الحياة الإنسانية قائمة على التآلف والتعاون والتلاحم والحب والتعاطف والرحمة بين الناس، والعمل على عِمارة الأرض وخدمة الأوطان والناس.
وتقول الحكمة الإنسانية العالمية: "استوى الناس في العافية فإذا نَزَل البلاء تَباينوا".
والتباين بين الناس يكون بالصبر والتحمّل والحكمة في مواجهة البلاء، وكذلك في العلوّ والشهامة والنقاء بمَدّ يَدِ العون للآخرين في أوقات الأزمات، وهذه من أكبر مقاييس إنسانية البشر، والتي بها يتميز الإنسان الصالح من الطالح، والنافع من الضار، والخيِّر من الشرير، والراقي من الوضيع، والنبيل من الرذيل، والحي من الميت.
والعمل الإنساني قد يكون تطوعيا لمساعدة الناس المتضررين في الظروف الخطيرة والكوارث الطبيعية ومنها الحروب والحصار والزلازل وغيرها.
ومنذ يوم 19 آب/ أغسطس 2003، وحينما كانت بعثة
الأمم المتحدة تعمل في العراق بعد
الاحتلال الأمريكي بعدة أشهر تَعرّض الفندق الذي يقيمون فيه لهجوم بقنبلة تَسبّبت بمقتل نحو 22 من العاملين في مجال المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، سيرجيو فييرا دي ميلو!
ولهذا، وبعد خمس سنوات، اعتمدت الجمعية العامة قراراً يُحدّد يوم 19 آب/ أغسطس كيوم عالمي للعمل الإنساني (WHD). ومن هنا يحتفل العالم سنوياً بهذا اليوم للدفاع عن بقاء ورفاه وكرامة الأشخاص المتأثرين بالأزمات، وعن سلامة وأمن العاملين في المجال الإنساني، وتكريماً لهم.
ومنذ ذلك التاريخ سلطت الأمم المتحدة الضوء على أدوارهم المحورية، وأكدت نهاية أيار/ مايو 2026، أن نحو 252 مليون شخص كانوا بحاجة ماسة للمساعدة الإنسانية والحماية، أي "بزيادة قدرها 13 مليونًا على العدد المسجل عند تدشين اللمحة العامة عن
العمل الإنساني العالمي لعام 2026".
والمؤلم أن يتحول من يُنذرون أنفسهم لتقديم الخدمات إلى أهداف للكيانات الشريرة، ولهذا نجد أن "العاملين في المجال الإنساني ما فتئوا يتعرضون للقتل والإصابة والاختطاف والاحتجاز والعرقلة أثناء أداء عملهم. ومعظمهم موظفون وطنيون يخدمون مجتمعاتهم المحلية".
وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر يوم 8 نيسان/ أبريل 2026 إنه بالعام 2025 سُجِّل مقتل نحو 326 عاملاً في المجال الإنساني عبر 21 بلداً، ممّا رفع العدد الإجمالي للعاملين الإنسانيين الذين قُتلوا خلال ثلاث سنوات إلى أكثر من 1010 أشخاص.
ومن هنا ينبغي احترام وحماية العاملين في المساعدات الإنسانية ومنع عمليات القتل والاستهداف والاحتجاز خلافاً للقانون الدولي الإنساني.
وبشأن استخفاف "إسرائيل" بالعمل الإنساني حذّر شركاء الأمم المتحدة العاملون في المجال الإنساني يوم 14 آب/ أغسطس 2026 من أن العمل الإغاثي في الضفة الغربية الفلسطينية يتعرض للتأخير والتقييد بسبب شبكة تضم نحو 900 عائق مادي، تشمل نقاط التفتيش والبوابات وغيرها من القيود.
وقبلها بأسبوع أعرب رامز الأكبروف نائب منسق الأمم المتحدة لعملية سلام الشرق الأوسط عن "القلق إزاء الغارات الإسرائيلية على
غزة، والتي أسفرت عن ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالإمدادات الطبية الحيوية وغيرها".
وهكذا تستمر "إسرائيل" والأنظمة المارقة بسحق إنسانية الإنسان وضرب العاملين في المجال الإنساني وهذا تأكيد على وحشية هذه الأنظمة القمعية الإرهابية.
ومن هنا فإن الإنسانية هي أصل التعايش البشري، بها يكون الكائن البشري إنساناً، وعظمة الناس تبرز في مدى تعاطيهم مع الجوانب الإنسانية النبيلة في الأرض، ومع ذلك فإن قتل الإنسان معنوياً أشد من قتله مادياً، لأن القتل المعنوي فيه سحق إنسانية الإنسان وضرب القيم التي تقوم عليها العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان.
إن العلاقات الإنسانية الراقية تهب الحياة طعماً مليئاً بالحب والعطاء والاندفاع نحو العمل والسلام والألفة بين الناس، وكذلك فإن العلاقات الإنسانية الراقية هي التي تنقل الإنسان من عالم التوحش إلى عامل الأنس، ومن الخوف إلى الأمان ومن التنافر إلى التعايش.
وهكذا- ومنذ مئات السنين- تحلم البشرية بالوصول إلى الإنسانية الحقيقية الخالية من الكراهية والقتل والترهيب والدم، والمليئة بالمحبة والسلام والتعايش والسلام.
لنعمل من أجل عالم مليء بالخير والتعاون والسلام.
الشرق القطرية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.