دماء غزة تعود إلى واجهة حسابات نتنياهو.. الاغتيالات في خدمة الانتخابات

لا ينفك مشهد التصعيد في غزة عن المظلة الأمريكية التي ظلت تشكل غطاء لما يجري في غزة- جيتي
لا ينفك مشهد التصعيد في غزة عن المظلة الأمريكية التي ظلت تشكل غطاء لما يجري في غزة- جيتي
شارك الخبر
لا يبدو استمرار انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بالنسبة إلى لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مجرد ملف أمني فحسب؛ بل ورقة سياسية مهمة يلعب بها لإعادة ترتيب أولويات الناخب الإسرائيلي، على حساب الدماء التي تسيل يوميا من الجرح المفتوح.

بعد أيام قليلة من الهدوء النسبي في غزة، عادت عمليات الاغتيال مرة أخرى لتسيطر على المشهد العام، فخلال أقل من 24 ساعة اغتالت قوات الاحتلال أكثر من 15 شخصا في عمليات قصف منفصلة.
ولايبدو تجدد المجازر في غزة تطورا مفاجئا، بقدر كونه امتدادا متوقعا لمنطق سياسي لا يرى في حياة الفلسطينيين سوى مادة قابلة للاستخدام في معادلات البقاء داخل حكومة التطرف. 

اختبار لحالة الهدوء

من وجهة نظر الباحث في الشأن الإسرائيلي، مؤمن مقداد، فإن نتنياهو، الذي لن يقامر بشعبيته أو مستقبل ائتلافه من أجل اتفاق مع غزة، تعامل مع فترة وقف الغارات خلال الأيام الماضية بوصفها اختبارا لمدى استعداد شركائه لقبول التهدئة؛ مشددا في منشور على صفحته في "فيسبوك" على أن نتنياهو حين وجد نفسه عرضة لهجوم من داخل معسكره، عاد سريعا إلى السياسة ذاتها، محاولا أن يثبت لمنافسيه أنه لا يزال الأشد عنفا، والأكثر استعدادا لارتكاب الجرائم من أجل حماية موقعه السياسي.

اظهار أخبار متعلقة


ضوء أخضر أمريكي

ولا ينفك مشهد التصعيد في غزة عن المظلة الأمريكية، التي ظلت تشكل غطاء لما يجري في غزة، وذلك بالرغم من أن إدارة تعد طرفا في اتفاق غزة، بل هي من وضعت الخطة الأصلية التي تنصلت منها حكومة نتنياهو.

في هذا السياق، أفادت مصادر سياسية إسرائيلية بوجود تفاهمات بين بنيامين نتنياهو والمبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، تتضمن احتفاظ جيش الاحتلال بحرية العمل واستمرار سياسة الاغتيالات في قطاع غزة، بالتوازي مع ربط ملف إعادة الإعمار بنزع سلاح حركة حماس.

هذا التوافق ترجم عمليا على أرض الواقع بمجزرتين بشعتين، الأربعاء، أعقبتا لقاء نتنياهو وكوشنر بساعات فقط، فقد ضربت طائرات الاحتلال مقهى قرب ميناء غزة، ما تسبب في استشهاد 7 فلسطينيين، تلى ذلك بساعات سقوط 9 من ضباط الشرطة بمجزرة جديدة.

وفي هذا السياق نقلت قناة كان عن مسؤول أمني، قوله، الأربعاء، إن "إسرائيل" حصلت على ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية لتنفيذ الاغتيالات في غزة، وتذرع المسؤول بأن "إسرائيل" لا تعتقد أن حماس ستنزع سلاحها، وحتى ذلك الحين سيواصل "الجيش" إحباط التهديدات، ولن ينسحب من الخط الأصفر، ولن تبدأ خطوات مرتبطة بإعادة إعمار القطاع.

سياسة الاغتيالات وترميم شعبية نتنياهو

تخدم سياسة الاغتيالات الحالية في غزة استراتيجية بقاء سياسي متعددة الأوجه لنتنياهو، إذ يدرك نتنياهو أن إنهاء الحرب دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية لليمين المتطرف يعني انهيار ائتلافه الحكومي وإجباره على مواجهة صناديق الاقتراع في ظل شعبية متدنية، وبهذا المعنى، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي، حسن مرهج، أن الاغتيالات تمنح نتنياهو ثلاثة مكاسب سياسية متزامنة، أولها إشباع رغبة شركائه الائتلافيين المتطرفين سموتريش وبن غفير اللذين يرفضان أي هدنة لا تضمن سيطرة عسكرية دائمة على القطاع وإعادة الاستيطان، وثانيها تقديم نفسه كحامٍ وحيد للأمن القومي في مقابل معارضة يائسة، وثالثها تأجيل المحاكمات الجنائية المعلقة ضده باستغلال صلاحيات منصبه وذريعة الأمن القومي.

يقول مرهج في حديث خاص لـ"عربي21" إنه "عندما يُعلن عن اغتيال قيادي فلسطيني، يتصاعد التأييد لحزب الليكود مؤقتاً بين الناخبين اليمينيين الذين يربطون القوة العسكرية بالشرعية السياسية، وهو ما يُظهره استطلاع رأي كشف ارتفاعاً ملحوظاً لمقاعد الليكود بعد عمليات عسكرية بارزة، لكن في المقابل فإن هذه الاستراتيجية ليست خالية من المخاطر، فالفشل المستمر في تحقيق أهداف الحرب المعلنة، مثل القضاء التام على حماس أو استعادة جميع المحتجزين، يُضعف تدريجياً مصداقية السرد العسكري لدى شريحة واسعة من الإسرائيليين الذين يعانون من إرهاق الحرب الممتدة".

اظهار أخبار متعلقة


قدرة المعارضة على منافسة نتنياهو

تبدو المعارضة الإسرائيلية محاصرة في فخ أجندة الحرب الذي فرضه نتنياهو ببراعة، إذ اختارت قيادتها الرئيسية، المتمثلة في تحالف بينيت ولابيد، مساراً أمنياً لا يختلف جوهرياً عن سياسات الحكومة الحالية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. 

في هذا الصدد يقول الخبير مرهج، إن "بينيت نفسه أعلن صراحة رفضه لإقامة دولة فلسطينية، مما يُسقط عن المعارضة ورقة التمايز الأخلاقي والسياسي أمام الناخب اليميني والوسطي"، لكن المشكلة الأعمق تكمن في تشرذم المشهد المعارض، فبينما يتقدم بينيت كأقوى منافس، يكتسب أيزنكوت زخماً بين الناخبين الوسطيين بفضل خلفيته العسكرية وسمعته النزيهة، لكنه يفتقر إلى الآلة الانتخابية والخبرة السياسية.

وعلى اليسار، يتصارع الحزب الديمقراطي للحفاظ على تماسكه، بينما ترفض كل من الليكود وبينيت الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل ائتلاف حكومي، مما يُضيق خيارات التحالفات البرلمانية.

في ظل هذا التشرذم، قال محدثنا إن الناخب الإسرائيلي يجد نفسه أمام خيارات أمنية متشابهة، حيث تتنافس الأحزاب على من هو الأكثر تشدداً وليس على بدائل سياسية حقيقية، وهو ما يُبقي نتنياهو في موقع القوة رغم كل الفشل العسكري والسياسي المتراكم.

 موقف "مزودوج" من الإدارة الأمريكية

يرى مرهج أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية الحالية تتسم بطابع مزدوج. دعم عسكري واستخباراتي غير مسبوق من جهة، وتوتر سياسي متصاعد من جهة أخرى، فالإدارة الأمريكية، تحت قيادة ترامب، وفّرت غطاءً دبلوماسياً وعسكرياً واسعاً لعمليات "إسرائيل"، بما في ذلك الضربات المباشرة ضد إيران واغتيال قادة حماس، لكنها في الوقت ذاته فرضت اتفاقيات إقليمية أثارت سخطاً إسرائيلياً واسعاً.

ويعتقد أن هذا التوتر الأخير يُضعف حجة نتنياهو بأنه القائد الوحيد القادر على التأثير في واشنطن، ويدفعه لتبني خطاب سياسي جديد يُظهره كزعيم يقف بصلابة في وجه الضغوط الأمريكية.

في ما يتعلق بغزة تحديداً، لم تُصدر الإدارة الأمريكية ضوءاً أخضر صريحاً للاغتيالات، لكنها لم تمارس ضغطاً حقيقياً لوقفها، مكتفية ببيانات خجولة تأسف لسقوط ضحايا مدنيين دون اتخاذ إجراءات عقابية ملموسة. 

وقد أقرّت الإدارة الأمريكية سابقاً عجزها عن إقناع "إسرائيل" بخوض الحرب بشكل مختلف، ويرى مرهج في "هذا الصمت الأمريكي الفاعل، الممزوج بالدعم اللوجستي المستمر، يُشكّل في جوهره تفويضاً ضمنياً لسياسات نتنياهو، خاصة أن واشنطن تدرك أن أي ضغط حقيقي قد يُسقط الحكومة اليمينية ويفتح الباب أمام تداعيات إقليمية غير محسوبة".

لكن هذا الدعم من وجهة نظر الخبير، يأتي على حساب الموقف الدولي لـ"إسرائيل"، إذ أدى التصاق نتنياهو بالحرب الممتدة إلى عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، مع وجود مذكرات اعتقال دولية صادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية، وتحول تدريجي في الرأي العام العالمي ضد إسرائيل، وفي المحصلة، يبدو أن الإدارة الأمريكية تمنح نتنياهو هامشاً واسعاً للمناورة العسكرية مقابل الحفاظ على استقرار التحالف الاستراتيجي، لكنها في الوقت ذاته تُراقب عن كثب التداعيات الانتخابية الداخلية التي قد تُعيد رسم الخريطة السياسية الإسرائيلية.
التعليقات (0)

خبر عاجل