دعت منظمة شعاع لحقوق الإنسان إلى تعزيز
استقلالية المؤسسة التشريعية في
الجزائر، معتبرة أن اليوم الدولي للعمل البرلماني
يشكل مناسبة لتقييم واقع البرلمان ومدى قدرته على الاضطلاع بوظائفه الدستورية في
التشريع والرقابة وحماية الحقوق والحريات، في ظل ما وصفته بتراجع دوره لصالح
السلطة التنفيذية، واستمرار الإشكالات المرتبطة بالحقوق السياسية والانتخابات.
وقالت المنظمة، في
بيان وصل إلى
"عربي21"، إن البرلمان "ليس مجرد غرفة للتصويت على مشاريع السلطة
التنفيذية، بل سلطة دستورية مستقلة وُجدت للتشريع والرقابة والمساءلة، وحماية
الحقوق والحريات، والدفاع عن الإرادة الشعبية"، معتبرة أن قوة المؤسسة
التشريعية تقاس بقدرتها على ممارسة هذه الوظائف باستقلالية وفاعلية.
وأضافت أن الواقع في الجزائر يكشف عن
"تآكل متزايد" لهذه الوظائف، مشيرة إلى أن المبادرات التشريعية الصادرة
عن البرلمان تكاد تكون منعدمة، مقابل استمرار السلطة التنفيذية في احتكار صناعة
القوانين، الأمر الذي يحول البرلمان، بحسب البيان، إلى فضاء للمصادقة على مشاريع
القوانين أكثر من كونه مؤسسة للنقاش والتعديل والرقابة، حتى في القضايا التي تمس
الحقوق والحريات الأساسية.
وفي الشق المتعلق بالحقوق السياسية، رأت
المنظمة أن مبدأ تكافؤ الفرص في المشاركة بالحياة السياسية لا يزال يواجه تحديات،
لافتة إلى استمرار إقصاء عدد من المواطنين من حقهم في الترشح استناداً إلى
"مبررات فضفاضة وتأويلات واسعة تفتقر إلى الوضوح واليقين القانوني".
وأشارت في هذا السياق إلى
الانتخابات
التشريعية المقرر تنظيمها في الثاني من تموز/ يوليو 2026، معتبرة أن استبعاد عدد
من المترشحين استناداً إلى المادة 200 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات
أثار إشكاليات قانونية، بسبب ما وصفته بالصياغة الواسعة للمادة، التي تسمح
بتفسيرات متباينة قد تؤدي إلى تقييد الحق في الترشح على أسس غير منضبطة، بما يمس،
وفق البيان، بمبدأ الأمن القانوني وتكافؤ الفرص والحق في المشاركة السياسية.
كما حذرت المنظمة مما وصفته بانعكاسات
ملاحقة البرلمانيين بسبب ممارستهم لوظيفتهم الرقابية، مشيرة إلى قضية السيناتور
عبد القادر جديع، التي اعتبرتها مؤشراً يثير القلق بشأن استقلالية العمل البرلماني.
وقالت إن "ممارسة الوظيفة النيابية في
الرقابة ومساءلة السلطة قد تتحول، في بعض الحالات، إلى مصدر للملاحقة بدل أن تكون
واجباً دستورياً"، معتبرة أن مثل هذه الممارسات من شأنها أن تفرغ الرقابة
البرلمانية من مضمونها، وتبعث برسالة سلبية إلى ممثلي الشعب بشأن ممارسة
اختصاصاتهم الدستورية.
وأكدت "شعاع" أن البرلمان الذي
"لا يشرّع باستقلال، ولا يراقب بفعالية، ولا يدافع عن الحقوق والحريات، يفقد
جوهر رسالته الدستورية، ويتحول إلى مؤسسة تمنح الشرعية الشكلية لقرارات تُصنع خارج
أسواره".
وشددت المنظمة على أن قوة البرلمان لا تقاس
بعدد القوانين التي يصادق عليها، وإنما بطريقة تشكيله، مؤكدة أنه "لا برلمان
قوي دون انتخابات حرة وديمقراطية وشفافة ونزيهة، تضمن تكافؤ الفرص، وتحمي حق جميع
المواطنين في الترشح والمشاركة السياسية دون إقصاء أو تمييز".
وختمت بيانها بالتأكيد أن هذه المبادئ تمثل
الأساس لبناء مؤسسة تشريعية مستقلة، قادرة على مساءلة السلطة التنفيذية، وحماية
الحقوق والحريات، وتجسيد الإرادة الشعبية، وصون سيادة الدستور.
اظهار أخبار متعلقة
انتخابات تشريعية في سياق سياسي محل نقاش
وتأتي الانتخابات التشريعية المقررة في
الجزائر يوم 2 تموز/ يوليو 2026 في ظل استمرار الجدل بشأن مسار الإصلاحات السياسية
التي أطلقتها السلطات عقب الحراك الشعبي عام 2019، ومدى انعكاسها على توسيع
المشاركة السياسية وتعزيز التعددية الحزبية واستقلالية المؤسسات المنتخبة.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة باعتبارها
أول استحقاق تشريعي بعد سنوات شهدت تعديلات دستورية وتشريعية مست المنظومة
الانتخابية، إلى جانب إعادة تشكيل المشهد الحزبي، في وقت تؤكد فيه السلطات أن
الإصلاحات القانونية هدفت إلى تعزيز نزاهة العملية الانتخابية وتكريس الشفافية،
بينما ترى أطراف سياسية ومنظمات حقوقية أن عدداً من الإشكالات المرتبطة بضمان
تكافؤ الفرص، وحرية العمل السياسي، واستقلالية المؤسسات، لا تزال مطروحة للنقاش.
كما تأتي الانتخابات في ظل استمرار مشاركة
أحزاب الموالاة والقوى السياسية التقليدية، مقابل استمرار مقاطعة أو ضعف حضور بعض
مكونات المعارضة التي تربط انخراطها في الاستحقاقات الانتخابية بتوفير ضمانات أوسع
للمنافسة السياسية، وفتح المجال العام، وتعزيز استقلالية القضاء والهيئات المشرفة
على الانتخابات.
ويرى مراقبون أن البرلمان الذي ستفرزه هذه
الانتخابات سيواجه تحديات تتجاوز الجانب التشريعي، إذ سيكون مطالباً باستعادة دوره
الدستوري في الرقابة على السلطة التنفيذية، وتعزيز المبادرة التشريعية، ومناقشة
القوانين ذات الصلة بالإصلاحات الاقتصادية والحقوق والحريات، بما يعزز الثقة في
المؤسسة البرلمانية ويكرس مبدأ الفصل بين السلطات.
وفي المقابل، يربط حقوقيون ومنظمات مجتمع
مدني نجاح الاستحقاق الانتخابي بمدى توفير بيئة سياسية وقانونية تكفل المساواة بين
جميع المترشحين، وتحمي الحق في المشاركة السياسية، وتضمن أن يعكس البرلمان المقبل
الإرادة الشعبية، بما يرسخ شرعيته الدستورية وقدرته على أداء وظائفه التشريعية
والرقابية بصورة مستقلة.
وتعد منظمة "شعاع" لحقوق الإنسان
منظمة حقوقية مستقلة تُعنى برصد أوضاع حقوق الإنسان في الجزائر، ومتابعة التشريعات
والسياسات العامة من منظور احترام المعايير الدستورية والالتزامات الدولية في مجال
الحقوق والحريات.
وتصدر المنظمة، ومقرها لندن، تقارير وبيانات
دورية تتناول قضايا الحريات العامة، واستقلال القضاء، والحقوق السياسية،
والانتخابات، وسيادة القانون، كما تشارك في النقاشات المتعلقة بالإصلاحات
التشريعية وتعزيز دولة القانون، مع التركيز على ترسيخ مبادئ الديمقراطية والفصل
بين السلطات وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين.
اظهار أخبار متعلقة