كشف تقريرٌ تحليلي صادر عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية والأمنية "
RUSI"، عن الفجوة العميقة بين التفوق المعلوماتي والعناد السياسي في إدارة الرئيس ترمب، حيث تناول أمثلةً عن تقييمات تجاهلها البيت الأبيض بشأن تقديرات الحرب على
إيران وتداعياتها.
التقرير صادر عن واحد من أهم معاهد الأبحاث في العالم، والمتخصص في شؤون الدفاع والأمن الدولي، كتبه الباحثان دان لوماس وماثيو سافيل، أشارا فيه إلى التأثير الضئيل لمجتمع
الاستخبارات الأمريكي على عملية صنع القرار في البيت الأبيض.
تطرق الكاتبان إلى نجاح الوكالات الاستخباراتية لدى أمريكا و"تل أبيب" ونجاحهما في تحقيق هيمنة معلوماتية دقيقة على إيران استناداً إلى مصادر بشرية وفنية لسنوات، وتجسد ذلك في نجاح تحديد موقع المرشد الإيراني علي خامنئي وتصفيته مع نحو 40 مسؤولاً عسكرياً.
اظهار أخبار متعلقة
محققين عنصر المفاجأة التكتيكية وسط مفاوضات البرنامج النووي الإيراني، بالإضافة إلى دعم الهجمات اللاحقة وعملية إنقاذ أطقم الطائرات التي أُسقطت، فضلاً عن نجاح عمليات سابقة عام 2025 كـ"هجمات البيجر" واغتيال حسن نصر الله.
يشير التحليل إلى أن صنّاع السياسات يملكون تفضيلات خاصة لمصادر معلوماتهم، إذ لا تُعد الاستخبارات دائماً العامل المؤثر وراء السياسة الخارجية، ويبقى تأثيرها محدوداً، وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع الخصائص الفريدة المرتبطة بإدارة
ترامب.
قبل أسابيع قليلة من شن الضربات ضد إيران، قدّرت تقارير لوكالة الاستخبارات المركزية أن المرشد الأعلى علي خامنئي يمكن أن "يتم استبداله بشخصيات متشددة"، وتحديداً من الحرس الثوري الإيراني، وكان ذلك مجرد احتمال واحد، ويبدو أن الوكالة لم تشر إلى أي سيناريو بيقين.
كما اعتبر مسؤولو الاستخبارات الأمريكية الخطط (الإسرائيلية) للإطاحة بالنظام في طهران بأنها "منفصلة عن الواقع"، ووصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف خيارات تغيير النظام بأنها "مهزلة".
لفت الكاتبان إلى أن نجاح عملية اعتقال نيكولاس مادورو منح ترامب آمالاً كبيرة بشأن ما يمكن أن يحدث في إيران، وبينما اعتقدت الإدارة أن قطع الرأس سيؤدي -على الأرجح- إلى نصر سريع، كان مسؤولو الاستخبارات متشائمين.
توالت التقارير التي تؤكد بأن النظام في طهران ليس في "خطر"، بل ويحتفظ بالسيطرة على الجمهور الإيراني، ويشير بعض المحللين إلى أن النظام قد أصبح أكثر صلابة، أو على الأقل يظهرون حذراً مشروعاً بشأن الانهيار المبكر.
وتطرق الكاتبان إلى تصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحفيين بشأن استعداد إيران لإغلاق مضيق هرمز الحيوي، حيث عدّوه مثالاً آخر على أن الاستخبارات لا تملك سوى تأثيرٍ محدودٍ أو تتم تنحيتها جانباً.
ووفقاً لتقييمات أمريكية حديثة، يمكن لإيران نشر ما يصل إلى 70 بالمئة من منصات إطلاق الصواريخ المتنقلة التي كانت تمتلكها قبل الحرب، وأنها تعمل على استعادة الوصول إلى المواقع التي استُهدفت سابقاً في الضربات.
كما أشار إلى مزاعم ترامب بشأن تهديدات إيران ضد ما هو أكثر من مجرد أهداف أمريكية وإسرائيلية، حيث ادعى الرئيس أن مستوى هجمات الإيرانيين على دول الخليج وحجم ردة فعلهم كانا بمثابة مفاجآت، وهو ادعاء تم رفضه في تسريبات استخباراتية إضافية في غضون أيام.
وبحسب المستشارة السابقة لترامب والمحللة الأمريكية فيونا هيل، فإن ترامب استند في عملياته العسكرية إلى افتراضات خاطئة تسببت في عزل وإحباط مسؤولي الاستخبارات، لتفضيله اتباع حدسه الشخصي والاستناد إلى آراء دائرة ضيقة وعدم ثقته بغير الموالين له.
كما كشفت شهادة كبار أعضاء مجتمع الاستخبارات الأمريكي أمام الكونغرس في 18 آذار/مارس الماضي، حجم التحديات التي تتعرض لها التقييمات الاستخباراتية في ظل الإدارة الحالية، حيث سعوا إلى تجنب مناقضة الرئيس بشكل مباشر.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد الباحثان أن تجاهل تقييمات الاستخبارات تسبب في اتخاذ قرارات عسكرية خاطئة أثناء الحرب؛ مثل عدم نشر منظومات "ثاد" في الخليج، وعدم منح الأولوية لزوارق الحرس الثوري الصغيرة في المضيق، وعزل الحلفاء الأوروبيين ثم توبيخهم وتملقهم لاحقاً، وفقاً للكاتبين.
وكشفت تقييمات مسربة في حزيران/يونيو 2025 أن الضربات التي وُجهت لإيران حينها أخّرت برنامج إيران النووي شهوراً لا سنوات، فأُقيل مدير وكالة استخبارات الدفاع جيفري كروس لمناقضته الإدارة.
كما شككت التقارير في مبررات الحرب؛ فأكدت أن إيران لن تطور صاروخاً عابراً للقارات قبل 2035، وليست على وشك امتلاك قنبلة نووية، وهو ما تهرب منه المسؤولون علناً.
وختم كاتبا التحليل بالإشارة إلى أن الأحداث في الشرق الأوسط والتسريبات اليومية من مصادر أمريكية مطلعة، تكشف يوماً بعد آخر، أن المعلومات الاستخباراتية ذات تأثير محدود لأن التفوق المعلوماتي يتطلب حكمة في استغلاله، واستمرار هذا التهميش سيضر بالأمن القومي الأمريكي مستقبلاً.