في معركة الاستقلال (3): الاقتصاد أولا.. ومن يملك السوق يملك القرار

محمد زويل
- أ ف ب (أرشيفية)
- أ ف ب (أرشيفية)
شارك الخبر
في عالم اليوم لم تعد الحروب تُخاض فقط بالمدافع بل تُدار بالأسواق وتُحسم بالأرقام، ولذلك فإن أي حديث عن بناء قوة إقليمية مستقلة يتجاوز الاقتصاد هو "حديث ناقص" إن لم يكن مضللا، فالسيادة لم تعد تُقاس بما تملكه الدولة من شعارات بل بما تملكه من قدرة على الإنتاج، والتحمل. والصمود السؤال الحقيقي لم يعد هل لديك موقف سياسي مستقل؟ بل هل تستطيع أن تتحمل كلفة هذا الموقف؟

أولا: الاقتصاد ليس قطاعا.. بل هو ساحة الصراع الأساسية:

في الماضي، كان الاقتصاد يُنظر إليه كأداة دعم للسياسة أما اليوم، فقد انعكست المعادلة السياسة أصبحت امتدادا للاقتصاد، لا العكس. الدول الكبرى لا تفرض نفوذها فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر التحكم في سلاسل الإمداد، والهيمنة على التكنولوجيا، والسيطرة على النظام المالي العالمي. وهنا تتكشف الحقيقة الدولة التي لا تتحكم في اقتصادها لا تتحكم في قرارها.

ثانيا: ثلاث دوائر تحدد سيادة الدولة اقتصاديا:

1- دائرة الإنتاج: هل تملك ما يكفي لتبقى؟ الدول المستقلة نسبيا لا تعتمد على الخارج في أساسيات بقائها (الغذاء-الطاقة- الصناعات الحيوية)؛ ليس المطلوب الاكتفاء الكامل -وهو شبه مستحيل- بل تقليل "نقاط الاختناق"، وكلما زادت نقاط الاختناق زادت قابلية الدولة للضغط.

2- دائرة الاعتماد: أين تكمن هشاشتك؟ كل دولة تعتمد على الخارج بدرجة ما لكن السؤال الاستراتيجي هو: في ماذا؟ هل تعتمد على الخارج في التكنولوجيا؟ في التمويل؟ في العملة؟ في الأمن الغذائي؟ الدول التي تعتمد في القطاعات الحرجة تكون قراراتها دائما "محسوبة بالخوف".

3- دائرة النفوذ: هل تؤثر في غيرك؟ القوة الاقتصادية الحقيقية لا تعني فقط الاستقلال بل القدرة على التأثير فالدولة القوية اقتصاديا (تصدر منتجاتها- تستثمر في الخارج- تخلق اعتمادا متبادلا)، وهنا تتحول من "متلقي ضغط" إلى "صانع توازن".

ثالثا: كيف يُستخدم الاقتصاد كسلاح؟

في عالم ما بعد العولمة الكلاسيكية تحول الاقتصاد إلى أداة ضغط ناعمة.. لكنها حاسمة.

1- العقوبات الاقتصادية: تجميد أصول، منع تحويلات، إقصاء من النظام المالي.

2- سلاح العملة: الدولة التي لا تتحكم في عملتها تظل رهينة لتقلبات لا تملك قرارها.

3- التحكم في التكنولوجيا: منع الوصول إلى الشرائح الإلكترونية، البرمجيات، التقنيات المتقدمة.

وهنا لا تحتاج الدول الكبرى إلى حرب يكفيها "إغلاق زر".

رابعا: لماذا يُستهدف الاقتصاد أولا؟

لأن الاقتصاد هو نقطة الانهيار الأسرع، يمكن للدولة أن تتحمل ضغطا سياسيا أو حتى تهديدا عسكريا، لكنها لا تستطيع الصمود طويلا إذا انهارت عملتها وارتفعت أسعار الغذاء وتوقفت عجلة الإنتاج، ولهذا فإن أول خطوة في أي محاولة لإخضاع أية دولة هو إضعاف اقتصادها.

خامسا: الاستقلال الاقتصادي.. بين الوهم والواقعية

من الأخطاء الشائعة تصور أن الاستقلال يعني الاكتفاء الذاتي الكامل، وهذا غير واقعي في عالم مترابط؛ إذا ما هو البديل الاستراتيجي؟ هو "الاستقلال النسبي الذكي"، ويعني تنويع الشركاء، وتوزيع المخاطر، وبناء قدرات داخلية تدريجيا، وتجنب الاعتماد الحرج على طرف واحد، فالهدف ليس الانفصال عن العالم بل إدارة العلاقة معه بشروط أفضل.

سادسا: معادلة القوة الاقتصادية للدول الصاعدة:

أي دولة تسعى لبناء قوة إقليمية مستقلة تحتاج إلى معادلة واضحة:إنتاج + تنويع + صمود + نفوذ = استقلال نسبي قابل للحماية. ومعنى هذا أنه لا بد من أربعة أمور في غاية الأهمية إذا اختل عنصر واحد اختلت المعادلة كلها:

- إنتاج: تقليل الاعتماد.

- تنويع: تقليل المخاطر.

- صمود: تحمل الأزمات.

- نفوذ: التأثير في الآخرين.

سابعا: الخطأ القاتل.. النمو دون سيادة:

بعض الدول تحقق معدلات نمو مرتفعة لكنها تبقى غير قادرة على اتخاذ قرار مستقل؛ لماذا؟ لأن النمو كان إما معتمدا على الخارج أو هشا أمام الأزمات أو غير مرتبط بقاعدة إنتاج حقيقية. وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد ينمو واقتصاد يُمكّن فليس كل نمو يعني قوة.

ثامنا: الاقتصاد والسياسة.. من يقود من؟

الدول التي تفهم اللعبة تبدأ من الاقتصاد ثم تبني عليه سياستها، أما الدول التي تبدأ بالسياسة ثم تبحث عن اقتصاد يدعمها فتجد نفسها في مأزق دائم.

السيادة تُصنع في المصانع.. لا في المؤتمرات. القوة الإقليمية المستقلة لا تبدأ من وزارة الخارجية بل من المصانع والموانئ ومراكز البحث وسلاسل الإمداد، ومن لا يملك هذه الأدوات سيظل يفاوض من موقع ضعف.. مهما كان خطابه قويا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)