نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالًا لنيت سوانسون، الزميل البارز ومدير مشروع استراتيجية
إيران في المجلس الأطلنطي، قال فيه إن المواجهة مع إيران تحولت إلى صراع إرادات يقلل فيه الرئيس دونالد ترامب من عزيمة إيران وقدرتها على المواصلة والتحمل.
وأشار في البداية إلى أن فشل محادثات الأسبوع الماضي في إسلام آباد، يكشف عن الفجوة الكبيرة بين ما تريده كل من
الولايات المتحدة وإيران.
فالأولى تريد إعادة فتح مضيق هرمز وتقييد قدرات
طهران النووية ومنعها من تمويل جماعاتها الوكيلة بالمنطقة.
أما إيران فتريد الاستفادة ماليًا من المضيق وتخفيفًا كاملًا للعقوبات ووقف إطلاق النار في لبنان وتأكيدات قوية ودائمة بعدم مهاجمتها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. واتخذت المحادثات طابعًا ملحًا، لأن إيران اكتشفت ورقة رابحة جديدة، وهي قدرتها على إغلاق مضيق هرمز بشكل فعلي.
وفي الواقع، كان لهذا الإجراء أثر بالغ في تعزيز موقف إيران، لدرجة أن ترامب بدأ في 13 نيسان/أبريل حصارًا تعهد فيه بمنع مرور أي سفن تتعامل مع الموانئ الإيرانية من دخول المضيق أو مغادرته. وسيتحدد نجاح الحصار المضاد الذي فرضه ترامب بمدى قدرة إيران على تحمل المزيد من الخسائر الاقتصادية قصيرة المدى، أكثر من الولايات المتحدة.
اظهار أخبار متعلقة
ويقول سوانسون إن وقف الحرب يصب في صالح الطرفين، على الرغم من التناقض الظاهر بين الموقفين الأمريكي والإيراني، فقد ألحقت الولايات المتحدة دمارًا هائلًا بالاقتصاد العالمي مقابل مكاسب ضئيلة. وفي المقابل، تدهورت البنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية بشكل كبير، وقُتل آلاف الإيرانيين، وخسرت إيران علاقاتها مع جيرانها في الخليج لتنجو من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي.
ومع دخول واشنطن وطهران مرحلة جديدة محفوفة بالمخاطر من المواجهة، سيتعين على الولايات المتحدة التعامل مع نظام إيراني متطور. فرغم صموده حتى الآن، إلا أنه يواجه مشاكل بنيوية، وهو في المراحل الأولى من التحول.
وبالتالي، سيتوقف مصير المفاوضات الأمريكية الإيرانية على كيفية تعامل ترامب مع التغيرات السياسية الداخلية في إيران، وما إذا كان تصوره لما هو قابل للتحقيق يتوافق مع واقع إيران.
وعلى المدى القريب، يحتاج ترامب إلى أن يفكر سريعًا وينهي الحرب بأقل قدر ممكن من التنازلات للحفاظ على مضيق هرمز مفتوحًا. ومع ذلك، فهو يحتاج، على المدى البعيد، إلى استراتيجية متماسكة، وهو أمر فشل في تطويره قبل بدء الحرب.
ورغم ما يراه الكاتب من هزيمة عسكرية لإيران، إلا أنه يقر باستعادتها قوة الردع، وذلك بعد انهيار العقيدة الأمنية الإيرانية منذ هجمات حماس ضد إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهي عقيدة قامت على ثلاثة أركان: برنامجها الصاروخي وقدرتها الكامنة على بناء سلاح نووي ودعمها جماعات من غير الدول، مثل حماس وحزب الله. وعندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في 28 شباط/فبراير 2026، بدا أن البرنامج الصاروخي الإيراني هو الآلية الأخيرة المتاحة للردع أو الانتقام. إلا أن هذه الجولة الأخيرة من القتال أثبتت أن إيران تمتلك أداة أخرى تحت تصرفها، وهي السيطرة على مضيق هرمز. فقد أظهرت إيران قدرتها على إغلاق هذا الممر الضيق بجهد قليل نسبيًا، بشكل أثّر وبشكل مباشر على التجارة العالمية ومصالح الولايات المتحدة بطرق لم تؤثر بها الأدوات الأخرى التي استخدمتها إيران سابقًا.
ويرى سوانسون أن موقع إيران الجغرافي، إلى جانب التكنولوجيا الرخيصة والبسيطة نسبيًا، يجعل إغلاق المضيق فعالًا جدًا. فبعد اندلاع الحرب مباشرة، هاجمت إيران سفينتين على الأقل زعمت أنهما تعبران المضيق بشكل غير قانوني. كانت السفينتان في الواقع مرتبطتين بالنظام الإيراني، لكن الضرر كان قد وقع بالفعل، وهو ما أثار فزعًا بين شركات التأمين البحري ودفعها إلى سحب تغطيتها التأمينية، تاركة السفن عالقة في الخليج العربي.
وفي المستقبل، يكفي إيران تكرار استراتيجية مماثلة للسيطرة على المضيق وممارسة نفوذ كبير.
وتعطي هذه الاستراتيجية إيران مزايا هائلة، فقد دفعت عشرات السفن بالفعل رسومًا باهظة لإيران لعبور المضيق. وإذا استمرت إيران على هذا المنوال بعد الحرب، فقد تحصل على مصدر دخل كبير في وقت هي بأمس الحاجة فيه إلى السيولة المالية. والأهم من ذلك، يمثل المضيق الآن الضمانة الأمنية التي افتقدتها إيران منذ أن ضربت إسرائيل حزب الله عام 2024، والذي ظل ولعدة عقود ضامنًا لأمن إيران من أي هجوم إسرائيلي.
وفي المستقبل سيفكر جميع القادة الأمريكيين، بمن فيهم ترامب، مليًا قبل شن حرب أخرى مع إيران أو السماح لإسرائيل بشن ضربات، لعلمهم بقدرة إيران على زعزعة الاقتصاد العالمي.
اظهار أخبار متعلقة
وفي هذا السياق، يحاول ترامب محاكاة نجاح إيران بفرض حصاره الخاص على المضيق. وربما عززت هذه الخطوة موقف ترامب في المفاوضات قصيرة الأجل، لأنها ستحرم إيران من القدرة على اختيار السفن التي يسمح لها بالعبور، وتخنق مصدر دخلها الرئيسي. لكن الوقت في صالح إيران. بالنسبة للنظام الإيراني، هذه الحرب وجودية، لذا لديه حافز أكبر لتحمل المعاناة لفترة أطول. لقد صمدت إيران بالفعل لما يقرب من خمسة عقود من الإكراه الاقتصادي.
وإذا انهارت المحادثات، فلن تتردد إيران في إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي من خلال استهداف البنية التحتية للطاقة في دول الخليج. في الوقت نفسه، يتعين على ترامب أن يقلق بشأن الرأي العام قبل انتخابات التجديد النصفي للولايات المتحدة. ومن هنا تعول إيران على تراجع ترامب أولًا.
ويقول سوانسون إن المفاوضات، وعلى المدى البعيد، ستعتمد، وإن جزئيًا، على مستقبل النظام. ومن غير الواضح ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ستخرج من هذا الصراع على غرار كوريا الشمالية، باتباع سياسات الأرض المحروقة التي يبدو أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وقائد الحرس الثوري الإسلامي أحمد وحيدي يفضلانها، أم ستكون تحت سيطرة شخصيات تعتبرها إدارة ترامب براغماتية، مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. ومن الواضح أن إيران حافظت على تماسكها بشكل أفضل مما توقعه الكثيرون. فقبل 28 شباط/فبراير، اعتقد دعاة تغيير النظام أن اغتيال شخصيات بارزة مثل المرشد الأعلى علي خامنئي ورئيس جهاز الأمن علي لاريجاني سيؤدي إلى انهيار النظام.
وعلى الرغم من أن مقتل هذا العدد الكبير من القادة قد يؤدي إلى صراعات داخلية عنيفة بعد الحرب، إلا أن عملية صنع القرار الإيرانية حتى الآن أثبتت أنها لا مركزية ومرنة ومتماسكة وحاسمة.
وحتى إن تشكيلة فريق التفاوض الإيراني تعكس هذه الديناميكية، فقد وضع عباس عراقجي وعلي باقري كني، وهما خصمان سياسيان ذوا نهجين متناقضين تمامًا، خلافاتهما جانبًا لتمثيل إيران على جبهة موحدة. وليس لدى إدارة ترامب إلا نفوذ أقل على السياسة الداخلية الإيرانية. فقد راهن ترامب على قدرته على إخضاع إيران بالقصف، لكن هذا النهج فشل. والآن، مع بدء حصاره البحري، يبدو أنه يحاول إجبار إيران اقتصاديًا ودبلوماسيًا، وهو أمر سيكون صعبًا في ظل الجدول الزمني المتسارع.
ويريد ترامب أن يجد قائدًا يمكنه العمل معه، كما فعل في فنزويلا. ولن يكون ترامب الزعيم الأمريكي الوحيد المتورط في التدخل في سياسة الجمهورية الإسلامية. فقد سعى الرؤساء رونالد ريغان وبيل كلينتون وباراك أوباما إلى تعزيز نفوذ المعتدلين داخل النظام، بينما حاول جورج دبليو بوش وترامب، في ولايته الأولى، إحداث تغيير في النظام، ولم ينجح أي منهم.
كما وتزداد المفاوضات تعقيدًا بسبب ميل القادة الإيرانيين إلى المبالغة في تقدير قوتهم وعدم فهمهم الحقيقي لنظرائهم الأمريكيين. ويقول سوانسون إنه، وبصفته مفاوضًا سابقًا في عهد إدارات أمريكية متعددة، يعرف هذه الديناميكيات عن كثب، بما في ذلك في عامي 2021 و2022، عندما كانت إيران وإدارة بايدن تجريان محادثات للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه ترامب عام 2018.
ومن جهة أخرى، ربما بالغ المحللون الأمريكيون، بمن فيهم الكاتب نفسه، في تقدير هشاشة إيران قبل الحرب. لكن لا يمكن إنكار أن إيران كانت، ولا تزال، تعاني من مستويات تضخم قياسية وسلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ويقول إن الاحتجاجات الشعبية التي بدأت نهاية العام الماضي، ولقيت مقاومة شرسة من النظام، كشفت عن هشاشته، ولو لم تتدخل الولايات المتحدة، لكان قادة طهران على الأرجح في وضع أسوأ مما هم عليه اليوم. وعليه، فقد منحت الحرب النظام، دون قصد، فرصة جديدة للبقاء، وإن بشكل مؤقت فقط.
ويقول سوانسون إن على المراقبين تقليل توقعاتهم، فلم تكن إيران لتستسلم أبدًا للضغوط العسكرية، وربما لن تخضع للإكراه الاقتصادي أيضًا. بل على العكس، سترى إيران أن الوقت لصالحها، لأنها قادرة على تحمل الضغوط الاقتصادية بشكل أفضل من بقية دول العالم. فإيران، في نهاية المطاف، صمدت لسنوات تحت وطأة العقوبات.
اظهار أخبار متعلقة
ومن هنا يعتقد الكاتب أن على ترامب وضع هدف فوري، بما يشمله من معالجة المصالح الأمريكية الجوهرية وإنهاء الحرب وإيجاد سبيل لمرور الملاحة البحرية عبر المضيق، وبأقل تكلفة ممكنة، وبدون السماح لإيران بإنشاء مركز تحصيل رسوم على الممر المائي.
وقبل أسابيع قليلة، كان بإمكان الولايات المتحدة تحقيق أهدافها، لكنها ستكون عالية التكلفة الآن، على الأرجح.
ومن المتوقع أن تشهد إيران ما بعد الحرب فترة انتقالية وصراعات داخلية على السلطة. وخلال هذه الفترة، لن تتمكن القيادة الإيرانية من تقديم تنازلات تغير جوهر الجمهورية الإسلامية، وقد تكون هناك إمكانية لعقد اتفاقيات محدودة. على سبيل المثال، يمكن لإيران التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب مقابل تخفيف العقوبات. لكن لن تُبرم اتفاقيات تحويلية خلال فترة انتقالية للقيادة وفي أعقاب حرب تعتقد إيران أنها انتصرت فيها. ولسوء الحظ، لن يتمكن ترامب من التحكم في توقيت إيران. وأفضل خيار له هو الانسحاب من هذه الحرب الآن وإعداد رؤية واضحة وموثوقة وموجزة لما تريده الولايات المتحدة من إيران وما هي مستعدة لتقديمه في المقابل، على أمل أن يختار الزعيم الإيراني القادم مسارًا أفضل.