أثارت وثيقة سياسية وحقوقية وقعتها 259 شخصية موريتانية جدلاً سياسياً وحقوقياً واسعاً في البلاد على مدى اليومين الماضيين.
الوثيقة التي وقعتها شخصيات سياسية وحقوقية ووزراء سابقون وأكاديميون طالبت بإجراء تعديل دستوري يتضمن الاعتراف بـ"
مكونة الحراطين" (الأرقاء السابقين) كجزء من المكونات الوطنية للبلاد، وإقرار سياسات تمييز إيجابي لصالحهم.
وتحدث موقعو الوثيقة عن مظاهر تهميش هذه الفئة ومن بينها: "الفقر المدقع الذي يطال غالبيتهم، وفقدانهم لوسائل الإنتاج مما سبب شح وصعوبة حياتهم المعيشية، ونزع ملكية الأراضي الزراعية منهم كملاك أصليين لصالح أبناء القبائل النافذين، والإقصاء على مستوى المسابقات الوطنية للولوج إلى الإدارة والقضاء والمدارس العسكرية وشبه العسكرية بمختلف أسلاكها".
اظهار أخبار متعلقة
ولفتوا إلى "العراقيل الكبيرة التي توضع دون الولوج إلى الوظائف السامية في الدولة ومراكز القيادة والترقية فيها، والمنع من الولوج لمصادر رأس المال مثل البنوك وريادة الأعمال والقروض والصفقات العمومية ورخص الصيد والتعدين".
ودعا الموقعون على الوثيقة إلى "اعتماد التمييز الإيجابي لصالح هذا المكون عبر السياسات والبرامج الوطنية القطاعية بما يضمن دمج أطرهم في الإدارة الإقليمية وفي القضاء، وفي الأسلاك الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، والإعلام، وفي المؤسسات الكبرى والمشاريع التنموية، وإعطائهم فرصة اللحاق بالمكونات الأخرى".
"دسترة الانتماءات الفئوية"
ولم تقف الوثيقة عند حدود التشخيص، بل صاغت مطالب جذرية تمثلت في الدعوة إلى مراجعة الدستور الموريتاني ليتضمن اعترافاً صريحاً بمكونة الحراطين وحقوقها السياسية والاقتصادية، واعتماد سياسات التمييز الإيجابي لدمج أطرهم في الإدارة، والقضاء، والمؤسسات الأمنية، كما دعوا إلى سن قوانين تضمن حصصاً انتخابية لهذه الفئة، مع المطالبة بالإفراج الفوري عن معتقلي الرأي".
وقد ألقى هذا الحراك بظلاله على المشهد العام في البلد، مفجراً نقاشاً عميقاً حول مفاهيم المواطنة، والمحاصصة، والعدالة الاجتماعية، ومخاطر دسترة الانتماءات الفئوية في بلد لا يزال يبحث عن تعزيز لحمته الوطنية.
سجال النخب
بعد ساعات فقط من نشرها في وسائل الإعلام فجرت الوثيقة عاصفة من الردود والتباينات، كشفت عن شرخ حتى داخل الصف
الحقوقي المدافع عن الحراطين.
فقد جاء الرد الأقوى والأكثر وضوحاً من النائب البرلماني والمرشح الرئاسي السابق، بيرام
الداه اعبيد، رئيس منظمة "إيرا" الحقوقية الذي أعلن رفضه التام لمبدأ المحاصصة.
وشدد الداه اعبيد – الذي حل ثانيا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ويقدم نفسه على أنه المدافع عن قضايا الحراطين – على أن دولة القانون لا يمكن أن تقوم على محاصصة مجتمعية للمسؤوليات العامة، منبها إلى وجود فرق جوهري بين سياسات عمومية تهدف إلى تصحيح اختلالات مثبتة موضوعيا، وبين نظام مؤسسي ينظّم بشكل دائم توزيع وظائف الدولة ومواردها بين المكوّنات.
وأوضح أن "الجمهورية لا يمكن أن تطلب من كل مواطن أن يقدم نفسه أولا باعتباره ممثلا لمجموعته حتى يحصل على حقوقه، فالدولة يجب أن تعترف بالمواطنين، لا أن توزّع المواطنين بين المكوّنات".
وقال الداه اعبيد إن الهدف يجب أن يكون جعل الدولة ضامنة لحقوق كل مواطن، لا حكما في تقاسم المناصب والموارد والمسؤوليات بين المكوّنات، داعيا لعلاج التمييز دون تكريس الانقسام مؤسسيا بين المواطنين.
جراح الماضي
وأكد الداه اعبيد أنه "يجب على الجمهورية أن تعترف بجراح تاريخها، وأن تصحح الاختلالات التي أنتجتها، وأن تضمن مساواة حقيقية، لكنها يجب أيضاً أن تتيح لكل مواطن أن يتطلع إلى مستقبل لا تحدده أصوله إلى الأبد".
ورأى أن قضية الحراطين "حُصرت لسنوات طويلة في قراءة مجتمعية للنقاش السياسي، وكأن مكافحة العبودية ومخلفاتها هي معركة خاصة بمكوّن ضد الآخرين".
وأضاف: "الحقيقة أنه يجب الخروج من هذا المنطق، فالحراطين لا يحتاجون إلى حصرهم في هويتهم حتى يُعترف بتاريخهم، إنهم يحتاجون إلى ضمان حقوقهم، وجبر المظالم التي تعرضوا لها فعلياً، وتمكين أبنائهم من الوصول إلى الفرص نفسها التي يحصل عليها جميع المواطنين".
وفي ذات السياق الرافض لفكرة المحاصصة، دخل "حراك النهوض الشبابي" الذي يضم عدداً من نخب الحراطين، على خط الأزمة، معلناً رفضه لكل الدعوات الساعية إلى "دسترة التفرقة".
واقترح الحراك آليات بديلة وصفها بالعملية للتمييز الإيجابي بعيداً عن التعديلات الدستورية "مثل تعميم نظام السكن الداخلي لتلاميذ المناطق الهشة، وتخصيص مقاعد للمتفوقين من أبناء الطبقات الفقيرة في كليات الطب ومدارس الهندسة"، ولفت إلى أن الدستور الموريتاني الحالي كفل المساواة وجرّم الرق بما يغني عن أي نصوص قد تذكي النعرات.
وفي ذات السياق كتب رئيس حزب "جبهة العدالة والمواطنة" محمد جميل ولد منصور معلقاً على الجدل الحاصل: "المحاصصة خصوصاً إذا قُننت خطر على المجتمعات والدول، ورفع المظالم عن المستضعفين مطلوب، وتحقيق المواطنة المتساوية لازم، والتمييز الإيجابي لصالح ضحايا الرق والغبن والتهميش شرط في تحقيق المساواة وتقارب الفرص".
امتصاص الاحتقان
وأمام حالة الاستقطاب هذه حاولت منظمة "نجدة العبيد" (إحدى أعرق المنظمات الحقوقية الموريتانية) تقديم قراءة حقوقية هادئة تسعى لامتصاص الاحتقان، مؤكدة أن طرح القضايا الوطنية الكبرى للنقاش العمومي، مهما كانت حساسيتها، يمثل مؤشراً إيجابياً على حيوية المجتمع وتطور الوعي الديمقراطي، ما دام يتم في إطار احترام الدستور والقانون وثوابت الدولة وقيم السلم الأهلي والتعايش المشترك.
ورأت المنظمة في بيان أن الدعوة إلى الاعتراف بمكونة الحراطين باعتبارها مكونة وطنية لا ينبغي أن تُفهم بالضرورة على أنها دعوة إلى التمييز أو الانفصال أو التشكيك في وحدة الشعب الموريتاني، وإنما يمكن النظر إليها في إطار السعي إلى الاعتراف بخصوصية تاريخية واجتماعية وثقافية تشكل جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية المشتركة.
وأضافت أن "الاعتراف بالخصوصيات التاريخية والثقافية والاجتماعية لمكونة الحراطين لا يتعارض مع مفهوم المواطنة الجامعة، بل يمكن أن يشكل رافعة لتعزيزها من خلال ترسيخ الشعور بالإنصاف والاعتراف والاندماج الكامل داخل الوطن المشترك، كما أن معالجة التراكمات التاريخية والآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفتها ممارسات الاسترقاق ومخلفاته تظل ضرورة وطنية وأخلاقية وحقوقية تسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وتماسكاً".
ولفتت المنظمة إلى أن مكونة الحراطين "تعرضت عبر مراحل مختلفة من تاريخ البلاد لأشكال متعددة من التهميش والإقصاء المرتبطين بالإرث الاسترقاقي، وأن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة بدرجات متفاوتة في بعض المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومن ثم فإن أي نقاش هادئ ومسؤول حول سبل تعزيز مكانة هذه المكونة وإنصافها ينبغي أن يُستقبل باعتباره جزءاً من مسار وطني أوسع يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتعزيز الوحدة الوطنية".
تركيبة المجتمع الموريتاني
تمثل
موريتانيا جسراً ثقافياً وجغرافياً بين العالم العربي وإفريقيا، وينقسم المجتمع الموريتاني عرقياً إلى مجموعتين: عرب وزنوج، بينما تنقسم المجموعة العربية إلى عرب بيض (البيظان) وعرب سمر (الحراطين)، وتضم المجموعة الزنجية 3 مكونات هي البولار والسوننكي والولف.
اظهار أخبار متعلقة
ومع أن الإحصائيات الرسمية بموريتانيا تتحفظ على نشر الأرقام المتعلقة بالتوزيع الجهوي للمجتمع، إلا أن قيادات سياسية بمجموعة "الحراطين" تقول إن تعداد الشريحة يصل 40 بالمائة من عدد سكان البلد البالغ نحو 5 ملايين نسمة.
ويقول النشطاء المدافعون عن الحراطين إن هذه المجموعة ما تزال تعاني آثار الاسترقاق، وضعفاً في التمثيل بمراكز النفوذ السياسي والمالي، ويعيشون في أحزمة الفقر الحضرية والقرى الزراعية النائية.