فورين أفيرز: الصين تخشى تقلب الولايات المتحدة أكثر مما تخشى قوتها

خفضت الصين مستوى النمو في خطتها الخمسية الأخيرة، معترفة بأن البيئة العالمية التي دعمت صعودها في السابق أصبحت أقل موثوقية - جيتي
خفضت الصين مستوى النمو في خطتها الخمسية الأخيرة، معترفة بأن البيئة العالمية التي دعمت صعودها في السابق أصبحت أقل موثوقية - جيتي
شارك الخبر
نشرت مجلة "فورين أفيرز" تقريرًا يناقش نظرة بكين إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران باعتبارها اختبارًا خطيرًا لاستقرار النظام الدولي الذي تعتمد عليه بكين في صعودها الاقتصادي والسياسي.

وقالت المجلة في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الصين لا تخشى تراجع القوة الأمريكية بقدر ما تخشى تقلبها وفوضويتها، إذ ترى أن واشنطن غير المنضبطة قد تهدد أسس التجارة العالمية والطاقة والاستقرار الذي تحتاجه بكين.

نظرة بكين

وتؤكد المجلة أن هيمنة الولايات المتحدة ومصداقيتها آخذتان في التراجع بعد عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، خاصة في ظل تراجع التزامها بالنظام الدولي القائم على القواعد الذي دافعت عنه سابقًا، واستعدادها المتزايد لممارسة سلطتها بطرق تزعزع استقرار الأسواق والمؤسسات والحلفاء.

ويحمل هذا التراجع جانبًا إيجابيًا من منظور بكين، فضعف واشنطن يجعلها أقل قدرة على قيادة تحالفات دولية، وبهذا قد تقترب الصين من الهدف الذي طالما سعت إليه، أي أمريكا قوية بما يكفي لاستقرار الاقتصاد العالمي، لكنها عاجزة عن فرض نظام يقيّد صعود بكين.

اظهار أخبار متعلقة


وبحسب المجلة، فإن الافتراض السائد في واشنطن بأن خسائر أمريكا تعني مكاسب للصين ليس صحيحًا تمامًا، إذ لا ترى بكين الأمور من هذا المنظور، ولا تنقض على كل فرصة جيوسياسية بشكل فوري، بل تراقب وتنتظر.

فغالبًا ما تقيّم الصين الموقف وفقًا لاستقرار البيئة المحيطة، لا وفقًا لمدى ضعف الولايات المتحدة، لأنها تهتم باستمرار تدفق المبادلات التجارية وموارد الطاقة وبقاء الأزمات العالمية تحت السيطرة، والاستقرار بالنسبة لها ليس خيارًا ثانويًا بل شرط أساسي للنمو.

اختبار صعب

وترى المجلة أن حرب إيران تمثل الاختبار الأكثر أهمية للصين حتى الآن لضبط النفس الاستراتيجي، فعلى عكس الحرب الروسية في أوكرانيا، تهدد الحرب الحالية المصالح الاستراتيجية الأساسية للصين، ليس لاعتمادها الشديد على نفط الشرق الأوسط، بل لأن سلوك واشنطن المتقلب يهدد استقرار النظام العالمي الذي تعتمد عليه بكين. 

وأكدت المجلة أن الخطر الأكبر بالنسبة للصين يكمن في الفوضى لا في الندرة، فضعف الولايات المتحدة وحده أمر يمكن التعامل معه، لكن عنفها وعدم التزامها بالنظام الذي كانت تدافع عنه في السابق يهدد الفرص التي يمكن أن يوفرها هذا الضعف. 

وما تخشاه بكين -وفقًا للمجلة- ليس فقدان واشنطن قوتها، بل أن تمارس ما تبقى لها من قوة بطرق تجعل العالم أكثر صعوبة.

لذلك جاء رد الصين المتحفظ على حرب إيران، أي الجهود الدبلوماسية، والدعوات إلى وقف إطلاق النار، وتجنب التدخل العسكري المباشر، مما يعكس الرغبة في إدارة المخاطر والحفاظ على الظروف الخارجية اللازمة للتجارة وتدفق رأس المال، وحماية أسس صعود الصين على المدى الطويل.

ارتباط عميق

وأشارت المجلة إلى أن الصين استفادت منذ انفتاحها عام 1979 من النظام الدولي الذي قادته واشنطن وحافظت على استمراره. ورغم محاولة بكين بناء بدائل حول هذا النظام، بقي اعتمادها على أسسه عميقًا وهي "ممرات بحرية مفتوحة، وأسواق متوسعة، ودولار قوي، ومؤسسات عالمية قوية لاستيعاب الصدمات الجيوسياسية قبل تحولها إلى أزمات نظامية".

وقد ظهر عمق هذا الاعتماد -حسب المجلة- عندما دفع الرئيس شي نحو سياسة الاعتماد على الذات، حيث واجهت الصناعات الصينية تراجعًا في الأرباح وتضخمًا في الطاقة الإنتاجية.

وهو ما دفع بكين لاستخدام أدوات اقتصادية جديدة كالقروض والاستثمارات والقيود التجارية، لكن هذه الأدوات مبنية على افتراض وجود نظام عالمي مستقر يمكن التنبؤ به وتحكمه القواعد وليس القوة.

وأوضحت المجلة أن هذا الافتراض بات موضع شك، فقد أظهرت التدخلات العسكرية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا وإيران أن واشنطن قد تلجأ بشكل أكبر إلى القوة العسكرية مع تراجع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي دون اكتراث بالعواقب الاقتصادية أو سيادة القانون الدولي.

من هذا المنظور، تخشى بكين أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي تعلمت كيف تتعامل معه وتستغله، بصدد الانهيار، وأن ما تقوم به إدارة ترامب هو سلوك قوة كبرى في مرحلة انحدار تستغل تفوقها العسكري قبل زوالها.

ولو كان التراجع الأمريكي مجرد حالة ضعف، لربما سارعت الصين لاستغلال الفرصة -وفقًا للمجلة-، لكن في ظل الوضع الحالي الذي ينذر بانهيار قواعد التجارة العالمية ومزيد من التصعيد العسكري، فقد تجد نفسها مضطرة للدفاع عن بعض أسس النظام القائم في وجه سلوك واشنطن المزعزع للاستقرار.

حرب بلا منتصر

أكدت المجلة أن الحرب في إيران تُجسِّد هذه الديناميكية بشكل صارخ، حيث تبدو أي مغامرة عسكرية أمريكية جديدة في الشرق الأوسط بمثابة هدية استراتيجية للصين في نظر الكثيرين في واشنطن، لكن القيادة الصينية لا تراها لعبة صفرية.

فالاضطرابات في الشرق الأوسط لا تخدم مصالحها، حيث إن إغلاق مضيق هرمز يهدد وارداتها النفطية كونها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، رغم امتلاكها احتياطيات استراتيجية تخفف الصدمة.

وقد يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل أكبر، مما يهدد أمن الطاقة الصيني ويضغط على اقتصادها القائم على التصدير، والذي يعتمد على سلاسة التجارة العالمية، حيث تمثل الصادرات حوالي 20 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويتم نقل معظمها عن طريق البحر.

وقالت المجلة إن تداعيات هذه المخاطر لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب جيوسياسية أخرى. فسعي الصين لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية لا يعني الاكتفاء الذاتي المطلق، بل القدرة على العمل داخل النظام العالمي بشروط مناسبة، وذلك عبر التراكم المستمر للقوة الاقتصادية.

ورغم استعداد الصين للتعامل مع عالم أكثر اضطرابًا، إلا أن هذا الاستعداد لا يعني أنها تفضل التوترات، حيث إن توجهها نحو الاعتماد على الذات يهدف إلى تقليص مواطن الضعف، وليس اقتناص الفرص في عالم غير مستقر.

تباطؤ النمو

وأشارت المجلة إلى أن المخاوف من تصاعد عدم الاستقرار بدأت تتبلور في خطط الصين الاقتصادية، حيث خفضت مستوى النمو المستهدف في خطتها الخمسية الأخيرة إلى ما بين 4.5 و5 بالمئة، وهو الأدنى منذ عقود، في اعترافٍ ضمني بأن البيئة العالمية التي دعمت صعودها في السابق أصبحت أقل موثوقية.

ولم يعد يُنظر إلى تباطؤ النمو على أنه انحراف دوري، بل باعتباره قيدًا هيكليًا ناتجًا عن ضغوط ديموغرافية، وتوترات تجارية خارجية، وتزايد حالة عدم اليقين، ففي ظل التقلبات الجيوسياسية، تصبح القطاعات التي تعول عليها بكين لضمان القدرة التنافسية على المدى البعيد أكثر عرضة للصدمات النظامية.

وفي الوقت نفسه، تعطي بكين الأولوية لما تسميه "قوى إنتاجية نوعية جديدة"، بالاعتماد على تقنيات متطورة لاستدامة النمو، وهو تحول يجعلها أكثر عرضة لمخاطر الاضطرابات الخارجية. وتتطلب هذه الصناعات المتقدمة استقرارًا في تدفقات الطاقة والمعادن وشبكات المعرفة العالمية، مما يجعل أي خلل سببًا في ارتفاع التكاليف وتفاقم المخاطر المالية.

حسابات باردة

وترى المجلة أنه بغض النظر عن أمد الحرب في إيران، فمن المستبعد أن تتدخل الصين لحماية الملاحة في مضيق هرمز أو الضغط على طهران، وهو ما يعكس حذراً استراتيجياً وتخوفاً من استنزاف مواردها وهيبتها في صراعات إقليمية عقيمة.

وأكدت المجلة أن القيادة الصينية تطبق نفس الحسابات الباردة على تايوان، ما يعني أن المحللين الأمريكيين يخطئون بافتراض أن انشغال الولايات المتحدة بالحرب في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تحرك صيني ضد تايبيه.

وأضافت المجلة أن القادة الصينيون لا يكتفون بالسؤال عمّا إذا كانت الولايات المتحدة منشغلة، بل يتساءلون أيضاً عن نوع السلوك الأمريكي في أي مواجهة عسكرية بشأن الجزيرة، والإجابة عن هذا السؤال يبعث على القلق في بكين.

فالولايات المتحدة الأقل استقراراً، والأكثر عسكرة، والتي تعتمد بشكل متزايد على القوة كميزة نسبية واضحة، قد تكون أكثر خطورة في أزمة تايوان، وليس العكس. فإذا اعتقدت بكين أن واشنطن تتصرف كإمبراطورية في آخر مراحلها -فاقدة للشرعية والثقة لكنها تتمتع بالقوة الصلبة ومستعدة لاستخدامها- فإن مواجهتها تصبح مجازفة كبيرة للغاية.

وتابعت المجلة أن القادة الصينيين يدركون أيضًا أن غزو تايوان أو فرض حصار على الجزيرة سيعطّل المبادلات التجارية ويزعزع الأسواق المالية ويضغط على سلاسل الشحن العالمي ويهدد العلاقات مع أسواق تصدير رئيسية، خصوصًا أوروبا واليابان، وهو سيناريو لا تحبّذه بكين على الإطلاق.
فرصة جديدة

ما من شك -حسب المجلة- أن بكين تسعى لإعادة تشكيل التوازنات في آسيا وضم تايوان وتقليص الضغوط الأمريكية، لكن بشكل تدريجي وغير مباشر. وتشمل هذه الأساليب الضغوط الاقتصادية، والتأثير السياسي، وتكتيكات "المنطقة الرمادية" كالتجسس السيبراني والتوسع البحري، مع البناء التدريجي لنظام مالي موازٍ للدولار.

اظهار أخبار متعلقة


وضمن هذه الاستراتيجية، تركز بكين على تراكم المكاسب دون زعزعة النظام القائم، لذلك لا يزال الرئيس شي يسعى لبناء علاقة عمل جيدة مع ترامب، لتستفيد الصين من وضع مستقر يمكن التنبؤ به، وتتجنب التعامل مع أمريكا متخبطة تتأرجح بين الحمائية التجارية، والمغامرات العسكرية، والارتجال الاستراتيجي.

وأشارت المجلة إلى أن قمة شي وترامب المرتقبة تمثل فرصة لبكين لإدارة صراع النفوذ عبر القنوات الدبلوماسية بدلاً من النزاعات العسكرية أو التجارية. ورغم غياب أجندة رسمية، يُتوقع أن تمدد القمة هدنة الحرب التجارية وتُدشن تقارباً أوسع بين البلدين.

وكانت حرب إيران قد أجبرت ترامب على تأجيل اللقاء الذي كان مقرراً في أواخر آذار/مارس، كلما طالت الحرب، ازدادت صعوبة استقرار العلاقات مع واشنطن بالنسبة لبكين، وتأخرت إمكانية تشكيل قواعد المنافسة المستقبلية، وفقًا للمجلة.
التعليقات (0)