ما وراء تدخل الجيش المصري لتبرير قرار غلق المحال التجارية وملف الطاقة؟

دوريات الأمن تطوف على المحال التجارية للتأكد من إغلاقها مساء في المحافظات المصرية- جيتي
دوريات الأمن تطوف على المحال التجارية للتأكد من إغلاقها مساء في المحافظات المصرية- جيتي
شارك الخبر
تدخلت القوات المسلحة المصرية للرد على الغضب الشعبي من قرارات حكومية بالتقشف في ملف الطاقة وغلق المحال التجارية في البلاد اعتبارا من الساعة التاسعة مساء، ما دفع المصريين للتساؤل حول أسباب التدخل لتبرير القرار.

وبعد قرار حكومي برفع أسعار الوقود بكل أنواعه بين 14 و30 بالمئة، تغلق مصر منذ 28 آذار/مارس الماضي، المحال التجارية والمولات والمقاهي الـ9 مساءً، ترشيدا باستهلاك الكهرباء والطاقة إثر ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا كنتيجة للحرب "الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران منذ 28 شباط/فبراير الماضي.

خطاب التبرير


المتحدث العسكري أصدر تقريرا مصورا الجمعة، عرض فيه تبريرات عديدة للقرار الحكومي باللهجة العامية المصرية على غير العادة في إصدار بيانات باللغة العربية الفصحى، مؤكدا فيه أن "الدولة اتخذت هذا القرار للحفاظ على اقتصادها ومواردها وشعبها، عارضا التساؤل الجاري على ألسنة 108 ملايين مصري يقيمون في الداخل: لماذا غلق المحال الـ9 مساء؟".

اظهار أخبار متعلقة



وفي خطاب موجه للبسطاء وأصحاب المحال عرض التقرير صورة لحركة الشارع المصري والمناطق الشعبية، بينما يقول: "نعرف أنه قرار ليس سهلا علينا، ونعرف أن أناسا كثيرة تأثرت وشغلها تغير ويومها اختلف"، مخاطبا وطنية المصريين بقوله: "بالتأكيد تعرفون أن مصر المحروسة لا تستحق أنها تُظلم"، لكنه استدرك مسرعا بالقول إن  "ما يحدث ليس بمصر وحدها".

وأشار إلى أسماء دول قللت استهلاك الكهرباء وساعات العمل والعمل من المنزل، مؤكدا أن "مصر أفضل الدول من حيث التعامل مع الأزمة ومراعاة كل الفئات"، عارضا مقاطع تكدس بالهند على محطات الوقود، ملمحا إلى قرارات تقشف بباكستان، وسيرلانكا، وسلوفينيا، وزيادة أسعار الوقود بالإمارات، وألمانيا، والنمسا، وأمريكا.

التقرير، أكد على أن "مصر عندما تحركت لم تفعل شيئا خارج السياق العالمي"، متسائلا: لماذا توصف إجراءات تقشف وترشيد ورفع أسعار الوقود بالعالم بأنها نجاح في إدارة الأزمة وعندما تقوم مصر بإجراءات مشابهة نسميه فشل أو إجراء استثنائي؟".

وعاود مخاطبة المصريين: "وهذا ليس معناه أنك لا تتكلم أو تتضايق، ومن حقك أن تسأل وتفهم وتناقش"، مستدركا: "لكن يجب رؤية الصورة الكاملة، فالإجراء الحالي لكي نبعد عن اتخاذ إجراءات أكثر قسوة أو نضطر لتخفيف الأحمال".


تساؤلات المصريين

وفي قراءة البعض للتقرير، أوضحوا أنه عند الحديث عن قرار غلق المحال عرض صورة وزير البترول كريم بدوي، وتجنب طوال 4.25 دقيقة هي مدة التقرير عرض أية صورة أو ذكر أو إشارة لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي، لكن في نهايته أشار لجهوده بحل الأزمة حتى لا تتفاقم بإجراءات أشد، مصحوبة بمقاطع لقاءاته وقادة الخليج، مع إظهار إنشاءات حديثة بعهده وحجم رفاهية المصريين بها.

وأعرب متابعون ومحللون عن تعجبهم من إصدار الجيش هذا التقرير رغم أنه "ليس من أصدر القرار، كما أن الحكومة متمثلة في مجلس الوزراء والوزارات المعنية قدموا عشرات التصريحات والمبررات".

وتساءل البعض: لماذا أقدم الجيش على تلك الخطوة رغم عدم صلته بالقرار؟، وهل يعني تدخل الجيش في الأمر أنه يوجه رسالة إنذار لكل من ينتقد القرار أو يعترض عليه أو يكتب عن سلبياته أو تداعياته؟.

وتتابعت التساؤلات حد التكهن: "هل يمهد الجيش لإجراءات قد تكون أكثر قسوة في المرحلة المقبلة حال امتداد حرب إيران، ويؤكد على أنه يقبل بها ويرعاها ويدافع عنها ويحذر من الخروج عليها؟".

وردا على تلك التساؤلات قال معلقون مصريون، إن "البيان العسكري، يؤكد ما يعلمه أغلب المصريين ولا يستطيعون الحديث به علنا، ومفاده أن الجيش يقف خلف كل قرار، وأن جنرالاته يديرون الدولة ويتحكمون فيها".

في حين ذهب البعض للتقليل من وقع تلك المخاوف، موضحين أن "قرارات التقشف وغلق المحال التجارية بالتبعية يخص الأمن القومي المصري، والجيش مكلف بحمايته، وخاصة وقت التهديدات الخارجية مثل الحرب على إيران".

ورصدت "عربي21"، لأكثر من مرة تحرك قوات الأمن بالشوارع قبيل الـ9 مساءً للتأكيد على الغلق الكامل لكل الأنشطة، في تحرك يماثل ما جرى بالبلاد خلال جائحة "كورونا" بين (2020 و2022)، ما يشير لوجود تعليمات مشددة بعدم التهاون في تنفيذ القرار، وإرسال رسالة للمصريين بعدم مخالفته، وأنه سيجري مواجهة أي غضب شعبي محتمل، وفق رؤية مراقبين.

غطاء عسكري وتخويف وردع


وهنا قال الخبير المصري في الاستراتيجية وإدارة الأزمات، الدكتور مراد علي: "من الطبيعي أن يثير تدخل الجيش في تبرير قرار إداري مثل غلق المحال التجارية حالة من الاستغراب، لأن هذا النوع من القرارات بطبيعته اختصاص حكومي مدني بحت، وقد صدرت بالفعل بشأنه تبريرات متعددة من مجلس الوزراء والوزارات المعنية، لكن لا يمكن الجزم بنوايا المؤسسة العسكرية".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "ربما يكون هذا التدخل رسالة دعم سياسي، بمعنى أن القيادة العامة للقوات المسلحة أرادت التأكيد على أن المؤسسة العسكرية تقف خلف القيادة السياسية في قراراتها، خاصة في ظل ظروف اقتصادية صعبة وإجراءات متتالية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل رفع أسعار الكهرباء والوقود والمواصلات".

ويعتقد أنه "قد يُفهم في سياق الغضب الشعبي، من بيان الجيش أنه إرسال إشارة بأن هذه القرارات تحظى بغطاء عسكري بهدف تخويف وردع أي محاولة للاعتراض؛ كما أنه قد يكون تمهيداً نفسياً ومؤسسياً لإجراءات أكثر صعوبة في المرحلة المقبلة".

النقطة الأهم.. ومخاطر استراتيجية


واستدرك: "لكن في تقديري، النقطة الأكثر أهمية ليست في تفسير الدوافع، بل في تقييم الأثر، مشيرا إلى أن "دخول المؤسسة العسكرية في مثل هذه الملفات الداخلية والمعيشية يحمل مخاطر استراتيجية".

وذلك لأنه "قد يؤدي إلى تشتيت دورها الأساسي، في وقت تحتاج فيه المنطقة –مصر تحديداً– إلى تركيز كامل على التحديات الخارجية التي تمس الأمن القومي بشكل مباشر، بدءاً من أزمة سد النهضة، مروراً بالوضع في غزة، والتطورات بليبيا والسودان، وصولاً إلى التحولات الكبرى التي تقودها إسرائيل وأمريكا في المنطقة".

وأكد علي، أنه "في ظل هذا المشهد، فإن إشغال المؤسسة العسكرية بملفات داخلية ذات طابع معيشي يؤدي إلى تشتيت الأولويات، وهو أمر لا يُنصح به في بيئة إقليمية عالية المخاطر".

وشدد على أن "الواجب أن ننأى بالقوات المسلحة عن ملفات يجب أن تقوم بها المؤسسات المدنية، كي تتفرغ القوات المسلحة لمهامها الرئيسية والاستراتيجية بحماية الأمن القومي".

رسالة تحذير للشعب


وفي حين أشار مراقبون، إلى قرارات دول أخرى بتخفيف وقع الأزمة عن شعوبها، وبينها ناميبيا التي خفضت رسوم الوقود 50 بالمئة مدة 3 أشهر من نيسان/أبريل الجاري؛ لفت الباحث خالد الأصور، إلى عدم جدوى القرار في تقليل استهلاك الطاقة، مضيفا عبر "فيسبوك": "أشعر أن الحكومة هدفها مجرد السيطرة على حركة الناس، وأن يقولوا نعم، حاضر، تمام يافندم".


وتساءل الكاتب الصحفي قطب العربي: "لماذا تضع القوات المسلحة نفسها مجددا في مواجهة الغضب الشعبي؟"، مضيفا عبر صفحته بـ"فيسبوك: "دخول القوات المسلحة على الخط يعطي رسالة تحذير للشعب من أي تحرك غاضب في مواجهة هذا الإجراء، وغيره من الإجراءات التقشفية التي أعلنت أو التي ستعلن تباعا، وستكون ثقيلة على الشعب".

وواصل عرض قراءته موضحا أنه "في حال حدث أي احتجاج فإن القوات المسلحة هي التي ستتصدى لذلك مباشرة، هذا ما يشي به دخولها على الخط، وإلا فما الداعي لهذا الدخول مع وجود كل مؤسسات الحكم المدنية الأخرى؟".


توقيت لافت


وتأتي رسائل الجيش المصري، في توقيت تضاعف فيه وزارة الداخلية والنيابة العامة والقضاء المصري التضييق على ما يتم تداوله من انتقادات لأداء الحكومة والوزراء وكشف لقضايا الفساد، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصاعدت بشكل لافت عمليات توقيف واعتقال شخصيات وازنة في الشارع المصري بينهم محامين ناشطين وحقوقيين، وأطباء، فيما يربط أغلبهم رباط واحد وهو معارضة قرارات حكومية عبر الانترنت، أو انتقاد قرارات وزارية أو الطعن عليها.

ومنها: اعتقال المحامي والقاضي السابق عصام رفعت، مقيم دعوى بطلان نتائج "انتخابات القائمة" بمجلسي "الشيوخ" و"النواب" الأخيرة، والقبض على المحامي جمال سويد وإحالته للمحاكمة إثر حلقة له عبر صفحته بالإنترنت تناول فيها قرارات رؤساء محاكم الاستئناف بفرض رسوم قضائية دون قانون، ووصفها بـ"الإتاوة".

كذلك، توقيف ومحاكمة المحامي علي أيوب، والحكم عليه بالسجن 3 سنوات، على خلفية كتابته منشورات وتقديمه بلاغات ضد وزيرة الثقافة جيهان زكي، يتهمها فيها بالتزوير وسرقة نص أدبي للكاتبة بالأهرام سهير عبدالحميد.

وأيضا، اعتقال السلطات الأمنية للناشط مصطفى أحمد، إثر نشره انتقادات حول عمليات التعذيب بمقار الاحتجاز ووفاة ضحايا مصريين وسودانيين، مؤخرا، ما تبعه وتزامن معه من حملة اعتقالات لأعضاء بنقابة الأسنان، الرافضين لقرار وزير الصحة بتقليص أعداد المكلفين لـ40 بالمئة.

وفي 19 آذار/مارس الماضي، كشفت منظمات حقوقية ظهور الممرضة بوزارة الصحة نعمة مهدي، بنيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسها على ذمة قضية جديدة، وذلك بعد حبسها 6 أشهر، قبل توقيفها وإخفائها قسريا بعد بثها مقاطع فيديو عن وقائع فساد بمنظومة التأمين الصحي، وانتقادها وزير الصحة.

وذلك إلى جانب شكوى الناشط أحمد دومة، من قرار استدعائه للنيابة على ذمة قضية جديدة، مؤكدا أنها تأتي "لإسكات كل صوت يفضح الانتهاكات ويدافع عن المعتقلين، وحقوقهم".

السيسي وتغيير عقيدة الجيش


ومنذ انقلاب عسكري قاده السيسي، على أول تجربة حكم مدني وإطاحته الرئيس الراحل محمد مرسي، منتصف 2013، أجرى رئيس النظام تحولا بعقيدة الجيش وأدواره من مواجهة عدو خارجي إلى استخدام القوة العسكرية بمواجهة المصريين لتثبيت أركان نظامه وتنفيذ قراراته ومنع الخروج عليه طيلة 13 عاما.

اظهار أخبار متعلقة



البداية كانت في 24 تموز/يوليو 2013، عندما طالب قائد الجيش المشير عبدالفتاح السيسي، من الشعب النزول لمنحه "تفويضا لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل"، ما تبعه ارتكاب الجيش مجازر "الحرس الجمهوري"، و"المنصة"، و"رابعة العدوية"، و"النهضة"، و"رمسيس"، و"المطرية"، وغيرها.

وفي 29 آب/أغسطس 2020، هدد السيسي باستخدام الجيش لهدم مخالفات البناء، قائلا: "لو الأمر استلزم هخلي الجيش ينزل كل قرى مصر".

وفي هذا السياق أقر قوانين تمنح العسكريين صفة الضبطية القضائية وحق محاكمة المدنيين، وبينها "قانون تأمين المنشآت العامة"، الذي جعل الجامعات، ومحطات الكهرباء، والطرق في حكم المنشآت العسكرية.

إلى جانب منح ضباط وجنود القوات المسلحة صفة "مأموري الضبط القضائي"، مما أعطاهم الحق في القبض على المدنيين وتفتيشهم في الشوارع، والتحفظ على الأفراد وإحالتهم لنيابة أمن الدولة العليا أو المحاكم العسكرية.
التعليقات (0)

خبر عاجل