غارات جوية روسية في مالي تقتل مدنيين بينهم أطفال.. و"رايتس ووتش" تحقق

 أثار الوجود الروسي في مالي انتقادات من منظمات حقوقية، اتهمت القوات الروسية وحلفاءها المحليين بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين خلال العمليات العسكرية.. جيتي
أثار الوجود الروسي في مالي انتقادات من منظمات حقوقية، اتهمت القوات الروسية وحلفاءها المحليين بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين خلال العمليات العسكرية.. جيتي
شارك الخبر
قالت منظمة هيومن رايتس ووتش: إن غارات جوية نفذها الفيلق الإفريقي الروسي في وسط مالي منتصف حزيران/يونيو الماضي أسفرت عن مقتل ثمانية مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، معتبرة أن الهجوم، بحسب المعطيات التي جمعتها، "يبدو غير قانوني".

وأوضحت المنظمة، في تقرير نشرته أمس الجمعة، أن الضربات استهدفت قرية كيرنيا في منطقة موبتي وسط البلاد في 15 حزيران/يونيو، مشيرة إلى أن طائرة حددها مصدران عسكريان ماليان بأنها من طراز "سوخوي" ألقت ذخيرتين على الأقل على القرية.

وبحسب التحقيق، أصابت الذخيرة الأولى الجزء الخارجي من منزل شيخ القرية، ما أدى إلى مقتل اثنين من أطفاله وزوجته وطفل آخر، فضلا عن إصابة امرأة. أما الذخيرة الثانية فسقطت على سوق صغير للمواشي يقع على بعد نحو 20 مترا من الموقع الأول، ما أسفر عن مقتل أربعة رجال وإصابة شخصين آخرين.

وقالت "هيومن رايتس ووتش": إن الضربات وقعت في منطقة تخضع لسيطرة جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" منذ نحو ست سنوات، وهي جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنشط في مناطق واسعة من منطقة الساحل، ولا سيما في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

لكن المنظمة نقلت عن شهود عيان قولهم إن ما لا يقل عن مئة مقاتل من الجماعة، بينهم قائد بارز، كانوا موجودين في القرية وقت تنفيذ الغارات، إلا أنهم كانوا متمركزين بصورة أساسية في محيط مسجد القرية وخارج متجر يقع بالقرب من سوق المواشي، وليس في المواقع التي أصابتها الضربات.

تحقيق اعتمد على شهادات وصور أقمار صناعية


وقالت المنظمة الحقوقية إن نتائجها استندت إلى تحقيق ميداني عن بعد أجرته بين 24 حزيران/يونيو و14 تموز/يوليو، وشمل مقابلات مع 19 شخصا، بينهم ستة شهود عيان وأعضاء في المجتمع المدني وقادة محليون ومصادر عسكرية مالية وصحفيون محليون.

كما أفادت بأنها حللت صورا ملتقطة بالأقمار الصناعية لمواقع الضربات، إلى جانب مقطع فيديو نشره الفيلق الإفريقي على الإنترنت، وصورا نشرتها جماعة إسلامية مسلحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضافت أن تحليلها لمقطع الفيديو الذي نشره الفيلق الإفريقي مكّنها من تحديد الموقع الجغرافي للضربتين، وخلص إلى أنهما وقعتا بالفعل في قرية كيرنيا.

وكان الفيلق الإفريقي قد أعلن في 23 حزيران/يونيو، عبر حسابيه على منصتي فيسبوك وإكس، أنه نفذ في 15 حزيران/يونيو غارة جوية وصفها بأنها "ناجحة" استهدفت تجمعا لـ"الجماعات الإرهابية" في منطقة موبتي، وأدت، وفق روايته، إلى مقتل عدد من "القادة الميدانيين".

ونشر الفيلق مقطع فيديو للغارات وما قال إنها آثارها، وهو المقطع الذي قالت هيومن رايتس ووتش إنها تمكنت من تحديد موقعه جغرافيا ومطابقته مع موقع الضربات في كيرنيا.

"هيومن رايتس ووت": وجود مقاتلين لا يبرر استهداف المدنيين


وتأتي نتائج التحقيق في ظل تصاعد الانتقادات الدولية بشأن العمليات العسكرية التي تنفذها القوات المالية وحلفاؤها الأجانب ضد الجماعات المسلحة في وسط وشمال البلاد.

وتؤكد "هيومن رايتس ووتش" أن القانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاعات المسلحة بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين والأهداف العسكرية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل الخسائر في صفوف المدنيين.

وبحسب المنظمة، فإن وجود مقاتلين في منطقة مأهولة بالسكان لا يجعل جميع الموجودين فيها أهدافا عسكرية مشروعة، كما أن الهجمات التي لا تميز بين المدنيين والمقاتلين أو تتسبب في أضرار مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة قد تشكل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني.

وفي حالة كيرنيا، قالت المنظمة إن المعطيات التي جمعتها تثير مخاوف جدية بشأن قانونية الضربات، ولا سيما في ضوء سقوط الضحايا المدنيين، وبينهم أطفال، وعدم إصابة المواقع التي قالت الشهادات إن عددا كبيرا من مقاتلي الجماعة المسلحة كانوا موجودين فيها.



موسكو وباماكو لم تعلقا


وأفادت "هيومن رايتس ووتش" بأنها أرسلت في 22 تموز/يوليو رسالة إلى وزير الدفاع الروسي، عرضت فيها نتائج تحقيقها ووجهت أسئلة بشأن الضربات، لكنها قالت إنها لم تتلق ردا حتى نشر تقريرها.

ولم يصدر، بحسب المنظمة، تعليق من الحكومة المالية أو السلطات الروسية على الاتهامات المتعلقة بالهجوم.

وتأتي هذه الاتهامات في وقت تواجه فيه السلطات المالية انتقادات متكررة بشأن العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، في ظل تدهور الوضع الأمني في البلاد واستمرار الهجمات التي تشنها جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

وكانت حكومة باماكو قد نفت في مناسبات سابقة تقارير لمنظمات حقوقية تتهم القوات المالية أو حلفاءها باستهداف المدنيين، واتهمت هيومن رايتس ووتش بالتحيز ونشر معلومات غير دقيقة، في حين تؤكد السلطات المالية أن عملياتها العسكرية تستهدف الجماعات المسلحة التي تنشط في البلاد.

تصاعد دور الفيلق الإفريقي في مالي


ويأتي التقرير في سياق تعاظم الحضور الروسي في مالي، بعد تراجع الوجود العسكري الغربي، ولا سيما الفرنسي، وانسحاب قوات دولية كانت تعمل في البلاد ضمن جهود مكافحة الجماعات المسلحة.

وتعتمد السلطات المالية في عملياتها الأمنية والعسكرية على قواتها المسلحة إلى جانب شركاء روس، في إطار سعيها إلى استعادة السيطرة على مناطق واسعة تشهد نشاطا للجماعات المسلحة.

وكانت مالي، إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر، قد اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع روسيا، بالتوازي مع تراجع العلاقات مع فرنسا ودول غربية أخرى.

ولم ينه التحول في الشراكات العسكرية التهديدات الأمنية التي تواجه منطقة الساحل، في وقت لا تزال فيه الجماعات المسلحة تنشط في مساحات واسعة، خصوصا في المناطق الريفية والنائية، وتنفذ هجمات ضد القوات الحكومية والمدنيين على حد سواء.

وفي المقابل، تحذر منظمات حقوقية من أن العمليات العسكرية الواسعة لمكافحة الجماعات المسلحة قد تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين، خصوصا في المناطق التي تختلط فيها الجماعات المسلحة بالسكان، مطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في أي ادعاءات تتعلق بانتهاكات القانون الدولي الإنساني.

ويعيد تقرير "هيومن رايتس ووتش" بشأن غارات كيرنيا تسليط الضوء على طبيعة العمليات الجوية في وسط مالي، وعلى مدى التزام القوات المنفذة لها بقواعد القانون الدولي الإنساني، في وقت لم تقدم فيه السلطات المالية أو الروسية، حتى الآن، ردا على الاتهامات التي أوردتها المنظمة بشأن مقتل المدنيين الثمانية.

إطار عسكري أنشأته موسكو


ويُعدّ الفيلق الإفريقي الروسي إطارا عسكريا أنشأته موسكو لتعزيز حضورها الأمني والعسكري في القارة الإفريقية، وبرز دوره في مالي خصوصا بعد انسحاب القوات الفرنسية والقوة الأوروبية "تاكوبا"، وتراجع التعاون العسكري بين باماكو وشركائها الغربيين.

ويضم الفيلق عناصر روسية، وارتبط نشاطه في مالي بإعادة تنظيم الوجود الروسي الذي كان يُنسب في السابق إلى مجموعة فاغنر، مع انتقال موسكو إلى صيغة أكثر ارتباطا بالمؤسسات العسكرية الروسية. ويعمل الفيلق إلى جانب القوات المسلحة المالية في عمليات تستهدف الجماعات المسلحة، ولا سيما في المناطق التي تنشط فيها جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

وقد أصبحت روسيا منذ الانقلابات العسكرية في مالي عام 2020 شريكا أمنيا رئيسيا للحكومة الانتقالية، التي اتجهت إلى إنهاء وجود القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة، وتعزيز التعاون مع موسكو.

وفي المقابل، أثار الوجود الروسي في مالي انتقادات من منظمات حقوقية، اتهمت القوات الروسية وحلفاءها المحليين بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين خلال العمليات العسكرية، وهي اتهامات تنفيها باماكو وموسكو، وتؤكدان أن العمليات تستهدف الجماعات المسلحة.


اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)