نشرت مجلة "فورين بوليسي"
تقريراً تناولت فيه تآكل المصداقية الأمريكية، معتبرة "خطوط
ترامب الحمراء" تجاه
إيران بلا قيمة. وقد حول تراجع ترامب عن التهديدات العسكرية السياسة الخارجية إلى "سيرك من الفوضى"، مما أضعف هيبة واشنطن أمام خصوم يرفضون الانصياع لقواعده، مشيراً إلى أن تذبذب مواقفه بدّد رصيداً استراتيجياً بُني عبر عقود.
وأشارت المجلة، في تقريرها الذي ترجمتها "عربي 21"، إلى أنه في السنوات التي تلت رئاسة باراك أوباما، ساد اعتقاد بأن أحد أبرز أخطائه في السياسة الخارجية تمثل في "الخط الأحمر" السوري؛ حيث هدد بمهاجمة سوريا حال استخدامها أسلحة كيميائية، لكنه تراجع عند ثبوت استخدامها محيلاً القرار إلى الكونجرس الذي رفض التدخل.
وأوضحت المجلة أن دونالد ترامب وصف ذلك التراجع حينها بـ"الكارثة"، فيما اعتبره السيناتور- حينها- ماركو روبيو ضررًا بسمعة الأجيال، ووصفه بيت هيغسيث بأنه جزء من "متاهة غير متماسكة" للسياسة الخارجية، بينما رأى السيناتور ليندسي غراهام أن تجاهل أوباما لخطه الأحمر أهدر المصداقية الأمريكية عالميًّا.
وأفادت المجلة أن تذبذب أوباما يبدو نموذجاً لصناعة السياسات المتأنية مقارنة بما يحدث منذ بدء
الحرب الإيرانية. ففي الأسبوع الماضي، هدد ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بضرب ومحو محطات الطاقة الإيرانية، بدءاً بأكبرها، إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز بالكامل ودون تهديد خلال 48 ساعة.
وأضافت المجلة إن إيران رفضت الانصياع لهذا التهديد وواصلت هجماتها وإغلاق المضيق، ليكون رد فعل ترامب هو التراجع السريع وإعلان تأجيل أي عمل عسكري ضد البنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام، مدعياً - بشكل مفاجئ - انخراط واشنطن وطهران في "محادثات مثمرة" للحل الشامل، وهو ما نفاه الإيرانيون جملة وتفصيلاً، قبل أن يعود ترامب ليمدد فترة "الهدنة" لأسبوع ونصف إضافي.
وأوضحت المجلة أنه بات من الجلي أن تصريحات ترامب لا تؤخذ على محمل الجد؛ فسواء هدد برفع التعريفات الجمركية إلى 130 بالمئة أو بتفجير أكبر حقل غاز إيراني، فإن هذه التصريحات لا تحمل وزناً فعلياً، إذ قد تظل "سياسة رسمية" ليوم أو أسبوع ثم تتبدل تماماً، تماماً كما فعل حين أعلن أن الحرب "انتهت تقريباً"، ثم صرح في ذات اليوم بأن "النصر لم يكتمل" وأنه لن يتراجع حتى الهزيمة الحاسمة للعدو. كما قال إنه وافق على التفاوض مع قادة إيران لكنه لم يتمكن لأنهم يُقتلون باستمرار؛ مع أن جيشه (وجيش إسرائيل) هو من يقوم بالقتل. هل اتضح الأمر الآن؟
اظهار أخبار متعلقة
وقالت المجلة إن أنصار ترامب يبررون هذا التناقض بأنه "عبقرية إستراتيجية" تهدف لإبقاء الجميع في حالة ترقب، إلا أن السياسة تتبدل لأسباب متنوعة؛ كنزيف البورصة أو تلقي ترامب للمديح والذهب.
وأوضحت المجلة أن القوة الخارقة لترامب تكمن في قدرته على تغيير موقفه فجأة، مدعوماً بقاعدة شعبية تتقبل كل ما يطرحه، حتى أن أتباعه في حركة "ماغا" الذين عارضوا حروب الشرق الأوسط سابقاً، باتوا الآن يؤمنون بهذه الحرب بحماس شديد.
وأشارت المجلة إلى أن ترامب، رغم رغبته المعلنة في إنهاء العدائيات، يواجه معضلة هذه المرة؛ فهو لا يستطيع وقف ما بدأه، فإيران تملك حق "التصويت" أيضاً، وهي تصوت حالياً لصالح استمرار القتال، مراهنةً على قدرتها العسكرية لإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي والولايات المتحدة رغم ضعفها.
وتابعت المجلة أن العالم لم يعد يرى شيئاً يسمى "المصداقية الأمريكية"، بل مجرد "برنامج واقعي" غريب يراوغ فيه البطل للخروج من أزمات اليوم التي تسبب بها كلامه بالأمس. فقبل تهديده بمحو محطات الطاقة الإيرانية، زعم ترامب أن واشنطن تدرس "تقليص" عملياتها، ملمحاً إلى أن حماية مضيق هرمز ليست مشكلته، قبل أن يعود ويؤكد لاحقاً عدم حاجته لمساعدة أي دولة أخرى.
واختتمتت المجلة بأن ترامب اعتاد المقامرة بالقوة الأمريكية الهائلة لمعاقبة خصومه ومكافأة الموالين له، مهدرًا مصداقية بُنيت عبر عقود من أجل مكاسب قصيرة المدى -تخدم أحياناً مصالح عائلته التجارية- لكنه في إيران واجه خصماً يرفض اللعب وفق قواعده.