أفرزت النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية
الجزائرية، التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، الاثنين، خريطة
سياسية جديدة داخل المجلس الشعبي الوطني، حملت تغيرات في موازين القوى بين
الأحزاب، مع احتفاظ حزب جبهة التحرير الوطني بصدارة المقاعد، وصعود لافت لجبهة
المستقبل إلى المرتبة الثالثة، مقابل تراجع عدد من الكتل التي كانت تهيمن على
البرلمان المنتهية ولايته.
كما كشفت النتائج عن تنوع أكبر في
تركيبة
المعارضة البرلمانية، وتراجع غير مسبوق في تمثيل النساء، إلى جانب ارتفاع واضح في
المستوى التعليمي للنواب المنتخبين.
جبهة التحرير تحافظ على الصدارة رغم التراجع
وأعلن رئيس السلطة الوطنية المستقلة
للانتخابات بالنيابة، كريم خلفان، خلال مؤتمر صحفي، النتائج المؤقتة للاقتراع،
التي أظهرت احتفاظ حزب جبهة التحرير الوطني بالمركز الأول داخل المجلس الشعبي
الوطني بحصوله على 90 مقعدا، رغم تراجعه عن نتائج
الانتخابات السابقة التي نال
فيها 98 مقعدا.
وحافظ حزب التجمع الوطني الديمقراطي على
موقعه كثاني أكبر قوة سياسية داخل البرلمان، فيما شهدت بقية الخارطة البرلمانية
تحولات لافتة، أبرزها الصعود الكبير الذي حققته جبهة المستقبل.
جبهة المستقبل تحقق أكبر مكاسب الانتخابات
وسجلت "جبهة المستقبل"، برئاسة
فاتح بوطبيق، أبرز تقدم في الانتخابات بحصولها على 59 مقعدا، لتصبح ثالث أكبر كتلة
برلمانية، متجاوزة حركة مجتمع السلم، وحركة البناء الوطني، وكتلة الأحرار.
وتقدمت الحركة بذلك على "حركة مجتمع
السلم" التي حصلت على 43 مقعدا، وحركة البناء الوطني التي فازت بـ 38 مقعدا،
في حين تراجعت كتلة الأحرار إلى 32 مقعدا، بعدما كانت تمثل ثاني أكبر قوة داخل
البرلمان المنتهية عهدته بـ84 مقعدا.
ويعكس هذا التحول إعادة توزيع نسبي لموازين
القوى داخل المؤسسة التشريعية، مع بروز أحزاب جديدة كلاعبين أكثر تأثيرا في رسم
التوازنات البرلمانية.
معارضة أكثر تنوعا
وأظهرت النتائج عودة عدد من الأحزاب
المعارضة إلى المجلس الشعبي الوطني، في تطور يمنح المعارضة حضورا أكثر تنوعا
مقارنة بالعهدة السابقة.
وحصلت جبهة القوى الاشتراكية على 12 مقعدا،
فيما نال التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أربعة مقاعد، وحزب العمال ثلاثة
مقاعد، وجيل جديد ثلاثة مقاعد، إلى جانب حضور تشكيلات سياسية أخرى خارج دائرة
أحزاب الأغلبية التقليدية.
وقد يضفي هذا التنوع قدرا أكبر من الحيوية
على النقاشات التشريعية والرقابية داخل البرلمان، رغم استمرار هيمنة أحزاب
الموالاة على أغلبية المقاعد.
سبع كتل برلمانية مؤهلة
وبحسب المادة (65) من النظام الداخلي للمجلس
الشعبي الوطني، التي تشترط حيازة 15 مقعدا على الأقل لتشكيل كتلة برلمانية، تمكنت
سبعة تشكيلات سياسية من استيفاء هذا الشرط.
وتضم هذه الأحزاب: جبهة التحرير الوطني،
والتجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة المستقبل، وحركة مجتمع السلم، وحركة البناء
الوطني، وكتلة الأحرار، إضافة إلى حزب صوت الشعب.
ومن المنتظر أن تشكل هذه الكتل العمود
الفقري للعمل البرلماني خلال العهدة الجديدة، سواء في تشكيل اللجان الدائمة أو
إدارة النقاشات المتعلقة بمشاريع القوانين والرقابة على عمل الحكومة.
تراجع تمثيل النساء
وسجلت النتائج تراجعا لافتا في حضور المرأة
داخل البرلمان، بعدما فازت النساء بـ 32 مقعدا فقط من أصل 407 مقاعد، وهو أدنى
مستوى للتمثيل النسوي منذ سنوات.
ويعيد هذا التراجع إلى الواجهة النقاش حول
فعالية الآليات القانونية والسياسية التي اعتمدتها الجزائر خلال السنوات الماضية
لتعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية، في ظل انخفاض عدد النائبات رغم الدعوات
الرسمية إلى توسيع حضور النساء في المؤسسات المنتخبة.
ارتفاع المستوى العلمي للنواب
وفي المقابل، كشفت النتائج عن ارتفاع ملحوظ
في المستوى العلمي لأعضاء المجلس الجديد، إذ بلغ عدد النواب الحاصلين على شهادات
جامعية 312 نائبا من أصل 407، بما يمثل أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان.
ويعكس هذا المؤشر تغيرا في الخصائص
الاجتماعية للنخبة البرلمانية الجديدة، مع تزايد حضور أصحاب المؤهلات الأكاديمية،
وهو ما قد ينعكس على طبيعة النقاشات التشريعية ومستوى معالجة الملفات الاقتصادية
والاجتماعية والقانونية داخل المجلس.
مرحلة برلمانية جديدة
وتشير النتائج الأولية إلى أن البرلمان
الجزائري مقبل على مرحلة تتسم بإعادة ترتيب موازين القوى بين الأحزاب، مع استمرار
هيمنة جبهة التحرير الوطني وحلفائها، مقابل بروز قوى سياسية جديدة وتوسع نسبي
لتمثيل المعارضة.
ورغم أن الخارطة الجديدة لا تنذر بتغيير
جذري في طبيعة الأغلبية البرلمانية، فإنها تعكس تحولات في المزاج الانتخابي وفي
توزيع الثقل السياسي بين الأحزاب، بما قد ينعكس على أداء المجلس الشعبي الوطني
خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها
الجزائر.
مشاركة ضعيفة.. وأسئلة حول شرعية التمثيل
ورغم التغييرات التي أفرزتها النتائج، فإن
الانتخابات جرت في ظل نسبة مشاركة بحدود 20 بالمئة، وهي من بين أضعف نسب الإقبال
في تاريخ الانتخابات التشريعية بالجزائر، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش بشأن
مستوى الثقة الشعبية في المؤسسات المنتخبة وقدرتها على استعادة المشاركة السياسية.
ورأت السلطة أن الانتخابات جرت في ظروف
عادية ووفق المسار الديمقراطي المعتمد، فيما اعتبرت أطراف سياسية معارضة أن اتساع
دائرة المقاطعة يعكس استمرار حالة العزوف الشعبي عن العملية الانتخابية، ويطرح
تساؤلات حول مدى تمثيل البرلمان الجديد لمختلف مكونات المجتمع.
وزاد من حدة الجدل أن العملية الانتخابية
سبقتها قرارات بإلغاء واستبعاد مئات قوائم المترشحين لأسباب قانونية وإدارية، من
بينها ملفات تتعلق بشروط الترشح أو جمع التوقيعات أو مخالفات في تشكيل القوائم،
وهو ما دفع أحزابًا وشخصيات معارضة إلى اتهام السلطات بتضييق هامش المنافسة،
والحديث عن برلمان "مفصل على المقاس". في المقابل، أكدت السلطة الوطنية
المستقلة للانتخابات أن جميع قرارات الإقصاء استندت إلى أحكام القانون، وأن باب
الطعون ظل مفتوحًا أمام المعنيين.
هل يمهد البرلمان لتعديل الدستور؟
ولا يقتصر الاهتمام بتركيبة البرلمان الجديد
على توزيع المقاعد بين الأحزاب، بل يمتد إلى دوره المحتمل في الاستحقاقات السياسية
المقبلة، وعلى رأسها إمكانية إدخال تعديلات دستورية خلال السنوات القادمة.
ويثير بعض المراقبين تساؤلات حول ما إذا
كانت الأغلبية التي أفرزتها الانتخابات قد تشكل أرضية سياسية لتمرير تعديلات
دستورية، من بينها إعادة النظر في المادة المتعلقة بعدد الولايات الرئاسية، بما قد
يتيح للرئيس عبد المجيد تبون الترشح لولاية جديدة بعد عام 2029.
ولا توجد حتى الآن أي مبادرة رسمية أو مشروع
معلن لتعديل الدستور في هذا الاتجاه، كما لم تصدر عن الرئاسة أو أحزاب الأغلبية
تصريحات تؤكد وجود مثل هذا التوجه. غير أن هذا الاحتمال يظل حاضرًا في النقاشات
السياسية، خاصة أن الدستور الجزائري عرف خلال العقود الماضية تعديلات متكررة مست
مسائل تتعلق بتنظيم السلطات وشروط الترشح للرئاسة وعدد الولايات الرئاسية.
وستظل قدرة البرلمان الجديد على إقرار أي
تعديل دستوري مرتبطة بطبيعة التوافقات السياسية خلال السنوات المقبلة، وبالخيارات
التي ستتبناها السلطة التنفيذية مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي المنتظر في عام 2029.
اظهار أخبار متعلقة