



"ولاية ثالثة".. ملف يعود رغم التحفظ الرئاسي


تأتي تصريحات ولد منصور بعد أسابيع من عودة دعوات سياسية إلى ترشيح ولد الغزواني لمأمورية ثالثة.

ففي يونيو/حزيران الماضي، أعلن حزب "حوار"، المنضوي ضمن الأغلبية الرئاسية، تأييده لترشح الرئيس لولاية ثالثة، مبررا موقفه بالرغبة في مواصلة ما وصفه بمسيرة الإنجازات وتعزيز المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.

لكن هذا الطرح لم يحظ بإجماع داخل المعسكر الداعم للرئيس. ففي الشهر نفسه، أعلن رئيس حزب "نداء الوطن" الداعم لولد الغزواني رفضه القاطع لأي حديث عن ولاية ثالثة، وقال إن هذا الخيار غير مطروح سياسيا ولا يحظى بقبول أحزاب الأغلبية، مضيفا أن الرئيس لا يرغب أساسا في الترشح لولاية جديدة بعد انتهاء ولايته الحالية.

كما جددت قوى من المعارضة رفضها فتح نقاش بشأن ولاية ثالثة، معتبرة أن الأولوية ينبغي أن تكون لحوار سياسي يتناول القضايا الوطنية الكبرى، لا لتعديل قواعد التداول على السلطة.

وهكذا، بدأ ملف 2029 يظهر في المشهد السياسي الموريتاني قبل موعده بسنوات، رغم أن الرئيس نفسه حاول إبعاده عن أجندة المرحلة الحالية.

الرئيس أمام ولاية ثانية لم تنتصف بعد


أدى ولد الغزواني اليمين الدستورية في أغسطس/آب 2024 لولاية رئاسية ثانية مدتها خمس سنوات، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو/حزيران من العام نفسه. وتعهد في مراسم التنصيب باحترام الدستور، وبألا يتخذ أو يدعم أي مبادرة تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة لولاية وشروط تجديدها.

ومن هذه الزاوية، يرى ولد منصور أن إعادة فتح النقاش حول انتخابات 2029 في هذا التوقيت تشتت الانتباه عن الملفات التي يفترض أن تشكل محور الولاية الحالية.

وكان الرئيس قد عبّر عن موقف مشابه خلال نقاشاته السياسية، عندما قال إن مسألة تعديل الدستور بما يسمح بولاية ثالثة "لا تشكل أولوية" في المرحلة الراهنة، وإن التركيز ينبغي أن ينصب على تنفيذ البرامج التنموية وخدمة المواطنين.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة لأن النقاش لا يدور فقط حول رغبة سياسية في استمرار الرئيس، بل حول حدود التعديل الدستوري وإمكانية إعادة صياغة قواعد الولايات الرئاسية.

لماذا يثير حديث 2029 حساسية مبكرة؟


تاريخيا، ارتبط النقاش حول الولايات الرئاسية في موريتانيا بالحذر من تعديل القواعد الدستورية أثناء وجود الرئيس في السلطة.

ولهذا فإن أي دعوة مبكرة إلى ولاية ثالثة يمكن أن تُقرأ باعتبارها محاولة لاختبار ردود الفعل السياسية والشعبية قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية الفعلية.

ويزداد الأمر حساسية لأن ولد الغزواني بدأ ولايته الثانية في 2024، بينما لا يزال أمامه جزء كبير من المدة الدستورية لتنفيذ برنامجه.

ومن منظور ولد منصور، فإن تحويل النقاش السياسي إلى سؤال من سيحكم البلاد بعد 2029 قد يصرف الاهتمام عن سؤال أكثر إلحاحا: ماذا تحقق خلال الولاية الحالية، وما الذي يتعين إنجازه قبل انتهائها؟

وهذا ما يفسر استحضاره لعبارة الرئيس بشأن أن "الأولوية اليوم للعمل والإنجاز وتطبيق البرامج والوفاء بالالتزامات".

ولد منصور.. من دعم الرئيس إلى التحذير من أنصاره


يكتسب موقف ولد منصور أهمية إضافية من موقعه السياسي؛ فجبهة المواطنة والعدالة "جمع" ليست جزءا من المعارضة الرافضة لسياسات الرئيس، بل أعلن الحزب خلال أنشطته السياسية دعمه لولد الغزواني ومشروعه السياسي.

وخلال مهرجان للحزب في أطار في فبراير/شباط الماضي، أكد ولد منصور دعم "جمع" للرئيس من أجل مواصلة مسيرة البناء والتنمية، كما كرر الموقف نفسه في لقاءات جماهيرية أخرى، بينها نشاط في نواكشوط الجنوبية.

وفي يونيو/حزيران، شارك ولد منصور في لقاء جمع رؤساء أحزاب الأغلبية بالرئيس ولد الغزواني، وقال إن الاجتماع تناول قضايا وطنية وتحديات إقليمية، ما يعكس موقع الحزب داخل الطيف السياسي الداعم للرئيس.

ومن ثم، فإن انتقاده للدعوات المبكرة إلى ولاية ثالثة لا يصدر عن خصم سياسي للرئيس، وإنما عن شخصية سياسية تؤكد دعمها له، لكنها ترى أن هذا الدعم لا ينبغي أن يتحول إلى حملة مبكرة لإعادة فتح ملف المأمورية.

وهنا تكمن دلالة الموقف: يمكن دعم الرئيس وبرنامجه من دون المطالبة بتمديد بقائه في السلطة.

"مبادرات" تثير الجدل


ولم يكتف ولد منصور بوصف الحديث عن انتخابات 2029 بأنه سابق لأوانه، بل انتقد ما سماه "الفيديوهات والمبادرات" التي تعيد إلى الواجهة مشاهد من نهاية عهد الرئيس السابق.

وأشار إلى أن ما جرى في أواخر العهد السابق يحمل "من العبر والعظات الكثير"، في إشارة تبدو مرتبطة بالمبادرات السياسية والشعبية التي قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى ضغط باتجاه تعديل قواعد الترشح والاستمرار في الحكم.

وختم تدوينته بعبارة: "فتأملوا يرحمكم الله". وتحمل هذه الإشارة بعدا سياسيا واضحا، إذ يبدو أن ولد منصور يحذر من إعادة إنتاج ممارسات سياسية شهدتها موريتانيا في مراحل سابقة، حين تحولت الدعوات المطالبة بتمديد أو تجديد الحكم إلى قضية مركزية في الحياة السياسية.

من نهاية عهد سابق إلى بداية جدل جديد


يأتي استحضار ولد منصور للعهد السابق في سياق تاريخي حساس بالنسبة إلى موريتانيا. فالرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز حاول في نهاية ولايته أن يفتح نقاشا حول تعديل بعض الأحكام الدستورية، في وقت كان فيه الجدل محتدما حول مستقبل السلطة بعد انتهاء ولايته.

أما ولد الغزواني، فقد وصل إلى السلطة في 2019، ثم أعيد انتخابه في 2024، فيما تنص القواعد الدستورية الحالية على تحديد الولاية الرئاسية بخمس سنوات وعلى شروط تجديدها.

وفي أغسطس/آب 2024، كان واضحا في نص اليمين الدستورية التي أداها ولد الغزواني تعهده بعدم دعم أي مبادرة تستهدف مراجعة الأحكام المتعلقة بمدة الولاية وشروط تجديدها. لذلك، فإن عودة الدعوات إلى ولاية ثالثة لا يمكن فصلها عن حساسية التجربة الموريتانية مع مسألة تداول السلطة والتعديلات الدستورية.

"جمع" يوسع حضوره السياسي


في الوقت الذي يحذر فيه ولد منصور من تحويل المشهد السياسي إلى معركة مبكرة حول 2029، يعمل حزبه على توسيع حضوره التنظيمي والسياسي في مختلف مناطق البلاد. وخلال الأشهر الماضية، نظم "جمع" لقاءات ومهرجانات في ولايات ومدن مختلفة، كما شهد انضمام شخصيات وتكتلات سياسية جديدة إلى صفوفه.

وفي فبراير/شباط، أعلن الحزب انضمام "تكتل العدالة" القادم من مقاطعة أمرج في الحوض الشرقي، في خطوة قال الحزب إنها ستساهم في توسيع قاعدته الشعبية وتعزيز حضوره المحلي.

كما نظم جولات سياسية في الشرق الموريتاني شملت مهرجانات ولقاءات وحملات انتساب وافتتاح هيئات حزبية، في إطار مسعى لتوسيع قاعدته التنظيمية.

وبذلك، فإن الحزب يتحرك في اتجاهين متوازيين: دعم المسار السياسي للرئيس من جهة، وبناء تنظيم سياسي مستقل بهويته وبرنامجه من جهة أخرى.

هل ينقسم معسكر الأغلبية حول 2029؟


قد يكون السؤال الأهم الذي تثيره تصريحات ولد منصور هو مدى قدرة أحزاب الأغلبية على الحفاظ على موقف موحد تجاه ملف المأمورية الثالثة. فالمواقف الصادرة حتى الآن تكشف تباينا واضحا: أحزاب أو شخصيات سياسية دعت إلى استمرار الرئيس، فيما أعلنت قوى أخرى، حتى من داخل الأغلبية، رفضها طرح المسألة، بينما يفضل ولد الغزواني نفسه إبعادها عن أولويات المرحلة.

ولا يعني هذا التباين بالضرورة وجود انقسام سياسي واسع داخل الأغلبية، لكنه يكشف أن ملف 2029 بدأ يفرض نفسه على النقاش قبل الموعد الانتخابي بوقت طويل. وقد يؤدي استمرار طرحه إلى تحويل الاهتمام السياسي من تقييم أداء الحكومة والرئيس إلى التكهن بمستقبل السلطة، وهو تحديدا ما يحذر منه ولد منصور.

المعارضة تراقب.. والدستور في قلب النقاش


في المقابل، تراقب المعارضة الموريتانية هذا النقاش بحذر، إذ سبق أن أعلنت رفضها إدخال مسألة الولاية الثالثة في أي حوار سياسي. وفي يونيو/حزيران، قال رئيس القطب السياسي للمعارضة الديمقراطية محمد ولد مولود إن المعارضة ترفض بشكل قاطع إدراج موضوع المأمورية الثالثة، داعيا في الوقت نفسه إلى حوار سياسي يتناول القضايا الوطنية الكبرى.

ويجعل ذلك مسألة 2029 نقطة تقاطع محتملة بين مواقف متباينة: أحزاب في الأغلبية تريد مواصلة دعم الرئيس، قوى أخرى داخل المعسكر نفسه تتحفظ على المأمورية الثالثة، ومعارضة ترفض فتح الملف من أساسه.

أما ولد منصور، فيضع نفسه في منطقة وسطى: دعم الرئيس ومساره، مع رفض تحويل هذا الدعم إلى حملة مبكرة لتجديد الحكم.

"الولاية الثالثة".. قضية تتجاوز شخص الغزواني


في العمق، لا يتعلق النقاش حول 2029 بشخص ولد الغزواني وحده، وإنما بمسألة أوسع تتصل بقواعد انتقال السلطة في موريتانيا. فإذا بقيت القواعد الدستورية الحالية دون تعديل، فإن انتخابات 2029 ستكون موعدا لتداول السلطة بين مرشحين جدد. أما إذا عاد النقاش حول تعديلها إلى الواجهة بقوة، فإن المشهد السياسي قد يدخل في مرحلة مختلفة تماما، يكون عنوانها العلاقة بين الاستقرار السياسي واحترام قواعد التداول.

ولهذا تبدو عبارة ولد منصور حول "التشويش والإثارة" ذات دلالة أبعد من مجرد رفض حملة سياسية مبكرة؛ فهي تعكس خشية من أن يتحول الحديث عن المستقبل إلى عامل يؤثر في عمل الحكومة والأحزاب والأغلبية قبل أن تنتهي المأمورية الحالية.

اختبار مبكر للأغلبية


ويضع هذا الجدل الأحزاب المؤيدة للرئيس أمام اختبار سياسي مبكر: كيف يمكنها مواصلة دعم سياساته من دون تحويل الدعم إلى مطالبة بإبقائه في السلطة؟ فالموقف الذي عبر عنه "جمع" يقدم نموذجا مختلفا: الحزب يؤيد ولد الغزواني وبرنامجه، لكنه يرى أن الأولوية لتنفيذ البرنامج والوفاء بالالتزامات، وليس لتنظيم حملة مبكرة لانتخابات لم يحن موعدها.

وكان ولد منصور قد أشاد في يناير/كانون الثاني بأداء الحكومة، معتبرا أن الحصيلة الحكومية تتضمن ديناميكية في التنفيذ والمواكبة، مع الإقرار في الوقت نفسه بوجود مشاريع ونقاط لم تنجز بعد.

وهذا يعزز منطقه الحالي: التقييم، في هذه المرحلة، ينبغي أن ينصب على الأداء والإنجاز، لا على سؤال من سيترشح بعد ثلاث سنوات.

2029 مؤجل.. لكن الجدل بدأ


رغم أن الانتخابات الرئاسية المقبلة لا تزال بعيدة نسبيا، فإن النقاش حولها بدأ فعليا، ما يعني أن قضية التداول السياسي قد تظل حاضرة في المشهد الموريتاني خلال السنوات المقبلة.

لكن موقف ولد منصور يعيد النقاش إلى نقطة أساسية: هل تحتاج موريتانيا إلى فتح معركة 2029 الآن، أم أن الأولوية ينبغي أن تبقى لمعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والسياسية المطروحة أمام السلطة؟

وفي ظل تأكيد الرئيس أن تعديل قواعد المأموريات ليس أولوية، وتعهداته الدستورية، ورفض قوى سياسية من المعارضة والأغلبية لفكرة المأمورية الثالثة، تبدو الدعوات المبكرة إلى استمرار الحكم أقرب إلى اختبار سياسي للنقاش العام منها إلى مسار انتخابي فعلي في الوقت الراهن.

لكن استمرار ظهور هذه الدعوات قد يجعل من الصعب إبقاء الملف خارج المشهد، خصوصا إذا تحولت المبادرات الفردية إلى حملة منظمة داخل الأحزاب والولايات والدوائر السياسية.

وبينما يدعو ولد منصور إلى عدم تحويل 2029 إلى عنوان المرحلة الحالية، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة الأغلبية على ضبط هذا النقاش، والحفاظ على تركيزها على برنامج المأمورية الثانية، وتجنب الدخول مبكرا في معركة سياسية قد تعيد إلى الواجهة أكثر الملفات حساسية في التجربة السياسية الموريتانية: حدود المأمورية، وإرادة الرئيس، وقواعد تداول السلطة.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)