نشرت مجلة "
ذي نيويوركر" مقالاً للصحافية روبن رايت، قالت فيه إن الرئيس دونالد ترامب يقول إن اتفاقاً لإنهاء
الحرب مع
إيران بات وشيكاً. لكن في القضايا الرئيسية، يعود الوضع إلى نقطة الصفر، أو ربما أسوأ.
وكان ترامب، رجل الأعمال، قد غرّد في أيلول/ سبتمبر 2015، قائلاً إن أول اتفاق نووي مع إيران، الذي توسطت فيه القوى الست الكبرى في ذلك الصيف، "سيُسجّل كواحد من أكثر الاتفاقات فشلاً على الإطلاق.
لقد خسرت الولايات المتحدة في كل نقطة تقريباً". وأضاف: "لم نعد ننتصر!". كان ترامب، الذي يفتقر إلى الخبرة في السياسة الخارجية، قد أعلن مؤخراً ترشحه للرئاسة. ويبدو من المشكوك فيه أنه قرأ الصفحات المئة والتسعاً والخمسين من ذلك الاتفاق الأول، أو ملاحقه الفنية الخمسة المفصلة.
وقالت رايت إنه من الصعب ألا نتذكر تغريدة ترامب وهو يخوض غمار اتفاقه الخاص، لإنهاء حرب غير مدروسة، وغير مُجهّزة، وفي توقيت سيئ مع إيران.
اظهار أخبار متعلقة
خلال إدارة أوباما، لم تكن الولايات المتحدة مضطرة لشنّ حرب عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية لتحقيق مكاسب كبيرة في برنامجها النووي، رغم أن الدبلوماسية استغرقت عامين من المفاوضات الشاقة في بعض الأحيان.
وقد كلّفت حرب ترامب حتى الآن ما لا يقل عن 28 مليار دولار، و13 أمريكيّاً وآلاف الأرواح من الإيرانيين، وإغلاقاً مدمراً لمضيق هرمز، وانقطاعاً في إمدادات الطاقة العالمية، وأزمة اقتصادية أثرت على مئات الملايين من الناس حول العالم.
وربما ضرراً بالغاً بسمعة الولايات المتحدة. وقد لا يحصل ترامب على أكثر بكثير مما تم الاتفاق عليه في الاتفاق الأول، الذي انسحب منه من جانب واحد عام 2018، واصفاً إياه بـ"المروع".
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعلنت الولايات المتحدة وإيران أنهما في المراحل النهائية من التفاوض على "مذكرة تفاهم" - وهي الخطوة الأولى نحو إنهاء الصراع في نهاية المطاف. ومن المتوقع أن يتضمن الإطار العام القليل من التفاصيل حول كيفية حلّ القضايا الأكثر تعقيداً.
وتتبنى إيران استراتيجية طويلة الأمد، رغم تكبدها خسائر فادحة تشمل اغتيال مرشدها الأعلى وعدداً من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، فضلاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت ببنيتها التحتية.
أما ترامب، فيتبنى استراتيجية قصيرة الأمد، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وتزايد السخط الشعبي على الحرب. بالنسبة له، تتحول عملية "
الغضب الملحمي" إلى كارثة ملحمية.
تشير التقارير إلى أن الشروط تتضمن تمديداً لوقف إطلاق النار الحالي لمدة تتراوح بين ثلاثين وستين يوماً، ورفع الحصار المتبادل عن مضيق هرمز. وقد حوصرت نحو ألفي سفينة، تحمل أصولاً بمليارات الدولارات ونحو عشرين ألف بحار، في الخليج العربي لأشهر.
وسيُستأنف عبور خُمس نفط وغاز العالم. كما ستتعهد إيران بفرض قيود مستقبلية على برنامجها النووي المثير للجدل. وستتعهد الولايات المتحدة برفع بعض العقوبات وفك تجميد بعض الأصول الإيرانية.
لكن حتى تسلسل الخطوات كان إشكالياً: أي دولة ستتحرك أولاً، وبأي وتيرة، وبأي مقابل، ومتى؟ تعهد البيت الأبيض بمبدأ "لا غبار، لا دولارات"، ما يعني أن على إيران تسليم ما يقارب ألف رطل من اليورانيوم المخصب قبل رفع العقوبات عنها.
كانت التنازلات النووية متاحة في شباط/ فبراير، قبل اندلاع الحرب، حين كانت الولايات المتحدة وإيران في خضم مفاوضات. عشية اجتماع مُقرر في جنيف، تخلت الولايات المتحدة عن الدبلوماسية وانضمت إلى إسرائيل في شن حرب شاملة.
وقال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: "المفارقة الكبرى هي أننا خضنا هذا الصراع المكلف للغاية لننتهي في وضع نحصل فيه على وثيقة من صفحة واحدة تفتقر إلى أي تفاصيل فنية. الكثير من النقاط لا معنى لها على الإطلاق".
وأضاف: "لطالما دافعتُ عن مبدأ عدم الاعتداء. لكن إن لم يكن بالإمكان التحقق منه أو تنفيذه، فلن يكون له أي معنى حقيقي. الكثير من هذا مجرد كلام سطحي، ومن المؤسف حقاً أننا تكبدنا كل هذا العناء للوصول إلى هذه المرحلة".
قارن واعظ المذكرة مع إيران بالاتفاق الذي توسط فيه ترامب لإنهاء الحرب في غزة بين إسرائيل وحماس. دخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر، لكنه لم يتجاوز المرحلة الأولى.
تواصل دولة الاحتلال قصف غزة، ولا تزال حماس، التي ترفض نزع سلاحها، تسيطر على نحو أربعين بالمئة من القطاع. لترامب تاريخ في التباهي بإنجازاته الدبلوماسية، مدعياً أنها تستحق جائزة نوبل للسلام، ثم يفقد الاهتمام، أو يفوض المهام، أو يتنصل من المسؤولية بدلاً من تولي زمام الأمور في التفاصيل الصعبة.
يعود هذا النمط إلى ولاية ترامب الأولى. ففي عام 2018، عقد قمة في سنغافورة مع كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية. وبعدها، أشاد الرئيس بنهاية التهديد الكوري الشمالي و"علاقته الخاصة جداً" مع أكثر زعماء آسيا استبداداً.
وتعهد كيم بـ"التزام راسخ بنزع السلاح النووي الكامل" وإعادة رفات نحو خمسة آلاف أمريكي مفقود قضوا في الحرب الكورية. إلا أن القمة أسفرت عن وثيقة من أربعمئة كلمة لم تُفضِ إلى أي نتيجة.
وفي محاولة لإحياء الدبلوماسية، أصبح ترامب في يونيو 2019 أول رئيس أمريكي في منصبه يزور كوريا الشمالية، حيث عبر الحدود مع كوريا الجنوبية في خطوة دراماتيكية لمصافحة كيم. لكن هذه المبادرة انهارت أيضاً.
ومنذ ذلك الحين، تشير التقديرات إلى أن بيونغ يانغ أنتجت عشرين رأساً نووياً إضافياً. ولم تُعد سوى خمسة وخمسين صندوقاً من الرفات البشرية. واليوم، بات التهديد الكوري الشمالي أكبر بكثير عسكرياً من التهديد الإيراني في بعض النواحي.
وقالت باربرا ليف، السفيرة الأمريكية السابقة ومساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، يوم الاثنين، إن الاتفاقات المبرمة مع إيران حتى الآن لم تعالج العديد من المبررات الأصلية التي ساقها ترامب لشن الحرب.
فلا توجد أي إشارة إلى ترسانات إيران الضخمة من المسيّرات والصواريخ الباليستية. (وقد أعادت طهران بناء مواقع إنتاج الصواريخ خلال فترة وقف إطلاق النار). وتُعد هذه الأسلحة تهديداً أكثر إلحاحاً للمنطقة من السلاح النووي، كما يتضح من آلاف الضربات التي شنتها إيران على دول الخليج.
وتشير التقارير إلى أن إيران لا تزال تمتلك 70 بالمئة من مخزونها الصاروخي الذي كان لديها قبل الحرب.
وأشارت ليف أيضاً إلى عدم وجود أي ذكر لقطع إيران دعمها لوكلائها الإقليميين. وبدلاً من ذلك، اشترطت إيران أن يتضمن أي اتفاق إنهاءً موازياً للحرب الإسرائيلية مع حزب الله.
وقد أعلنت إسرائيل نيتها احتلال 10 بالمئة من الأراضي اللبنانية، وتعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمواصلة العمليات العسكرية حتى يصبح حزب الله غير قادر على تشكيل أي تهديد - وهو نفس التعهد الذي قطعه بشأن حماس في غزة.
في منتصف شباط/ فبراير، قبل أسبوعين من الحرب، صرّح ترامب للصحفيين بأن تغيير النظام في إيران "سيكون أفضل ما يمكن أن يحدث". لكن هذا التصور أصبح الآن موضع شك.
وفي مارس، ادعى ترامب أن "نظاماً قد دُمّر تماماً. لقد ماتوا جميعاً. والنظام التالي قد مات معظمه. أما النظام الثالث، فنحن نتعامل مع أناس مختلفين تماماً عن أي نظام تعاملنا معه من قبل. إنها مجموعة مختلفة تماماً من الناس. لذلك أعتبر ذلك تغييراً للنظام".
ومع ذلك، فإن الحكومة الحالية في طهران أكثر تشدداً من سابقتها، حيث يتمتع الحرس الثوري الإسلامي بنفوذ كبير، بما في ذلك في المفاوضات، بحسب ليف.
ويسيطر الحرس الثوري على البرنامج النووي. المبعوث الرئيسي في المفاوضات هو محمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري، والذي يشغل الآن منصب رئيس البرلمان. وقالت إن ترامب قلل من شأن "صمود النظام". وأضافت أن الحرب لم تزد النظام إلا "تماسكاً".
بعد أن نجت إيران من غارات جوية أمريكية وإسرائيلية قاسية، باتت أكثر ثقة في قدرة الجمهورية الإسلامية على البقاء، وإن كان ذلك بثمن باهظ.
وكتب داني سيترينوفيتش، المتخصص السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لشؤون إيران، في منصة إكس: "من المفارقات أن إحدى أخطر عواقب هذه الحملة قد تكون تآكل الردع تجاه إيران، وتحديداً فقدان السيف الضمني المُسلط على طهران وهي تدرس إمكانية امتلاك أسلحة نووية".
وأضاف أن أحد العوامل الرئيسية التي منعت النظام من السعي علناً لامتلاك سلاح نووي هو "الخوف من أن يؤدي ذلك إلى شن حملة عسكرية واسعة النطاق لا تهدف فقط إلى إضعاف قدرات إيران، بل إلى تهديد النظام نفسه".
من وجهة نظر طهران، فقد خاضت إيران مواجهة مماثلة ونجت منها. والآن، باتت الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان حدود قدراتهما العسكرية في التعامل مع طهران.
في مضيق هرمز، أظهرت إيران جرأة غير مسبوقة، وحققت نفوذاً غير مسبوق. بات قادة البلاد يدركون الآن قدرتهم على إغلاق المضيق مراراً وتكراراً، بتكلفة باهظة للولايات المتحدة. بل إن طهران اقترحت فرض رسوم على السفن لعبور هذا الممر المائي الضيق، الذي كان متاحاً للملاحة بحرية في السابق.
يوم الاثنين، صرّح متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بأن مباحثات جارية مع سلطنة عُمان بشأن بروتوكول جديد لتقديم "خدمات" تتعلق "بحماية البيئة" في مياه هرمز. وأضاف: "كل هذه الإجراءات تستلزم نفقات معينة".
خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفي خطوة مُحيرة، وسّع ترامب فجأة أهداف الولايات المتحدة في مكالمة هاتفية مع ثمانية من قادة الشرق الأوسط، داعياً إياهم إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل جهوده لإنهاء حرب هو من أشعلها.
وكتب في منشور على منصة "تروث سوشيال": "بعد كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لمحاولة حلّ هذه المعضلة المعقدة، يجب أن يكون من الإلزامي أن تُوقّع جميع هذه الدول، كحد أدنى، وبشكل متزامن على اتفاقيات إبراهيم".
وتابع: "ستكون وثيقة تحظى باحترام لا مثيل له في العالم. وستكون أهميتها ومكانتها لا تُضاهى!". تهدف اتفاقيات إبراهيم، التي وُضعت خلال ولاية ترامب الأولى، إلى حثّ الدول العربية على الاعتراف بإسرائيل.
وقد رفضت العديد من الدول الفكرة حتى قيام دولة فلسطينية. وأشارت ليف إلى أن اقتراح ترامب، خلال المكالمة، قوبل بـ"صمت مطبق... لا أحد يُبدي استعداده".
لا أحد يُوافق. سخر دانيال شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، من ترامب. وكتب على منصة إكس: "هناك مفهوم في الدبلوماسية: عندما تكون المشكلة معقدة للغاية، يُنصح بتوسيع نطاق الحلول.
إشراك المزيد من الأطراف المعنية، وحل مشكلة واحدة بدمجها مع مشاكل أخرى. هذا هو التفسير المتفائل لهذا المنشور. أما التفسير الواقعي فهو أن هذا الحل وهمي كقمر مصنوع من الجبن الأخضر".
اظهار أخبار متعلقة
قال مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات وأحد أبرز المتشددين تجاه إيران، إن الولايات المتحدة وإسرائيل انتصرتا في الحرب. لكنه أقرّ على منصة إكس قائلاً: "إذا كانت الشروط المعلنة دقيقة، فإن النظام هو المنتصر الآن في وقف إطلاق النار".
تمديدٌ آخر لمدة 60 يوماً لن يؤدي إلا إلى تعميق تفوق طهران". وأضاف: "تخيلوا تحقيق كل هذا في ساحة المعركة ثم التخلي عنه على طاولة المفاوضات".
وحذر السيناتور روجر ويكر، الجمهوري عن ولاية ميسيسيبي وضابط سابق في سلاح الجو وعضو في لجنة القوات المسلحة، من أن الاتفاق "سيكون كارثة. كل ما تحقق من خلال عملية الغضب الملحمي سيذهب سدى".
الإدارة في موقف دفاعي. في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، شنت الولايات المتحدة غارة جوية على جنوب إيران، قرب مضيق هرمز، ما يعكس هشاشة وقف إطلاق النار، وضعف الجهود الدبلوماسية.
وفي بيان بمناسبة بدء موسم الحج السنوي يوم الثلاثاء، حذر مجتبى خامنئي من أن دول الشرق الأوسط "لن تكون بعد الآن دروعاً للقواعد الأمريكية".