يقترب شهر
رمضان من النهاية، وتصحبه عدة
أسئلة وإشكالات تطرح في المجتمعات المسلمة، سواء كانت في بلدان عربية أو غربية،
سواء فيما يتعلق برؤية هلال العيد، أو زكاة الفطر، هل يخرجها الناس قيمة مالية، أم
لا بد أن تكون حبوبا؟ وفيما يتعلق بهلال رمضان هل نتبع ما يستقر عليه المجالس
الإسلامية في البلاد الغربية، أم نتبع هلال دول عربية لسنا مقيمين فيها؟ وماذا
يفعل من بدأ رمضان في بلد وختم صيامه في بلد آخر، إذا اختلفت رؤية كل من البلدين
من يتبع؟ وماذا يفعل لو كان صومه في البلد الذي يأتي فيه العيد قد زاد عن الشهر؟
وماذا نفعل إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، هل نصليهما، أم يكتفى بصلاة
أحدهما؟ ومن يقرر ذلك في جل هذه المسائل؟
فرض علينا طرح هذه المسائل بشكل سريع وعاجل،
لأنها مسائل باتت تهم جل المسلمين في هذا العام، وكثير منها يهمهم في كل عام،
وتثار في مناسبات ثابتة، ومهما أجبنا الناس بجواب يريح ضمائرهم، ويسكن نفوسهم من
أداء عبادتهم، لكنها لا تزال تثار، وليست المشكلة في إثارتها، بل المشكلة في فرض
رأي واحد على الناس، وسوف نجيب عنها سريعا، لمن أراد الجواب الذي يطمئن إليه في جل
هذه المسائل.
إشكالات رؤية هلال رمضان والعيد
أما عن الرؤية المتعلقة بأول رمضان، وهلال
العيد، فالأمر هنا موكول للجهات المختصة، التي تملك الوسائل التي يمكنها بها تحديد
ذلك، والأمر معلق في رقبتها، فإذا ما اقتنع شخص برؤية بلد تختلف عن رؤية البلد
المقيم فيها، فلا يملك الإعلان بذلك، بل يمارس ذلك بصفة فردية، دون الإعلان، حتى
لا يحدث بلبلة بين الناس، والموكل بهذا الأمر في الجاليات الإسلامية: المراكز
والمؤسسات المعنية بشؤون المسلمين، فعليهم أن يتحروا الأمر.
ليست مشكلة هذه المسائل في طرحها من باب التفقه والبحث، بل المشكلة أن من يطرحونها لا يطرحون إلا رأيا واحدا، هو ما يقتنعون به، ولا يرغبون في وجود أي رأي فقهي آخر، وهنا تكمن الخطورة في مثل هذه التوجهات، لأنها تلغي مساحة من الخلاف الفقهي أسس وقعد لها الشرع وعلماؤه على مدار قرون، عبر مدارس فقهية عريقة، ولو أن الناس لجأوا لإجابة أسئلتهم لمن رزقهم الله ملكة التفقه والبحث، مع رؤية عاقلة لجمع الأمة ووحدتها، لضاقت مساحة الافتراق والشقاق التي تشيع كل عام للأسف.
أما عن جواب السؤال المتعلق بمن بدأ بصيام
رمضان في بلد بدأ رمضان في يوم معين، ثم نزل بلدا آخر، ليكمل فيه رمضان، ويدخل
عليه العيد فيه، وتختلف رؤية البلدين، فماذا يفعل؟ هنا الموقف
الفقهي يطالبه بأن
يتبع البلد الذي استقر فيه وجاءه يوم العيد فيه، وعليه أن يحسب مجموع ما صامه في
البلدين، فإن كان المجموع ثمانية وعشرين يوما، يلزمه صيام يوم بعد أن يفطر مع
الناس يوم العيد، حتى لا يكون مخالفا، فإن كان مجموع ما صامه بلغ تسعا وعشرين
يوما، فيفطر مع البلد الذي فيه، ولا يقضي أي يوم آخر، ومن صام ثلاثين، فهو نفس
الحكم.
والإشكال هنا فيمن بدأ بالصيام في بلد،
وأكمل في بلد، وسيكون مجموع الأيام أكثر من ثلاثين يوما، فهنا عليه أن يكتفي بصيام
الثلاثين، وما زاد عن ذلك يفطر، ولكن دون إعلان بين الناس أو مجاهرة بذلك، حتى لا
يحدث فتنة أو بلبلة بين الناس، فهو حكم خاص به، وليس عاما لكل الناس.
زكاة الفطر مال أم حبوب؟
أما عن زكاة الفطر، فالأمر فيه سعة، وليس
كما يضيق بعض أهل التشدد، فمن أخرجها مالا، فلا حرج عليه، فقد اتبع رأيا فقهيا
مبنيا على اعتبارات مهمة من الشرع ومقاصده، ومن أخرجها حبوبا فلا حرج عليه، وقد
اتبع رأي جمهور الفقهاء، والناظر إلى حكمة الزكاة، والتي بينها الشارع بقوله:
"اغنوهم (أي المساكين) في هذا اليوم عن السؤال".
فالمقصود هنا إغناء الفقراء والمساكين في
يوم العيد عن السؤال والحاجة، والإغناء يتحقق بما يراعي حالة الفقير، ففي أماكن
حاجة الناس للطعام أكثر من المال، وهو ما نجده في مناطق مثل: غزة، فالمال ليس حاجة
ملحة بنفس حاجة الطعام والكساء والدواء والشراب، وفي بلدان أخرى يكون المال أهم
للفقير، لأنه به يجلب ما يحتاج، وليس من الفقه والبصيرة الفقهية الإنكار على أحد
الرأيين.
اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد
أما عن زكاة الفطر، فالأمر فيه سعة، وليس كما يضيق بعض أهل التشدد، فمن أخرجها مالا، فلا حرج عليه، فقد اتبع رأيا فقهيا مبنيا على اعتبارات مهمة من الشرع ومقاصده، ومن أخرجها حبوبا فلا حرج عليه، وقد اتبع رأي جمهور الفقهاء، والناظر إلى حكمة الزكاة، والتي بينها الشارع بقوله: "اغنوهم (أي المساكين) في هذا اليوم عن السؤال".
تتكرر هذه المسألة، لأن كثيرا ما يأتي العيد
في يوم الجمعة، ويتفق هنا عيد وجمعة، صلاة في الصباح وصلاة في الظهيرة، وفي كليهما
خطبة، فماذا نفعل في هذه الحالة، اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فمنهم من رأى وجوب
صلاتهما، فليس للإنسان أن يدع إحداهما، ومن الفقهاء من رأى أن الجمعة في حد ذاتها
عيد، فمن صلى العيد وحضر خطبتها، فله أن يدع صلاة الجمعة، ويصلي الظهر أربع ركعات،
وعلل أصحاب الرأي ما ذهبوا إليه بأنهم إذا قعدوا في البلد بعد صلاة العيد إلى صلاة
الجمعة… فاتتهم لذة العيد، وإن راحوا بعد صلاة العيد إلى منازلهم، ثم رجعوا لصلاة
الجمعة كان عليهم مشقة، والجمعة تسقط بالمشقة، بخلاف أهل المصر، فإن ذلك لا يوجد
في حقهم.
أين المشكلة؟
تلك أسئلة تطرح، وتأتيني وتأتي كل المعنيين
بالفتوى في العالم الإسلامي، سواء من الأفراد أو الجهات، وهي مسائل يمكن حلها
بيسر، لو حكم فيها الموقف الفقهي المتزن، المستند لعمق الفقيه، وتبصره بالآراء
الفقهية، وكيفية التعامل معها، لكننا أصبحنا في زمن السوشيال ميديا، وزمن أصبح كل
من يمتلك وسيلة يفتي فيها الناس، ويثير فيها البلبلة والاختلاف، ورأينا في بعض
المجتمعات المسلمة من يريد أن يكون مختلفا في أفعاله، سواء من باب المخالفة
والتمايز، أو من باب الهواجس التي تصيب البعض من انتشار الآراء التي تخيفهم من
ضياع أجورهم، وبطلان عباداتهم.
ليست مشكلة هذه المسائل في طرحها من باب
التفقه والبحث، بل المشكلة أن من يطرحونها لا يطرحون إلا رأيا واحدا، هو ما
يقتنعون به، ولا يرغبون في وجود أي رأي فقهي آخر، وهنا تكمن الخطورة في مثل هذه
التوجهات، لأنها تلغي مساحة من الخلاف الفقهي أسس وقعد لها الشرع وعلماؤه على مدار
قرون، عبر مدارس فقهية عريقة، ولو أن الناس لجأوا لإجابة أسئلتهم لمن رزقهم الله
ملكة التفقه والبحث، مع رؤية عاقلة لجمع الأمة ووحدتها، لضاقت مساحة الافتراق
والشقاق التي تشيع كل عام للأسف.
[email protected]