في الوقت الذي
يشهد فيه العالم تحولات غير مسبوقة في أدوات
الحرب الاقتصادية، يبدو أن الهيمنة
الأمريكية على استخدام العقوبات كوسيلة للضغط على الخصوم قد انتهت، وسط تصاعد قدرة
دول مثل
إيران والصين على استغلال نقاط القوة الاقتصادية لفرض إرادتها.
أشارت صحيفة
فايننشال
تايمز إلى أن العالم يشهد تحولًا جذريًا في أساليب الحرب الاقتصادية، حيث انتهى عصر
الهيمنة الأمريكية مع ما يترتب على ذلك من تداعيات عالمية واسعة النطاق.
وأكدت الصحيفة، في
مقال رأي للكاتب نيكولاس مولدر، أستاذ مساعد في جامعة كورنيل ومؤلف كتاب "السلاح
الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة"، أن إغلاق إيران الفعّال لمضيق
هرمز أحدث موجات صدمة في الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن تهديد الملاحة في الخليج يعتبر
رداً غير متماثل على الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتابعت فايننشال تايمز
أن إيران أعادت استخدام تكتيك سبق لأمريكا الاعتماد عليه عبر العقوبات، من خلال تحويل
نقطة اختناق رئيسية في الاقتصاد العالمي إلى أداة ضغط لإجبار خصومها على التراجع عن
التصعيد.
وأوضحت الصحيفة أن
إدارة ترامب واجهت سابقًا ردود أفعال مماثلة من خصوم استخدموا أسلحتهم الاقتصادية الخاصة،
حيث شرع الرئيس الأمريكي السابق عند عودته إلى السلطة في فرض تعريفات جمركية عالية
على حلفاء وأعداء على حد سواء، ما دفع بعض الحلفاء إلى توقيع اتفاقيات تجارية للحفاظ
على علاقتهم مع واشنطن، بينما ثبتت
الصين موقفها وشنّت هجومًا مضادًا، وردت على قيود
التصدير الأمريكية الجديدة في أواخر 2025 بفرض قيود على صادرات المعادن النادرة المكررة.
اظهار أخبار متعلقة
وتابعت فايننشال تايمز
متابعة أن احتكار الولايات المتحدة للعقوبات الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة لم يعد
قائمًا، مشيرة إلى أن إيران والصين أثبتتا أن عصر الهيمنة الأمريكية في الحرب الاقتصادية
انتهى بالفعل. وأشارت إلى أن الصين استخدمت المعادن الحيوية لضرب المصنّعين الأمريكيين
في قطاعي الدفاع والطيران والسيارات، ما أدى إلى تأخيرات وتقليص الإنتاج في أمريكا
الشمالية وأماكن أخرى، ودفع الضغط الصيني على سلاسل الإمداد الأمريكية ترامب لتخفيف
التصعيد الاقتصادي، ليتوج ذلك بالاتفاق الذي تم مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا
الجنوبية في أكتوبر 2025، والذي اعتبر هدنة بين البلدين في مجال العقوبات الاقتصادية.
وأكدت الصحيفة أن خوض
ترامب حربًا جديدة في الشرق الأوسط أطلق سلسلة مخاطر أوسع، حيث أن العالم بأسره أصبح
يشهد حجم الضرر الذي يمكن أن تسببه الضغوط الاقتصادية الشاملة، مضيفة أن التحول من
عقوبات "الضغط الأقصى" على إيران إلى الحرب المفتوحة دفع الإيرانيين لاستخدام
سلاح اقتصادي، عبر قطع 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية وثلث تجارة الأسمدة
العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز، وتطبيق ذلك باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة
والألغام.
وتابعت فايننشال تايمز
متابعة تحليلية مفصلة، موضحة أن نهاية الحقبة الأحادية في الحرب الاقتصادية تعني أن
الولايات المتحدة وحلفاءها سيواجهون خيارات صعبة، خصوصًا عند محاولة استخدام العقوبات
في أسواق النفط. وأضافت أن الحصار الإيراني تسبب في صدمة كبيرة بأسعار الطاقة، لدرجة
أن إدارة ترامب تراجعت مؤقتًا عن عقوبات النفط الروسية. وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي،
الذي كان على وشك الانفصال عن الغاز الروسي، قد يضطر للاستمرار بشراء الطاقة الروسية
لتجنب الأضرار الاقتصادية، ما يدل على أن صد السلاح الطاقي الإيراني استدعى تخفيف الحرب
الاقتصادية على موسكو.
ورصدت الصحيفة أن استخدام
الدول الأخرى للضغط الاقتصادي أصبح أكثر تكرارًا، لكنها لفتت إلى أن هذا لا يعني نجاحها
أفضل من الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن فشل العقوبات أصبح ظاهرة واسعة الانتشار. وأوضحت
أن الحصار الاقتصادي الذي فرضته دول الخليج على قطر بين 2017 و2021 لم يحقق أهدافه،
كما فشلت العقوبات التي فرضتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) على
مالي وبوركينا فاسو والنيجر. كما ذكرت فايننشال تايمز أن القيود الصينية على صادرات
المعادن النادرة إلى اليابان وحظرها للفحم الأسترالي جعل طوكيو وكانبرا أكثر عداءً
لبكين.
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت الصحيفة أن
التاريخ الاقتصادي يظهر أن الاستخدام المستمر للعقوبات غالبًا ما يدفع الدول المستهدفة
إلى تعزيز اكتفائها الذاتي والبحث عن شركاء جدد، ما يقلل من فعالية الضغوط مع مرور
الوقت. وأشارت إلى أن روسيا أعادت توجيه تجارتها نحو الاقتصاديات الآسيوية بعد
2022 لتجنب العقوبات، في حين نقلت شركات صينية إنتاجها إلى الخارج للتكيف مع التعريفات
الأمريكية، وتسارعت جهود الابتكار المحلي لمواجهة القيود على تصدير الرقائق.
واستنتجت فايننشال
تايمز أن فعالية العقوبات السياسية والدبلوماسية تتراجع، معتبرة أن العقوبات لم تعد
وسيلة لتجنب الحرب، بل كثيرًا ما تمهد لتصعيد عنيف، محذرة من أن استمرار الحروب الاقتصادية
سيؤدي عاجلًا أو آجلًا إلى اندلاع نزاعات فعلية على الأرض.