ألمانيا تقطع شريان "أمان اللاجئين".. وقف دعم مراكز الاستشارة يهدد طالبي اللجوء

التحول سيؤثر بشكل مباشر على استقرار اللاجئين - جيتي
التحول سيؤثر بشكل مباشر على استقرار اللاجئين - جيتي
شارك الخبر
تتصاعد المخاوف في ألمانيا من تداعيات خطة حكومية لوقف تمويل الاستشارات المستقلة لطالبي اللجوء، في خطوة قد تعيد تشكيل منظومة الدعم القانوني والاجتماعي للمهاجرين، وتثير جدلا واسعا بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني حول مستقبل حقوق اللاجئين في البلاد.

وتأتي هذه الخطوة ضمن نقاشات إعداد الموازنة العامة، حيث كشفت تقارير إعلامية ألمانية أن وزارة الداخلية الاتحادية تتجه إلى إلغاء التمويل المخصص لمراكز الاستشارة التي تديرها منظمات غير حكومية، بدءًا من العام المقبل، وهو ما قد يؤدي إلى إغلاق عدد كبير من هذه المراكز أو تقليص خدماتها بشكل حاد.

تحول في فلسفة التعامل مع طالبي اللجوء

منذ عام 2023، اعتمدت ألمانيا نموذجا جديدا يقوم على تمويل الدولة لخدمات استشارية تقدمها جهات مستقلة، بدلا من الاكتفاء بالدور الحكومي المباشر عبر المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين.

وجاء هذا التحول حينها استجابة لانتقادات تتعلق بتضارب المصالح، إذ كانت الجهة التي تقدم المشورة هي نفسها التي تبتّ في طلبات اللجوء، ما أثار شكوكا حول حيادية الإرشاد القانوني المقدم لطالبي الحماية.

لكن مع التوجه الحالي لإلغاء التمويل، يبدو أن الحكومة تعيد النظر في هذا النموذج، وسط تبريرات غير معلنة بشكل كامل، لكنها ترتبط وفق مراقبين باعتبارات مالية وسياسية، إضافة إلى تصاعد الجدل حول سياسات الهجرة في أوروبا.

خدمات حيوية مهددة بالاختفاء

تشكل مراكز الاستشارات المستقلة حلقة أساسية في رحلة اللجوء داخل ألمانيا، حيث لا يقتصر دورها على تقديم معلومات قانونية، بل يمتد إلى دعم نفسي واجتماعي، ومساعدة اللاجئين في فهم الإجراءات المعقدة، والتحضير لجلسات الاستماع، والتعامل مع تفاصيل الحياة اليومية في بلد جديد.

وتعتمد هذه المراكز، التي تديرها منظمات مثل "دياكوني" و"كاريتاس"، على تمويل حكومي يقدر بنحو 25 مليون يورو سنويًا، وهو ما يتيح تقديم خدمات مجانية لآلاف طالبي اللجوء.

غير أن هذا التمويل بات مهددا بالإلغاء، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات صعبة، من بينها توقف خدمات بالكامل أو انتقالها إلى نماذج مدفوعة، وهو ما قد يثقل كاهل اللاجئين بتكاليف إضافية.

مخاوف من إبطاء الإجراءات بدل تسريعها


رغم أن بعض التوجهات الحكومية تطرح تقليص التمويل في سياق تحسين كفاءة النظام، إلا أن منظمات حقوقية ترى العكس، محذرة من أن غياب الاستشارات المستقلة قد يؤدي إلى إطالة أمد الإجراءات بدلا من تسريعها.

وأشارت هذه المنظمات إلى أن اللاجئ الذي لا يحصل على توجيه قانوني صحيح قد يرتكب أخطاء في ملفه، أو يفشل في تقديم الأدلة بشكل مناسب، ما يؤدي إلى رفض طلبه أو تأخير البت فيه، وبالتالي زيادة الضغط على النظام القضائي بدل تخفيفه.

تقليص الخدمات يخلق حالة من الضياع والتوتر

في هذا السياق، حذّرت الحقوقية مها زيدان من تداعيات القرار على اللاجئين، مؤكدة أن وجود هذه المنظمات "ليس رفاهية، بل عنصر أساسي في توفير الأمان والثقة".

وقالت زيدان في تصريحات خاصة لـ" عربي21" إن "تواجد المنظمات التي تعتني بشؤون اللاجئين من مختلف الجوانب يمنحهم شعورا بالاستقرار والأمان خلال تقديم ملفاتهم لاستقرار حياتهم بعد سنوات من عدم الاستقرار لظروف مختلفة، بينما يؤدي تقليص هذه الخدمات إلى حالة من الحيرة والارتباك".

وأضافت الحقوقية أن اللاجئين يواجهون بيئة مختلفة تماما عن بلدانهم الأصلية، ما يجعلهم في حاجة دائمة إلى من يوجههم ويفسر لهم القوانين والإجراءات، موضحة أن هذه المراكز تلعب دورا محوريا في إرشادهم إلى الجهات المختصة وتقديم الدعم المناسب لكل حالة.

اظهار أخبار متعلقة


وأشارت إلى أن حتى العاملين في المجال، مثل المترجمين، يعتمدون على هذه المؤسسات لتوجيه اللاجئين، قائلة: "في كثير من الأحيان لا أستطيع تقديم النصيحة بنفسي، فألجأ إلى هذه المراكز لأنها تملك الخبرة وتعطي معلومات دقيقة وعناوين وأرقام تواصل".

عبء مالي جديد على اللاجئين

واعتبرت زيدان أن أخطر ما في القرار هو أنه لا يلغي الحق في الاستشارة القانونية، لكنه يقلّص الوصول إليها، وهو ما وصفته بأنه "تغيير في طريقة تقديم الحق وليس إلغاءه".

وأضافت أن تقليص الخدمات المجانية سيدفع اللاجئين إلى اللجوء للمحامين، وهو ما يعني تكاليف مرتفعة لا يستطيع كثيرون تحملها، قائلة: "المحامي سيقوم بالدور، لكن ليس مجانا، بل بتكاليف باهظة".

وأكدت أن هذا التحول سيؤثر بشكل مباشر على استقرار اللاجئين، وقد ينعكس حتى على رغبتهم في البقاء، في ظل تراجع الدعم الذي كانوا يعتمدون عليه في بداية حياتهم داخل أوروبا.

تأثيرات محتملة على قرارات اللجوء

لا تقتصر تداعيات القرار على الجانب المالي أو النفسي، بل تمتد إلى جوهر عملية اللجوء نفسها، حيث قد يؤدي ضعف الاستشارة إلى تراجع فرص قبول الطلبات.

وتشير بيانات غير رسمية إلى أن نسب الاعتراف ببعض طلبات اللجوء شهدت تراجعًا في السنوات الأخيرة، وهو ما يزيد من أهمية وجود دعم قانوني متخصص يساعد المتقدمين على تقديم ملفات قوية.

وفي هذا السياق، ترى منظمات حقوقية أن الاستشارات المستقلة تمثل "صمام أمان" يضمن عدالة الإجراءات، ويمنع وقوع أخطاء قد تكون مصيرية بالنسبة لطالب اللجوء.

بين الحقوق القانونية والواقع العملي


رغم أن القانون الألماني يضمن لطالبي اللجوء الحق في الحصول على استشارات قانونية، إلا أن تطبيق هذا الحق على أرض الواقع يعتمد بشكل كبير على وجود خدمات متاحة وسهلة الوصول.

وهنا تكمن الإشكالية، إذ إن تقليص التمويل لا يلغي الحق، لكنه يجعل الوصول إليه أكثر صعوبة، خاصة للفئات الأكثر ضعفًا، مثل القادمين الجدد أو من لا يجيدون اللغة.

يرى رئيس منظمة دياكوني ألمانيا، رودغير شُوخ، أن قرار الحكومة بإلغاء تمويل الاستشارات المستقلة يمثل خطوة خاطئة قد تعكس تناقضًا مع الهدف المعلن للحكومة حول تحسين تنظيم إجراءات الهجرة، موضحا أن توقف هذه الخدمات سيؤدي إلى إطالة أمد معالجة طلبات اللجوء بدلاً من تسريعها، وهو ما يتعارض مع مصلحة النظام ويمثل عبئًا إضافيًا على طالبي الحماية.

اظهار أخبار متعلقة


ويؤكد المجلس الاستشاري لشؤون اللاجئين في ولاية هيسن أن الحاجة إلى الاستشارات المستقلة آخذة في الارتفاع، خصوصًا بعد الانخفاض الكبير في نسب الاعتراف بطلبات اللجوء خلال العام الماضي. فعلى سبيل المثال، تراجعت نسبة منح الحماية للسوريين من كامل الطلبات في 2024 إلى خمسة بالمئة فقط في العام التالي، بينما انخفضت نسب الاعتراف بطلبات الرجال الأفغان من 90 بالمئة إلى 16 بالمئة خلال فترة قصيرة.

وفي مدينة أوغسبورغ، قد تضطر مراكز دياكوني لتوقف خدماتها المقدمة لحوالي 900 طالب لجوء، بحسب سيمون فيل أوشوالد، ما يعني فقدان اللاجئين للدعم المكثف الذي كانوا يحصلون عليه طوال العملية. وتشمل هذه الاستشارات مواضيع حساسة مثل التوجه الجنسي، الصدمات النفسية، والعنف خلال رحلة الهروب، إضافة إلى تقييم فرص نجاح الطلبات والإرشاد حول المسارات القانونية الممكنة، وهي خدمات يصعب على المنظمة تمويلها بشكل كامل دون دعم حكومي.
التعليقات (0)