نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" تقريرا أعده أنطون تريانوفسكي وجينيفر ميدينا، قالا فيه إن نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي قدمت دليلا جديدا عن التراجع لدعم "
إسرائيل"، ففي حفلين منفصلين للاحتفال بفوز
الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب في مدينة نيويورك ليلة الثلاثاء، ردد الحشد الهتاف نفسه: "فلسطين حرة!".
وفي هارلم، احتفلت داريليزا أفيلا شوفالييه بفوزها على النائب أدريانو إسبايلات، المؤيد الثابت لـ"إسرائيل" طوال عقده في الكونغرس، وفي شرق ويليامزبرغ، خاطبت كلير فالديز أنصارها بعد فوزها على أنطونيو رينوسو، رئيس بلدية بروكلين، ووعدت قائلة: "سنقف في وجه الإبادة الجماعية".
وتقول "نيويورك تايمز" إن نتائج الانتخابات في نيويورك هي أحدث دليل على تحول الرأي العام ضد "إسرائيل"، وهو تحول يقوض بسرعة أسس الدعم الأمريكي للدولة اليهودية. وفي سباق ثالث يوم الثلاثاء، هزم براد لاندر، المراقب المالي السابق لمدينة نيويورك، النائب الحالي دان غولدمان، بعد أن بنى حملته الانتخابية على معارضة غولدمان لعدم انتقاده إسرائيل بشكل كاف.
وتبرز النتائج الإنقسامات العميقة في الدعم لـ"إسرائيل" داخل
الولايات المتحدة، وهو اتجاه له بالفعل تداعيات سياسية بالغة الأهمية على الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. وإذا استمر تراجع الدعم، فقد يعيد تشكيل أحد أقوى تحالفات البلاد، وهو تحالف لا يزال مدعوما بعلاقات تمتد لأجيال، ونفوذ مؤيدي إسرائيل المتبقين، وتعقيد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
اظهار أخبار متعلقة
وتظهر استطلاعات الرأي أن العداء لإسرائيل يتزايد بين الحزبين، لا سيما بين الشباب، وهو توجه ينعكس في السياسة، يمينا ويسارا. وبينما كان الديمقراطيون التقدميون من بين أكثر الأصوات انتقادا، فقد وجه نائب الرئيس جيه دي فانس توبيخا لافتا من على منصة الإحاطة الإعلامية بالبيت الأبيض الأسبوع الماضي. وحذر فانس قائلا إن دونالد ترامب: "هو رئيس الدولة الوحيد في العالم بأسره الذي يبدي تعاطفا مع دولة إسرائيل في هذه اللحظة". وذكر فانس الإسرائيليين بأن ثلثي الأسلحة التي "حمت وطنكم" أمريكية الصنع وممولة من دافعي الضرائب الأمريكيين، مما يثير احتمال أن تربط إدارة ترامب المساعدات في المستقبل بأفعال إسرائيلية.
وحتى الآن، لم يلمح ترامب إلى إمكانية اتخاذه مثل هذه الخطوة، رغم أنه أغضب شخصيات مؤيدة لإسرائيل في قاعدته الشعبية بمحاولته كبح جماح الحرب الإسرائيلية في لبنان. لكن خطاب السيد فانس كان الأكثر حدة، إلى جانب الموقف المعادي لإسرائيل الذي تتبناه شخصيات يمينية من حركة "أمريكا أولا" مثل تاكر كارلسون، قد أكد أن البلاد لم تعد قادرة على الاعتماد على الحزب الجمهوري كمعقل دعم موحد. ثم هناك الديمقراطيون، الذين بدأ ناخبوهم ينقلبون على إسرائيل بأعداد كبيرة خلال حرب غزة، وهم الآن أكثر ميلا بأربع مرات للتعاطف مع الفلسطينيين مقارنةً بإسرائيل، وفقا لاستطلاع رأي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز/سيينا" في أيار/مايو.
وقال دانيال بيس، عمدة ضاحية إيفانستون في شيكاغو، والذي عارضته جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل "أيباك" في حملته الانتخابية للكونغرس: "المطلب الحقيقي هو المحاسبة". وأضاف: "إن تقديم مساعدات عسكرية غير مشروطة سياسة غريبة من أي دولة تجاه دولة أخرى". وفي بيان مكتوب، وصف متحدث باسم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها "شراكة ذات منفعة متبادلة تمنح أمريكا ميزة استراتيجية لا تقدر بثمن".
وقال باتريك دورتون، المتحدث باسم مشروع الديمقراطية المتحدة، وهو لجنة العمل السياسي التابعة لأيباك، والتي أنفقت ملايين الدولارات في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي هذا العام: "على الرغم من وجود بيئة سياسية وسياساتية أكثر تعقيدًا، فإننا على ثقة من وجود دعم قوي من الحزبين بشأن القضايا السياسية التي تهمنا أكثر من غيرها". وأضاف أن الفائزين في انتخابات الثلاثاء كانوا جزءا من "اتجاه جديد ومثير للقلق" يتمثل في "صعود اليساريين المعادين لإسرائيل".
ومع ذلك، فقد فاز ديمقراطيون من أشد المؤيدين لإسرائيل في الانتخابات التمهيدية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك ولايتي يوتا وماريلاند هذا الأسبوع.
وتقول الصحيفة إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، راهن خلال السنوات السابقة وبشكل كبير على الجمهوريين، بتقاليدهم المتشددة في السياسة الخارجية وقاعدتهم المؤيدة لإسرائيل من الناخبين الإنجيليين باعتبارهم ركيزة أساسية له في الولايات المتحدة. ويقول المحللون إنه سيتطلع إلى دعم ترامب مع اقتراب الانتخابات هذا الخريف.
لكن نتنياهو استفاد أيضا من دعم جزء كبير من المؤسسة الديمقراطية، كما كان الحال عندما لم يبذل الرئيس جوزيف بايدن جهودا كافية للرد على سلوك إسرائيل في حرب غزة، مقارنةً بما كان يطالب به الناخبون التقدميون.
والآن، يتلاشى هذا الدعم من الحزبين بسرعة. فعلى سبيل المثال، أيد نحو ثلاثة أرباع أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين في نيسان/أبريل الماضي إجراء لإلغاء مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، مقارنةً بنحو نصف الكتلة التي صوتت لصالح قرار مماثل العام الماضي. وقد فشل الإجراء وسط معارضة الجمهوريين، لكنه كان أحدث مؤشر على تراجع الدعم الديمقراطي، كما ويذكر أن العديد من الديمقراطيين الذين انتقدوا إسرائيل بشدة في سباقاتهم الانتخابية التمهيدية التنافسية هم أيضا يهود ولهم صلات بإسرائيل. ففي الوقت الذي أكدوا فيه دعمهم الثابت للدولة اليهودية، لكنهم أدانوا الحكومة الحالية، كما يدعمون حقوق الفلسطينيين. وإذا فاز حزبهم بأغلبية مجلس النواب، فمن المرجح أن يتبوؤوا مناصب بارزة في الأغلبية للمساهمة في صياغة تغييرات في السياسة الخارجية.
وقال سكوت واينر عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا والمرشح لخلافة النائبة نانسي بيلوسي في دائرتها الانتخابية في سان فرانسيسكو: "أعتقد أن عهد المساعدات غير المشروطة قد ولى". وقد تعرض واينر، أحد مؤسسي التجمع اليهودي في المجلس التشريعي لولاية كاليفورنيا، لانتقادات حادة هذا العام بعد تصريحه بأنه يعتقد أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وأضاف واينر: "سنشهد المزيد من الأصوات اليهودية التقدمية في الكونغرس التي لن تتسامح مع سلوك نتنياهو". وعلق فيليب إتش. غوردون، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس كامالا هاريس، إن الرأي العام بشأن إسرائيل قد تغير بشكل "لم يكن أحد ليتخيله قبل سنوات، بل حتى قبل أشهر أو سنوات". لكن الحكومة الإسرائيلية لطالما افترضت أن الدعم الأمريكي مضمون. وقال: "ربما فات الأوان، لقد اعتبروا ذلك أمرا مفروغا منه لفترة طويلة".
اظهار أخبار متعلقة
وتوقع غوردون أن تكون حزمة المساعدات العسكرية التي تبلغ قيمتها 38 مليار دولار، والتي وقعتها إدارة أوباما على مدى عشر سنوات، والمقرر انتهاء صلاحيتها في عام 2028، هي الأخيرة من نوعها. وقال: "قبل عامين، كان هذا الأمر بديهيا، أما الآن، فأعتقد أنه من المرجح جدا ألا يتم تجديده على الإطلاق". لكن قطع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ليس أمرا حتميا بأي حال من الأحوال.
يأتي رد الفعل السياسي ضد إسرائيل في وقت تبدو فيه الروابط بين المؤسستين الدفاعية والأمنية للبلدين، وفقا لبعض المقاييس، أقوى من أي وقت مضى. ففي قصفهما لإيران في آذار/مارس ونيسان/أبريل، أظهر الجيشان الأمريكي والإسرائيلي مستوىً غير مسبوق من التكامل. ومع تقدم التكنولوجيا الدفاعية والسيبرانية الإسرائيلية، يرى مؤيدو هذه العلاقة أنه لن يكون أمام الولايات المتحدة خيار سوى مواصلة السعي إلى توثيق العلاقات.
ونقلت الصحيفة عن، الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي، جوش غوتهايمر وهو من أشد المؤيدين للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية: "لقد كانت إسرائيل عنصرا أساسيا في حربنا ضد الإرهاب والديمقراطية في المنطقة، حيث دافعت عن مصالحنا فيها"، متوقعا: "حربا طاحنة داخل الحزب الديمقراطي" بسبب السياسة من إسرائيل. وقال إن الديمقراطيين الذين بنوا حملاتهم الانتخابية على انتقاد إسرائيل "سيحدثون انقسامًا كبيرا في الحزب، وسيظهر ذلك جليا للبلاد".
وتقول الصحيفة أن تصرفات إسرائيل تترك تداعيات على موقف الولايات، وبخاصة استمرار الحرب على لبنان التي برزت كعقبة أمام جهود ترامب للتفاوض على اتفاق سلام مع إيران. وحذر ستيفن ويرثيم، مؤرخ السياسة الخارجية الأمريكية في وقفية كارنيغي للسلام الدولي، من أن عواقب أي تحول كبير في هذه السياسة لا تزال صعبة التنبؤ نظرًا لعمق العلاقات مع إسرائيل وقال: "قد نصل إلى نقطة تحول تتغير فيها العلاقة فجأة وبشكل جذري". "قد نقلل حينها من شأن سرعة وعمق التغيير في السياسة الأمريكية الذي قد ينتج عن ذلك".