فشل التحرك الدولي وسط ارتفاع الأسعار.. الحرب على إيران تهز التجارة العالمية

ثلث الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز - جيتي
ثلث الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز - جيتي
شارك الخبر
في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات متسارعة في سلاسل الإمداد الدولية بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تصاعدت الضغوط على منظمة التجارة العالمية بعد تعثر المفاوضات حول تمديد حظر الرسوم الجمركية على التجارة الرقمية.

الأزمة، التي تبدو في ظاهرها مسألة تقنية تتعلق بالرقمية، تعكس في الواقع صعوبة الحفاظ على استقرار النظام التجاري العالمي وسط تقلبات حادة في أسعار الطاقة وتعطل مرور البضائع الحيوية، من مضيق هرمز، فبينما تسعى الدول إلى حماية مصالحها الاقتصادية، أصبح التوتر الجيوسياسي والضغط على الأسواق العالمية عاملا حاسمًا ضاعف من أثار فشل الاتفاق على استمرار التجارة الرقمية الحرة، مما وضع المنظمة أمام تحد مزدوج بين تحديث قواعدها ومواجهة تأثيرات الأزمات العالمية.

وواجهت منظمة التجارة العالمية واحدة من أكثر اللحظات تحديا وصعوبة منذ تأسيسها، عندما عجزت الدول الأعضاء عن التوصل إلى اتفاق في محادثات القمة الوزارية الـ 14 المنعقدة في ياوندي، عاصمة الكاميرون، الاثنين.

وبحسب وكالة رويترز أنه على مدى أربعة أيام من المفاوضات، سعى ممثلو الدول إلى صياغة خطة إصلاح واسعة للمنظمة، بالإضافة إلى تمديد الاتفاقية التي تسمح للتجارة الرقمية بالعمل دون فرض رسوم جمركية على المعاملات الإلكترونية، مثل تحميل البيانات أو البث الرقمي، إلا أن المحادثات انتهت دون توافق، في مؤشر واضح على الانقسامات العميقة بين الدول الأعضاء حول مستقبل النظام التجاري الدولي.

قالت مصادر دبلوماسية للوكالة خلال الاجتماع إن البرازيل قادت المعارضة ضد تمديد حظر الرسوم الجمركية على التجارة الرقمية، وهو ما أعاق محاولات الولايات المتحدة ودول أخرى لإقرار تمديد طويل الأمد للاتفاقية، في خطوة كانت ترى فيها عدد من القوى الصناعية حجر أساس لاستقرار التجارة الرقمية العالمية.

تعطل سلاسل الإمداد وتأثيرات الحرب على التجارة

في الوقت الذي كانت فيه منظمة التجارة العالمية تحاول التوصل إلى توافق حول مستقبل التجارة الرقمية، كانت سلاسل الإمداد العالمية تعاني بالفعل من اضطراب كبير بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

أظهر تقرير من الأمم المتحدة أن حركة السفن في مضيق هرمز الذي يعد الممر البحري الذي يمر عبره ما يقرب من 20‑25 بالمئة من تجارة النفط العالمية وكمية كبيرة من الغاز، فضلاً عن سلع حيوية أخرى، انخفض بشكل كبير منذ اندلاع الحرب، ما أثر على حركة البضائع والبترول والأسمدة والمواد الأساسية.

اظهار أخبار متعلقة


وقد أظهر التقرير أن حركة الشحن انخفضت من حوالي 130 سفينة يوميا قبل الأزمة إلى أعداد قليلة جدًا خلال الأسابيع الأولى من التعطل، أي انخفاض بأكثر من 95 بالمئة، مما أعاق تدفق النفط الخام والغاز والمواد الخام المرتبطة بالإنتاج الزراعي والصناعي.



وانعكس هذا الانخفاض مباشرة على ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، حيث أشار مركز بحثي مستقل إلى أن الإغلاق المادي أو شبه الإغلاق للمضيق ــ حتى لو لم يكن رسميًا ــ أدى إلى ارتفاع خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وهو مستوى لم يُشهد منذ سنوات، مما زاد من تكاليف الإنتاج والنقل على مستوى العالم.

تأثير الانخفاض في حركة الشحن على السلع الأساسية

تجاوز تأثير تعطل تدفق النفط والغاز ليطال سلعًا حيوية أخرى يعتمد العالم على مرورها عبر مضيق هرمز. تمثل هذه السلعة، مثل الأسمدة الأساسية في الإنتاج الزراعي، جزءًا هامًا من سلاسل الإمداد الغذائية التي تغذي الأسواق العالمية.

وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، تمر نحو ثلث الأسمدة العالمية بما فيها اليوريا والفوسفات والأمونيا عبر مضيق هرمز، توقف أو حتى تباطؤ مرور هذه الشحنات أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة، ما أثار مخاوف من تراجع الإنتاج الزراعي في مواسم الزراعة، خاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية خلال شهري أذار / مارس ونيسان/ أبريل.

وبحسب تقرير لشبكة الـ"بي بي سي" يمتد هذا التأثير أيضًا إلى السلع الصناعية ذات الصلة، حيث يعتمد إنتاج غاز الهيليوم، المستخدم في تصنيع الرقائق الإلكترونية والطبية (مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي)، على الغاز الطبيعي الذي ينقل عادة عبر المضيق، مما يهدد سلاسل إنتاجية حساسة في قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية.

وأشارت بيانات حديثة إلى أن حوالي ثلث شحنات الهيليوم العالمية تأتي من قطر عبر هذا الطريق المائي الحيوي، ما يثير مخاوف من زيادة أسعار الإلكترونيات والخدمات المرتبطة بها.

الاتفاقية الرقمية وحجم الأزمة

ويعد النزاع حول اتفاقية التجارة الرقمية ليس مجرد خلاف فقهي بين الدول، بل يمس جوهر سياسات التجارة في العصر الرقمي، حيث أن الاتفاقية التي أقرت للمرة الأولى عام 1998 داخل منظمة التجارة العالمية تهدف إلى منع فرض رسوم جمركية على المعاملات الرقمية العابرة للحدود، مثل تنزيل البرمجيات، الموسيقى، الأفلام، والتطبيقات، ما يدعم توسع الاقتصاد الرقمي ويقلل تكلفة التجارة الدولية.

اظهار أخبار متعلقة


ومع مضي السنوات، أصبحت الاتفاقية تجدد دوريًا في المؤتمرات الوزارية كل سنتين، وكان آخر تمديد لها في 2024، في قمة ياوندي، كان من المتوقع أن تتفق الدول على تمديد جديد، لكن التفاصيل الدقيقة للمفاوضات أظهرت تباينًا حادًا حول طول مدة التمديد وشروطه، ما دفع بعض الدول إلى الاعتراض كجزء من مطالب أكبر تتعلق بتحصيل عائدات جمركية يمكن استخدامها في تمويل التنمية والبنية التحتية في الدول النامية.


هذا الانقسام يعكس توترًا أوسع بين الدول المتقدمة والنامية، حيث يرى بعض المفاوضين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن تمديد الاتفاقية يجب أن يكون طويل الأمد لضمان بيئة تجارة رقمية مستقرة ومفتوحة، بينما ترى دول نامية أن هذا يحدّ من قدرتها على فرض ضرائب واستفادة اقتصادية من هذه التجارة، ما يجعل المفاوضات مسألة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية.

انعكاسات التعثر على نظام التجارة العالمي

ويترك يعد فشل المفاوضات في ياوندي والتوترات حول التجارة الرقمية آثارا واسعة على الثقة في النظام التجاري متعدد الأطراف، حيث وصف مسؤولون تجاريون بحسب رويترز فشل الاتفاق بشأن تمديد حظر الرسوم الجمركية على التجارة الرقمية بأنه "ضربة جديدة" لفعالية المنظمة، في ظل صعود النزعات الحمائية لدى عدد من الدول التي تسعى لحماية صناعاتها وأسواقها المحلية بدلًا من دعم الانفتاح التجاري الكامل.

وأشار المدير العام للمنظمة إلى أن الموريتوريوم قد انتهى رسميًا في ظل فشل المفاوضات، ما قد يتيح فرصًا لبعض الدول لفرض رسوم جمركية على عمليات التجارة الرقمية إذا لم يتم الاتفاق على تمديده في جولات قادمة.

وهذا الخلاف لا يتعلق فقط بالتجارة الرقمية، بل يعكس تغيرا أوسع في وجهات النظر حول دور المنظمة، فبينما تدعو دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إصلاحات عميقة تشمل تحديث القواعد وتحسين تسوية النزاعات، توجهت بعض الدول الأخرى إلى التركيز على اتفاقيات إقليمية أو ثنائية كبدائل محتملة في حال فشلت المنظمة في الاستجابة للتحديات الراهنة.

الدور العالمي والمحاولات الإصلاحية المتوقعة

على الرغم من الإحباط الناتج عن محادثات ياوندي اليوم الاثنين، إلا أن جهود إصلاح منظمة التجارة العالمية لم تتوقف، حيث أشارت تقارير إلى أن المناقشات التي لم تنتهِ ستستمر في جنيف في أيار / مايو القادم، مع تركيز جديد على تحديث قواعد الدعم، تبسيط إجراءات تسوية النزاعات، وتعزيز الشفافية في آليات التجارة العالمية.

ويرى محللون أن هذه المناقشات قد تفضي في النهاية إلى خطة إصلاح أكثر شمولًا تعالج ليس فقط قضايا التجارة الرقمية، بل أيضًا المرونة في مواجهة الأزمات العالمية مثل اضطراب سلاسل الإمداد نتيجة الصراعات الجيوسياسية.

ارتفاع الأسعار وتأثيرها على الأسواق

لم تقتصر تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على تعطل سلاسل الإمداد العالمية، بل امتدت لتطال الأسعار اليومية للمستهلكين حول العالم، من الطاقة إلى الغذاء والتكنولوجيا والأدوية.

فقد ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، ما انعكس على فواتير الوقود والطاقة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، كما أدى تباطؤ مرور البضائع الأساسية مثل الأسمدة إلى زيادة تكاليف الغذاء، بينما ارتفعت أسعار الرقائق الإلكترونية والغاز المستخدم في التصنيع الطبي، ما أثر على الأجهزة الطبية والإلكترونيات.

وتعتبر مصر نموذجًا واقعيًا لتأثير هذه الأزمة على الاقتصاد والمواطنين، حيث أظهرت صحيفة فاينانشال تايمز أن الحكومة اضطرت إلى فرض إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة، منها إطفاء لوحات الإعلانات وإغلاق المباني الحكومية والمحال التجارية مبكرًا، نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد الغاز الطبيعي من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا بعد اندلاع الحرب، هذا الارتفاع في التكاليف انعكس على العملة المحلية، التي تراجعت بنحو 10 بالمئة مقابل الدولار، وزاد من الضغوط على المواطنين الذين تعجز دخولهم عن مجاراة الارتفاع المستمر للأسعار.



كما رفعت الحكومة أسعار الوقود المدعوم بنسب تتراوح بين 12 و22 بالمئة للمساعدة في خفض فاتورة الدعم، فيما يسعى الموظفون والقطاعات المختلفة إلى التكيف مع واقع ارتفاع الأسعار وتأجيل بعض المشاريع الحيوية. وفي هذا السياق، يوضح خبراء الاقتصاد أن الأزمة لم تؤثر فقط على الوقود، بل امتدت إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، ما يبرز البعد البشري للأزمة وارتباطها المباشر بحياة الناس اليومية وسوق المستهلك المحلي والدولي.
التعليقات (0)