السيسي يطلق تصريحات متناقضة عن الديون والأزمات وأسباب الفشل
القاهرة- عربي2118-Mar-2605:57 AM
طالب السيسي المصريين بالصبر والتحمل - (الرئاسة المصرية)
شارك الخبر
فجر رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، مساء السبت، جدلا واسعا خلال حديثه عن أزمات مصر الاقتصادية الحالية، واضطرار حكومته الأسبوع الماضي لرفع أسعار الوقود بين (14 و30 بالمئة) في ظل الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران، حيث أطلق عدة تصريحات رأى فيها محللون تضاربا تاما مع سياساته.
السيسي وخلال حفل إفطار الأسرة المصرية، بدار القوات الجوية شرق العاصمة المصرية القديمة (القاهرة)، اعترف أن "الاقتراض حل غير مناسب"، وذلك برغم أن حكوماته الأكثر اقتراضا في تاريخ مصر، ومدينة بأكثر من 163.7 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من 2025.
اظهار أخبار متعلقة
وقال السيسي: "ليس من المنطقي ولا من العدل أن نستمر في الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية الاحتياجات البترولية"، ليؤكد في اعتراف غير مسبوق، أن "هذا النهج يقود إلى دائرة مفرغة من تراكم الديون".
واعترف بغضب المصريين من قراره رفع أسعار الوقود، قائلا إن "هناك مشاعر سلبية إزاء رفع أسعار المنتجات البترولية"، لكنه في الوقت ذاته أكد عدم قدرته على إعطاء الناس ما تريد، وطالبهم على غرار دعواته طيلة السنوات الماضية بالصبر والتحمل.
وبرغم انتقادات المعارضة له بعدم سماع نداءاتها وغلق المجال العام وقصر الحياة السياسية على المولاة وتهميش الأحزاب، اتهم السيسي، خبراء مصر بعدم تقديم الحلول لإدارته، ليتراجع عن حديثه ذلك ويقول بلغة غاضبة تحمل بعض التهديد إن على من يقدم لنا رأيه أن يكون على معرفة بما لدينا من معلومات حول الأزمات.
ففي حين اتهم من يتحدث عن الأزمة بأنه يعطي معلومة منقوصة ويعطي طاقة سلبية، قال: "لو في حد عنده أفكار أهلا وسهلا وطالما يعرف التفاصيل ممكن طرحه يكون قابلا للتنفيذ لكن لو ليس لديه التفاصيل سيقول طرح منقوص".
وزعم أن رفع أسعار الوقود الذي يعد المرة الثالثة خلال 12 شهرا، "جرت دراسته"، ووجدت حكومته أنه "الخيار الأقل تكلفة على المواطنين"، محملا ما قال إنه "الظروف الصعبة مثل جائحة كورونا وحربي روسيا وغزة معاناة المصريين خلال 5 سنوات"، متجاهلا ما يشير إليه الخبراء من أخطاء حكوماته السياسية والاقتصادية ومنها الاستدانة الخارجية والداخلية بما يفوق 380 مليار دولار.
وفي الوقت الذي يواصل فيه حفلات الإفطار الرمضانية التي وصفها محللون بالبازخة في زمن الحرب، قال إننا لا يمكن لنا تلبية كل طموحات الناس لأسباب خارجة عن إرادتنا، متهما حكومات مصر منذ 60 عاما بالفشل في حل أزمات البلاد، ومبرئا حكومته من التسبب في تلك الأزمات بقوله: "لم نكن سببا فيما حدث".
وفي حين كشف عن غضبه مما يكتبه المصريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأشار إلى مقال لصحفي لم يذكر اسمه كان قد انتقد عدم مصارحة الحكومة للشعب وعدم وفائها بوعودها؛ أكد أن حكومته لم تشرح للناس حجم التحدي الذي تأخذ الدولة به القرار، إلا أنه عاد ليغلق الطريق مجددا على مطالبات المصريين بالشفافية ونشر الحقائق والأرقام قائلا: "مش كل حاجة نقدر نقولها لكم لأسباب مختلفة منها أسباب أمنية".
واعترف بأن برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي بعد عام 2020 لم يحقق المأمول منه، ما يثير التساؤلات حول أسباب استمرار حكومته في الاقتراض من الصندوق والذي تعدى منذ العام 2016 نحو 28 مليار دولار.
وفي الوقت الذي أكد فيه أن حكومته لا تكسب من رفع سعر البنزين والسولار والبوتاجاز إلا أن الأرقام تقول عكس ذلك؛ حيث تتوقع حكومته تقليص دعم الوقود بنحو 32 مليار جنيه بالعام المالي الحالي، عقب زيادات الأسعار الأخيرة، ما يوفر نحو 8 مليارات جنيه شهريا للخزينة العامة.
وبدون أي مقدمات مسبقة أو حديث مثار عن حجم ممتلكاته وأسرته، راح يقول: "لا أمتلك أكثر من راتبي أنا وزملائي في الحكومة"، وذلك برغم عدم وجود دليل مادي على تقديمه إقرار الذمة المالية منذ توليه السلطة أو نشره بالجريدة الرسمية، وفق نص (المادة 145) من الدستور.
تناقضات مخجلة
وفي قراءتها لحديث السيسي، أكدت الباحثة في الشؤون السياسية الدكتورة سامية هاريس، أنها "بالفعل تكشف عن تناقضاته"، مبينة أنه "يستغل أزمات المصريين ويستفيد منها ويحمل أخطاء حكومته لغيره".
وقالت لـ"عربي21": "بالتأكيد؛ إن السيسي لا يستغل التحديات الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل هو من خلقها؛ فقد أغرق ونظامه مصر بديون غير ضرورية، كما أن هوسه ببناء عاصمة جديدة لم تكن مصر بحاجة إليها جعله يتخذ من الاقتراض وسيلة لإدارة البلاد".
وأضافت: لقد استمرت توجهاته نحو القروض ليس لبناء ميزانية مصرية متوازنة، بل كطريق كافأه به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكيان الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه المرتكبة بحق مصر والفلسطينيين".
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت أن "مصر حاليا في حالة إفلاس اقتصادي ومن الناحية التقنية؛ وفي الوقت الحالي، لا يمكن أن يكون الحل اقتصاديا، بل يجب أن يكون تغييرا للنظام ومنظومة الحكم، مما يعني ضرورة إحداث تغيير سياسي واقتصادي واجتماعي".
وترى أن "ميزانية مصر ليست ميزانية حقيقية، وهي ما سمح به وأراده الاحتلال العسكري؛ حيث إن 80 بالمئة من دخل مصر واقتصادها تحت سيطرة الجيش، مما يعني أنه خارج الميزانية العامة للدولة، والـ20 بالمئة المتبقية هي ما تُنفق على مصر بأكملها، و95 بالمئة من تلك النسبة تذهب لسداد فوائد وأقساط ديون القروض".
خطوات تعديل المسار
وتعتقد أن "هذا المسار لا يمكن أن يؤدي إلى أي نتيجة من الناحية الاقتصادية؛ إذ يجب أن تتضمن الميزانية كافة الإيرادات والمصروفات؛ وهذا يعني ضرورة إدراج ميزانية الجيش، والهيئات الخاصة، والرئاسة، وقناة السويس، بميزانية واحدة لدولة واحدة"، مشددة على ضرورة "وقف الفساد والسرقة وإعادة أموال مصر للمصريين، والتوقف عن سداد القروض وإعادة التفاوض عليها".
ولفتت إلى أن "هذا الأمر سيستغرق سنوات؛ ففي البداية، يجب الاحتجاج بأن هذه القروض كانت مشوبة بالبطلان ولم يوافق عليها الشعب قط، وبالتوازي مع ذلك، يتم البدء في الاستثمار بالشباب المصري الذي يمثل القوة البشرية الحقيقية الكامنة وغير المستغلة، وتطوير (قوات سلام مصرية) تضم مليون شاب وشابة، والبدء في مشاريع اقتصادية واجتماعية تتناسب مع واقع مصر".
وقالت إن "مصر تمتلك أفضل سطوع شمسي في الصحراء الغربية، لذا ينبغي إنشاء أكبر مدينة للطاقة الشمسية وتصدير الطاقة، والاستثمار في المزارع السمكية والصناعات البحرية، كما يجب التوقف عن تصدير أفضل رمال في العالم (الرمال البيضاء) وتطوير التكنولوجيا المتقدمة محليا باستخدامها".
وتابعت: "ولابد من الاستثمار في قناة السويس لتتحول إلى مركز لوجستي عالمي حقيقي وألا تظل مجرد ممر للعبور؛ كما يجب مد كابلات الجيل الخامس والسادس تحت القناة، والبدء بتجميع السيارات الكهربائية الصينية وصولا إلى بناء الطراز المصري الخالص".
وأشارت إلى أهمية "إعادة هيكلة التعليم، واشتراط حصول كافة المدارس والجامعات على الاعتماد وفق المعايير الدولية"، مؤكدة أن "الحل الأمثل يكمن في تشكيل لجنة من المصريين المتخصصين بكل المجالات، فمصر محظوظة بامتلاكها الكثير من الكفاءات، وهي فقط بحاجة إلى نظام يتسم بالحرية والنزاهة والعدالة ويرحب بالجميع".
تراكم سياسات خاطئة
وفي رؤيته السياسية، أكد السياسي المصري الدكتور محمد عماد الدين صابر، أن "السيسي يستغل الأزمات لزيادة الديون والضغط على المصريين"، موضحا في حديثه لـ"عربي21"، أنه "كلما دخلت مصر أزمة اقتصادية جديدة، يخرج الخطاب الرسمي ليقول إن السبب هو الأزمات العالمية أو حروب المنطقة".
وأوضح أنه "ومع الحرب الأخيرة في المنطقة، عاد الحديث مرة أخرى لتبرير رفع أسعار الوقود وزيادة الأعباء على المصريين؛ لكن الحقيقة التي يدركها المصريون أن الأزمة الاقتصادية لم تبدأ اليوم، بل تراكمت عبر سنوات من السياسات التي اعتمدت بشكل واسع على الاقتراض الخارجي".
وأكد أن "الدولة التي يعترف رئيسها اليوم بأن الاقتراض ليس حلا مناسبا هي نفسها الدولة التي شهدت في عهده أكبر موجة ديون في تاريخ مصر"، مبينا أن "هذا التناقض يطرح سؤالا واضحا: كيف يصبح الاقتراض خطأ اليوم، بعد أن تم الاعتماد عليه لسنوات طويلة؟".
هذا هو الأخطر
ويرى صابر، أن "الأخطر من ذلك أن الأزمات تُستخدم أحيانا كوسيلة للضغط على المواطنين وتحميلهم تكلفة السياسات الاقتصادية؛ فبدلا من مراجعة السياسات التي أدت إلى تفاقم الديون، يتم اللجوء إلى: رفع أسعار الوقود، وزيادة الضرائب والرسوم، وتقليص الدعم والخدمات، وفي النهاية يتحمل المواطن البسيط العبء الأكبر، بينما تستمر الديون في الارتفاع".
وألمح إلى أن "تحميل الأزمة للحروب الخارجية أو للحكومات السابقة لا يغير من حقيقة أن إدارة الاقتصاد مسؤولية السلطة الحالية، وأن استمرار الأزمة لسنوات يعني أن المشكلة ليست فقط في الظروف، بل في السياسات نفسها".
ويعتقد أن "أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط حجم الأزمة الاقتصادية، بل تحويل الأزمات إلى أداة لتبرير مزيد من الضغوط على الشعب؛ فالشعوب قد تتحمل الصعوبات عندما ترى إصلاحا حقيقيا وعدالة في توزيع الأعباء، لكنها لا تقبل أن تتحول الأزمات إلى ذريعة دائمة لزيادة الديون وإثقال كاهل المجتمع".
كيف رد المصريون؟
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتقد خبراء ومحللون ومراقبون تصريحات السيسي، وتبريراته لرفع أسعار الوقود، مشيرين إلى إيران التي تتعرض للقصف الأمريكي والإسرائيلي منذ 28 شباط/فبراير الماضي، قررت الاثنين، رفع الحد الأدنى للأجور 60 بالمئة مع بداية العام الفارسي الحالي.
وحول عدم تقديم المنتقدين لأزمة الوقود حلولا لحكومته، حيث أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد، تقديمه عبر "حزب العدل" ورقة تحليلية تقدم بدائل وحلولا عملية لأزمة الطاقة ليس بينها رفع الأسعار، مؤكدا أن "المشكلة ليست في غياب الحلول، ولكن بعدم مواجهة جذور المشاكل".
وقال الشاعر شوقي عقل، إنه تقدم للسيسي، قبل 4 أشهر بمجموعة من المقترحات لحل أزمة البلاد منها: "تحصيل ضرائب من القوات المسلحة"، و"تطبيق رسوم الخدمات، كهرباء ومياه وخلافه، على مواقع القوات المسلحة الاستثمارية"، و"تأجير القصور والطائرة الرئاسية"، وغيرها من المقترحات.
الصحفية ريهام المصري، وفي تعليقها على حديث السيسي، حددت الأزمة في مجموعة من المشكلات بينها: أن الحاكم منذ 60 سنة لا يفصل بين طموحه الشخصي ومسؤولية كرسي الحكم، وفي المالغة في مدح قرارات الحاكم.
الكاتب مجدي الحداد، قال إن الحل هو أن يرحل السيسي، موضحا أن هذا رد أي طفل في الشارع المصري على حديث السيسي، مؤكدا أن أي معادلة اقتصادية، سياسية، اجتماعية، وإنسانية تقول إنه "من كان جزء من المشكلة لا يمكن أن يكون جزء من الحل"، مبينا أن "هذا النظام فات أوان إصلاحه".