الرواية الحكومية بشأن "مقبرة الصقلاوية" تثير الجدل في العراق ويفتح ملف "المغيبين"
لندن- عربي2119-May-2612:01 PM
حذّر مركز جنيف الدولي للعدالة من تحويل ملف مقبرة الصقلاوية إلى مادة للدعاية السياسية أو فرض روايات مسبقة - واع
شارك الخبر
رغم مرور نحو عقد من الزمان منذ العثور على مقبرة جماعية في محافظة الأنبار، والتي سارعت السلطات العراقية إلى نفي وجودها آنذاك، قبل أن تعود وتنسب الضحايا فيها إلى فترة النظام السابق خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما أعاد إحياء ملف المغيبين مجدداً.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء العراقية السبت، عن "مؤسسة الشهداء"، قولها: "باشرت الجهات المختصة فتح سبع مقابر جماعية في منطقة عكاز بناحية الصقلاوية جنوبي الفلوجة، وهي مواقع يُعتقد أنها تعود إلى فترة النظام السابق في ثمانينيات القرن الماضي".
لا علاقة لها بشهداء الصقلاوية.. "السابعة" تنشر تفاصيل 7 مقابر جماعية فتحت في الأنبار اليوم وحصيلة الرفات pic.twitter.com/PXFxHg5wRY
شككت منظمات إنسانية وناشطون حقوقيون في الرواية الحكومية الرسمية المتداولة بشأن عائدية المقبرة إلى حقبة الثمانينيات، وطالبوا بإجراء تحقيقات شفافة لكشف هوية الضحايا وإنصاف ذويهم بعيداً عن التسييس أو طمس الحقائق.
اظهار أخبار متعلقة
بدوره، حذر مركز جنيف الدولي للعدالة من تحويل الملف إلى مادة للدعاية السياسية أو فرض روايات مسبقة قبل استكمال الفحوص الجنائية وتحليل الحمض النووي، ودعا السلطات العراقية إلى فتح تحقيق مهني مستقل في المقابر الجماعية التي أُعلن عن اكتشافها بمحافظة الأنبار.
ملف المغيبين خاضع لمتابعة أممية
موقع "عربي21" أجرى لقاء خاصاً مع المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة السيد ناجي حرج، حيث أجاب عن سؤال بشأن ما إذا كانت هناك مساعٍ لتدويل الملف، قائلاً:
الملف أساساً مدوّل، حيث وضعت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري ملف المغيبين قسراً في العراق على جدول أعمالها منذ سنوات.
وأضاف "خلال زيارتها إلى العراق في تشرين الثاني 2022، التقت بممثلين عن الضحايا، وتسلّمت شهادات موثقة منهم، وقدّمت توصيات محدّدة طالبت خلالها السلطات العراقية بتنفيذها ضمن جدول زمني منظور، وما زالت اللجنة تتابع ذلك باستمرار".
وبشأن الدعوات التي تطالب بإشراك خبراء دوليين لتحديد زمن الوفاة وفق طرق حديثة معتمدة عالمياً، أجاب حرج قائلاً:
بالنسبة للطرق الحديثة لتحديد زمن الوفاة، فهي من صلب عمل الجهات الرسمية ولجان التحقيق الدولية، وهنالك معايير علمية وفنية محددة، يتوجب على السلطات العراقية اتباعها لتحديد هوية الضحايا من خلال فحص الحمض النووي، وكذلك تحديد ظروف القتل والدفن باتباع معايير معينة.
وبالتالي معرفة وقت ارتكاب الجريمة، إلا أن المشكلة في العراق هي تسرع "مؤسسة الشهداء" واستباقها الإجراءات عبر إطلاق تصريحات خاضعة لأجندة سياسية معروفة، خاصة وأنها استعانت بصحفيين ليتبنوا الترويج لروايتها ومحاولة تعميمها وكأنها "حقيقة".
منظمات تستنكر.. والحكومة تصر
أكد مركز جنيف الدولي للعدالة في بيان صدر الأحد، تلقيه نداءات صادرة عن منظمات حقوقية وجهات محلية وأهالي ضحايا، تتعلق بالمقابر التي تم العثور عليها مؤخراً، ووصف التصريحات الحكومية بالمتسرعة.
وأوضح بيان المركز الحقوقي أن كل رفات يتم العثور عليه يمثل إنساناً له اسم وعائلة وذاكرة، وأن أي مقبرة جماعية تُعد في نظر القانون الدولي مسرح جريمة يجب التعامل معه وفق إجراءات دقيقة تحافظ على الأدلة وتضمن عدم المساس بها.
وعقب إصدار عدة منظمات حقوقية بيانات إدانة، عادت "مؤسسة الشهداء"، الاثنين، وأكدت أن المقابر التي تم الكشف عنها في محافظة الأنبار تعود لحقبة تنظيم "داعش"، متهمةً من سمتهم "أذناب النظام المباد" بمحاولة "تزييف التاريخ" وتبرئة النظام البعثي السابق.
العثور على "دشاديش" لم تبلُ يلقي بظلال من الشك
والثلاثاء، أعرب سعد غازي، رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس محافظة الأنبار، عن شكوكه في بيان "مؤسسة الشهداء"، قائلاً: "حتى الآن ليس من الواضح تماماً إلى أي فترة زمنية تعود هذه المقابر".
وأشار غازي إلى أن المؤشرات الأولية لا تتطابق مع الرواية الرسمية للمؤسسة، وقال: "أثناء فتح المقابر، عُثِرَ على ملابس (دشاديش) ومقتنيات لا يمكن أن تكون من فترة الثمانينيات وتبقى على هذه الحالة حتى الآن".
واستند مدونون إلى التشكيك في الرواية الحكومية؛ فظهور أغلب جثث الضحايا وهي ترتدي "دشاديش" -ثوب رجالي- وقد عُصبت أعينهم بقطع قماش لم تهترئ أو تندثر كما هو مفترض طبيعياً مع مرور كل هذه الفترة، كما أن شكل المقبرة وطبيعة الرفات لا يوحيان بأنها تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود.
فضلتُ عدم التعليق على خبر اكتشاف مقبرة جماعية تتألف من عدة حُفر ضواحي الصقلاوية، شمال الفلوجة، لحين التأكد من المعلومات بشكل نهائي.
النتيجة:
المقبرة تعود لضحايا التغييب القسري على يد مليشيات الحشد الشعبي في يونيو/حزيران عام 2016.
حساب آخر على منصة "إكس" رصد أمراً غريباً، حيث قام صحفي وهو يسرد رواية كون المقبرة تعود للنظام السابق، عارضاً علبة كحول من نوع (Hollandia Pilsener) تابعة لشركة بافاريا، وادعى أن أحد "البعثيين" كان يشربها خلال عملية إعدام الضحايا، في حين أن هذا النوع من المشروبات دخل إلى العراق بعد 2003.
وهو ما أثار جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، فيما استعان كثيرون بـ "شات جي بي تي" للتعرف على نوع علبة الكحول وتاريخ إنتاجها، قبل أن يعود الصحفي نفسه لتأكيد روايته عبر الاستدلال بتصريح لمسؤول حكومي.
مركز جنيف الدولي للعدالة أشار إلى ما شهدته محافظة الأنبار بعد عام 2014 من سلسلة انتهاكات شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وعمليات قتل خارج إطار القانون، في سياق العمليات العسكرية والأمنية التي رافقت المواجهات مع الجماعات المسلحة.
ولفت إلى توثيق حالات إخفاء جماعي في مناطق مثل الصقلاوية خلال عام 2015، حيث تحدثت تقارير محلية ودولية عن فقدان مئات الأشخاص بعد احتجازهم في مواقع يُشتبه بأنها خاضعة لسيطرة فصائل مسلحة.
"أكبر بلد في العالم بالمفقودين"
تتهم منظمة "العفو الدولية" الحكومات العراقية المتعاقبة بتسويف ملف المخطوفين وعدم البت بشأن الكشف عن مصير مئات المخطوفين من منطقة الصقلاوية على يد ميليشيات الحشد، حيث تمتنع السلطات عن الإعلان عن نتائج التحقيق في الانتهاكات التي ارتكبت أثناء عملية استعادة الفلوجة.
وبحسب "اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، يوجد واحد من أكبر أعداد الأشخاص المفقودين في العالم في العراق، حيث تقول "اللجنة الدولية لشؤون المفقودين" إن العدد قد يتراوح بين 250 ألفاً ومليون شخص.
فيما أكدت "هيومن رايتس ووتش" توثيقها منذ عام 2016 عمليات الإخفاء القسري المستمرة على أيدي قوات الأمن العراقية، متهمة السلطات في بغداد وإقليم كردستان بعدم القيام بما يكفي لمعاقبة الضباط والعناصر المتورطين في حالات الإخفاء.
"تصريحات تفتقر إلى "المهنية والحيادية"
بدوره، أعرب المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب عن استغرابه من إطلاق "مؤسسة الشهداء" تصريحات بهذه الخطورة، دون انتظار نتائج التحقيقات للتأكد من هوية الضحايا وتاريخ الوفاة وتحليل الحمض النووي وغيرها من الإجراءات.
المقابر الجماعية في العراق أعلن مدير عام مؤسسة الشهداء يوم السبت ١٦ أيار وبمناسبة يوم المقابر الجماعية عن فتح مقابر جماعية في منطقة الصقلاوية. وقد صرح مدير عام مؤسسة الشهداء ان هذه المقابر تعود لضحايا النظام السابق، النظام قبل عام ٢٠٠٣ وكما قال في الثمانينات من القرن الماضي.
وأكد المركز أن تصريحات المدير العام لـ"مؤسسة الشهداء" تفتقر إلى المهنية والشفافية والحيادية، بل وتعمل على تأجيج المشاعر في اتجاه محدد، متناسية وجود المئات من ذوي المخفيين قسرياً الذين اختطفوا من منطقة الصقلاوية بعد أن اعتقلتهم مليشيا الحشد الشعبي في حزيران (يونيو) 2016.
دعوة لمطابقة عينات "DNA" مع عوائل المغيبين
مدير المرصد العراقي للحقوق والحريات "i.o.v" عادل الخزاعي قال إن أكثر من 40 مقبرة جماعية تقع في المنطقة الممتدة ضمن سهل عكاز شمال ناحية الصقلاوية، بين ناظم تقسيم الثرثار وجزيرة كصيبة، تضم رفات مدنيين من الصقلاوية والأنبار تمت تصفيتهم على يد "الحشد الشعبي" عام 2016.
مهم/ أكثر من 40 مقبرة جماعية تقع في المنطقة الممتدة ضمن سهل عكاز شمال ناحية الصقلاوية، بين ناظم تقسيم الثرثار وجزيرة كصيبة، تضم رفات مدنيين من الصقلاوية والأنبار تمّت تصفيتهم على يد مليشيات الحشد الشعبي، بحسب شهادات موثقة ومتقاطعة
— عادل الخزاعيAdil Alkuzay (@adl_alkhza) May 16, 2026
واتهم الجهاز الإعلامي للفصائل المسلحة بمحاولة تحريف الحقائق وإبعاد التهمة عن الجناة الحقيقيين، عبر الترويج لفيديو يدعي العثور على "أدلة" تعود لفترات ماضية، مؤكداً أن هذه المزاعم مطعون بها وتبدو محاولة متعمدة لتغيير مسار أي تحقيق حقيقي وطمس معالم الجريمة.
اظهار أخبار متعلقة
وطالب لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري بالتدخل العاجل، وأخذ عينات "DNA" من الجثث ومطابقتها مع عوائل المغيبين، ونشر صور الأقمار الصناعية الخاصة بالفترة التي تمت فيها عمليات التصفية، وإعلان الحقيقة كاملة أمام الرأي العام الدولي.
ورغم وعود الحكومات السابقة في بغداد بحسم ملف المغيبين قسرياً، والذين يتخطى عددهم 26 ألف شخص، بعدما اقتادتهم جهات مسلحة خلال سنوات الحرب على "داعش" من مناطق شمال وغربي العراق، إلا أنه لم يتحقق أي تقدم في هذا الملف.