في خضم الأحداث المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط جرّاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، تبادلت
السعودية وأطراف عراقية الاتهامات عبر وسائل الإعلام، الأمر الذي يضع العلاقة بين البلدين أمام تحدٍ حقيقي بعد مرور عقد على تحسنها.
ووصف وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، قوات
الحشد الشعبي بأنها "مليشيات صنعتها إيران حتى تصادر القرار في
العراق، وأنها اليوم باتت تستهدف العراق نفسه"، وذلك خلال مؤتمر صحفي في الرياض أعقب اجتماعا تشاوريا لوزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية.
اظهار أخبار متعلقة
"تلاسن ظرفي"
تعليقا على ذلك، قال المحلل السياسي العراقي، غانم العابد إن "الاستهدافات العسكرية هي التي توتر الأوضاع أكثر من التصريحات الإعلامية، وأن هناك بعض الشخصيات الرسمية وغير الرسمية في منطقة الخليج لا تفرق بين الفصائل المنفلتة وبين الحشد الشعبي".
وأضاف العابد لـ"عربي21" أن "عدم التفريق بين قوات الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، باعتبار أن الأخيرة منضوية ضمن الأولى، لذلك يعتقدون أن كل منظومة الحشد عبارة عن مليشيات، وأن هذا الخلط هو الذي يتسبب التوترات".
وأوضح أن "السعودية تتعرض اليوم إلى ضربات من إيران وحلفائها وهذا تسبب لها بأضرار اقتصادية مثل باقي دول الخليج التي أدخلت إلى الصراع القائم حاليا، لكن مع هذا فإن تصريحات الوزير السعودي ظرفية مرتبطة بالحدث ولا تنسحب على العلاقات بين البلدين".
ورأى العابد أنه "عندما لا يكون الرد العراقي صادرا من الجهات الرسمية مثل وزارة الخارجية، فإن الأمر يبقى ضمن التلاسن الإعلامي لا أكثر، وأنه لا ينتج عنه أي توتر في العلاقة بين السعودية والعراق، لذلك لم يحصل استدعاء السفراء في البلدين وتسليم كل طرف للآخر احتجاجا رسميا".
وأعرب الخبير العراقي عن اعتقاده أن "الأمر انتهى في يومه بعد تصريحات وزير الخارجية السعودي والرد عليها من هيئة الحشد الشعبي، لذلك لم نر في اليوم التالي أي أصداء للموضوع على اعتبار أن ما تمر به المنطقة من أحداث أكبر من التلاسن الإعلامي الذي حصل".
وفي خطوة فسرها البعض بأنها رد على الوزير السعودي، زار رئيس الحكومة العراقية محمد شياع
السوداني، مقر هيئة الحشد الشعبي، الخميس الماضي، مشيدا بـ"دوره وتضحياته التي أسهمت بحماية العراق وتعزيز سيادته"، مؤكدا "دعمه الكامل لهذه القوة الأساسية ضمن قواتنا الأمنية".
وقال السوداني في بيان إن "اتهام الحشد الشعبي، بالقيام بأعمال خارج إطار الدولة والقانون هو اتهام ينمّ إما عن جهل أو يمثل تضليلاً مقصودا، له أهدافه"، مشيرا إلى أنه "الحشد الشعبي، يمثل اليوم قوة أساسية تعمل تحت سقف الدستور والقانون، وتلتزم بالأوامر العليا الصادرة عن الجهات الرسمية".
"غياب الفصل"
من جهته، قال الباحث في السياسات الاستراتيجية العراقية الإقليمية، كاظم ياور إن "هنا التباس خارجي حول الحشد الشعبي، وأن الدبلوماسية العراقية وحتى الوزراء الأمنيين لم ينجحوا في التسويق لهذه المؤسسة فيما إذا كانت هي تحت السيطرة الفعلية للحكومة مثل وزارتي الدفاع والداخلية".
وأكد ياور لـ"عربي21" أن "الحكومة العراقية تصرح بنفسها أحيانا بأن هناك فصائل تعمل خارج إطار الدولة وتقوم بأعمال تعارض القانون، بل أحيانا توصف بأنها أعمال إجرامية، كما وصفها مؤخرا رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وأكد أن عقوبتها الإعدام خصوصا استهداف البعثات الدبلوماسية".
وأشار إلى أنه "عندما لم يحصل أي تمييز بين الحشد الشعبي وبين الفصائل المسلحة في وجهة النظر الخارجية العراقية، بالتالي يحصل التباس وتأتي تصريحات من أي دولة كما حصل من وزير الخارجية السعودي، في سياق حديثه عن خرق إيران والموالين لها لقوانين ومواثيق الأمم المتحدة وحسن الجوار".
وتابع: "إذا حصل تمييز بين الحشد الشعبي كمؤسسة رسمية تابعة لرئيس الوزراء وبين الفصائل التي تنضوي ضمن هذه المؤسسة وتتلقى الرواتب من الدولة العراقية، حينها لا يبقى أمام وزير الخارجية السعودي أو غيره أي عذر في عدم التمييز بين هذه الجهات".
ولفت إلى أن "الجماعات المسلحة تمارس أعمالا مسلحة في بغداد ومحافظات أخرى بمسافة لا تبعد عن قوات الجيش سوى بضعة مئات من الأمتار، وتستخدم موارد الدولة لإطلاق مسيرات تستهدف البعثات الدبلوماسية، ما عدا الأضرار التي لحقت بمنشآت طاقة لدول خليجية بضربات يُعتقد أنها انطلقت من العراق.
وعن مدى تأثير تصريحات الوزير السعودي على العلاقة بين الرياض وبغداد، قال ياور إن "خطوات الحكومة العراقية للرد لن تتجاوز التصريحات والبينات، ولم تصل إلى استدعاء السفير وتقدم احتجاجات رسمية، لأن هذه الجماعات تعمل في داخل العراق ولا توجد سيطرة حكومية عليها".
وأشار ياور إلى أن "هناك تداخل في المؤسسات التشريعية والعمل الحزبية والعسكري في العراق تجاه كل الأحداث الحاصلة حاليا، وهناك تأثير للخطاب الفصائلي على المشهد السياسي داخل البرلمان تنسجم وتتناغم مع كل ما يحدث خارج المؤسسات التشريعية العراقية".
واستبعد الباحث أن "تأخذ الحكومة العراقية دور المحامي على الفصائل التي هي تصفها بأنها خارجة على القانون وتستهدف البنى التحتية في مناطق متفرقة من العراق، إضافة إلى ضربها للبعثات الدبلوماسية، لذلك فإن هذه الممارسات كافية ألا تتحرك الحكومة بشكل تعتبر فيه هذه الفصائل ضمن السيادة العراقية".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد ياور أن "الحكومة تحاول أن تبتعد عن أعمال الفصائل، وعدم الالتصاق بها حتى لا يحدث استشعار للدول بأن قرار الحرب والسلم في العراق خاضع لتأثيرات هذه الجماعات، التي في الليل تسمى فصائل ونهارا يطلق على بعضها حشد شعبي رغم أن الأخيرة مؤسسة رسمية مرتبطة برئاسة الوزراء".
وخلص الباحث العراقي إلى أنه "لا توجد تقارير حكومية في العراق تثبت أن كل من ينتسب للحشد الشعبي مسيطر عليه بشكل كامل، وأن الفصائل المسلحة ليست جزءا من منظومة الحشد الرسمية، بل إنهم جهات خارجة عن القانون، بالتالي لا يوجد أي فصل واضح في هذا الملف".