نشر "المركز الروسي الإستراتيجي للثقافات" تقريرًا تناول فيه القوى الحقيقية والنخب التكنولوجية الجديدة التي تقف خلف الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، وتوجه سياساته داخلياً وخارجياً، حيث إن الامتيازات في الحقبة الجديدة ستُمنح فقط لمن يسيرون طواعية في ركب البيت الأبيض.
وذكر المركز في
تقرير له، أن الجميع يتذكر جيدًا كيف تعامل العولميون، الذين هزمهم ترامب خلال انتخاباته الرئاسية الأولى، مع الرئيس الجديد كشخص متطفل و"خلل في النظام" لم يكن ينبغي أن يحدث؛ وهو ما يبرز في حوار الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين مع وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن في أمستردام عام 2018؛ حيث يروي دوغين أنه قال لبلينكن: "لقد فاز ترامب عندكم"، ليرد بلينكن بثقة: "لم يفز".
وعندما جادله دوغين بأنه رئيسهم، أجاب بلينكن: "إنه ليس رئيسنا"، نافياً حتى حقيقة وجوده في البيت الأبيض، ومصراً على أن ترامب غير موجود، وأنه مجرد هلوسة للرئيس بوتين، وأخبار مزيفة يتمنى الروس تصديقها.
وتساءل المركز، عما إذا كان ترامب مجرد وهم، أو خطأ في نظام انتخابي مهترئ لم يلاحظه الديمقراطيون ولم يصلحوه في الوقت المناسب، وهو أمر محتمل جداً، لأن "غرابة" ترامب في أروقة السلطة كانت واضحة للعيان وملاحظة حتى من موسكو، ولذلك كانت الحملة ضد الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة تعتبر أمراً مفروغاً منه.
كما أن الدورة الجديدة للنظام العالمي، التي تديرها الصين وروسيا بالدرجة الأولى، لم تكن قد أثبتت وجودها بقوة بعد، وكانت بالكاد توجه العالم نحو علاقات دولية متحررة من الهيمنة الأمريكية في السياسة والاقتصاد والمجتمع.
وبين المركز، أن حقيقة صمود ترامب في وجه الملاحقات الجنائية وفوزه مرة أخرى في الانتخابات الرئاسية، تثبت أن هذه الدورة ليست وهماً، بل هي عملية لا تجتذب فقط كتلة متزايدة من الأمريكيين أنفسهم، لكنها تضم دولاً وحكومات جديدة، حيث إن ميل هذه الدول جغرافياً نحو آسيا يعكس تحرر "النمور الآسيوية" بشكل كبير من "الديمقراطية على الطريقة الأمريكية".
ويتساءل عما إذا كان هذا يعني أن السلطة الأمريكية، المتمثلة في الحزب الديمقراطي، قد أغفلت هذا التحول المرحلي في
الولايات المتحدة والعالم؛ مجيبًا بالنفي، حيث إن القصور الذاتي في تفكير الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، بغض النظر عما إذا كانت تسمح للديمقراطيين أو الجمهوريين بحكم أمريكا، لن يتلاشى حتى تصطدم هذه النخبة والبيت الأبيض والولايات المتحدة ككل بجدار صلب، معتبرة أنه سيكون من الجيد لو كان هذا الجدار هو مجموعة "بريكس".
كما استعرض تقرير المركز كبار المانحين الذين يقفون خلف الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، وعلى رأسهم تيموثي ميلون، سليل قطب البنوك أندرو ميلون، الذي تبرع لترامب بأكثر من 150 مليون دولار. وتلاه كل من ستيفن شوارزمان من شركة "بلاكستون"، وروبرت ميرسر من شركة "رينيسانس تكنولوجيز"، وكاميرون وتايلر وينكليفوس من شركة "جيميني"، وقطبا تكنولوجيا المعلومات مارك أندريسن وبن هورويتز من شركة "أندريسن هورويتز".
وتحدث المركز بشكل خاص عن إيلون
ماسك، الذي أنشأ قبل الانتخابات هيكله الخاص المتمثل في لجنة العمل السياسي "أمريكا باك"، والتي تلقت تبرعات من المؤسس المشارك لشركة "باي بال" كين هاوري، وشون ماغواير من شركة "سيكويا كابيتال".
ولفت التقرير إلى النشاط المحموم حينها للمرشح لمنصب نائب الرئيس جي دي فانس، الرئيس التنفيذي السابق لشركة تكنولوجيا حيوية في وادي السيليكون.
اظهار أخبار متعلقة
واعتبر أنه من السذاجة الاعتقاد بأن هؤلاء جميعاً كانوا خائفين جداً من كامالا هاريس، التي وعدت بزيادة الضرائب على الأغنياء وتحقيق توزيع أكثر عدالة للمنافع العامة، حيث إن هذه الوعود بأنها مجرد خدعة يخرجها الديمقراطيون من الثلاجة كل أربع سنوات، كما أن فانس نفسه كان ينتقد ترامب بشدة في عام 2016، واصفاً إياه بغير المستحق، ومطلقاً على نفسه لقب "الشاب الذي لن يدعم ترامب أبداً".
ويرى المركز الروسي أن ما جرى مجرد سيرك سياسي، فرغم أنه أنفق كل الأموال التي جمعها للانتخابات، لكنه لم يحصد الأصوات بالمال، بل بوعوده للناخبين التي أثبتت أنها في معظمها كانت وعودًا جوفاء بدءًا من تفكيك "الدولة العميقة" ونقل السلطة للشعب الأمريكي، ووعده بإنهاء العمليات العسكرية في أوكرانيا خلال 24 ساعة، ورغم ذلك فهو لم يفعل، بل إنه يبذل جهداً كبيراً في تزويد كييف بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية وتوجيه صواريخها نحو الأهداف.
وأشار إلى أن بقية الوعود كانت مجرد تفاصيل نكاية بالخصوم، فقد وعد بالتخلص من المهاجرين، واليوم يتمرد ما يقرب من نصف الولايات ضد مداهمات شرطة الهجرة والجمارك الأمريكية. ووعد بفرض تعريفات ورسوم جمركية على العالم بأسره، في حين قدر مختبر الميزانية في جامعة "ييل" أن هذا سيكلف الأسرة الأمريكية المتوسطة بين 1600 و2000 دولار سنوياً، ويرفع الأسعار بمقدار 1.0 إلى 1.2 نقطة مئوية، ويقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6 بالمائة. بينما صرح محللو وكالة "موديز" بأن الزيادة الكبيرة في التعريفات ستؤدي إلى فقدان 5.5 ملايين وظيفة، وارتفاع البطالة إلى 7 بالمائة، وتراجع الاقتصاد الأمريكي بنسبة 1.7 بالمائة.
وأردف ، أن ما بدا الأهم للناخبين هو محاربة الأيديولوجية الليبرالية، ومنع فرض الشذوذ على الأطفال، وطرد المتحولين جنسياً من المنافسات الرياضية النسائية، مبينًا أن هذه الدقة في الدفاع عن الأخلاق لا بد أن يكون لها جذور، وهذه الجذور تقف مباشرة خلف ظهر ترامب؛ حيث إن القوة الأكثر نفوذاً في نصف الكرة الغربي تتمثل في قطب التكنولوجيا، الشاذ جنسياً، ورئيس "مافيا باي بال" والفيلسوف السياسي بيتر ثيل، والذي، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، بلغت ثروته في كانون الأول/ديسمبر 2025 حوالي 27.5 مليار دولار.
وبين أنه على عكس إيلون ماسك، لا يسعى ثيل للظهور العلني، ولذلك لا يعرفه الكثيرون، لكنه أصبح الموجه الخفي في البيت الأبيض ومؤلف مفهوم القيم المحافظة الانتخابي لترامب، ولم يمنع ذلك حقيقة أن بيتر متزوج من المستثمر المالي مات دانزايزن في النمسا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2017.
وشدد المركز الروسي، على أنه لم يعد من الضروري إثبات حجم نفوذ ثيل على البيت الأبيض، فقد أصبح ذلك جلياً بعد أن أصبح صنيعته، جي دي فانس، نائباً لرئيس الولايات المتحدة؛ حيث كان لقاءهما في عام 2011 أحد أهم الأحداث في حياة فانس، وكان بلا شك السبب في تغيير مسار أفكاره تجاه ترامب، حيث اعترف فانس نفسه بأن ثيل حدد الكثير من وجهات نظره. وقد عمل نائب الرئيس بعد ذلك في شركة الاستثمار "ميثريل" التابعة لثيل، وفي انتخابات مجلس الشيوخ عام 2022 تلقى من راعيه مبلغاً قياسياً لم يُمنح لمرشح واحد من قبل، وهو 15 مليون دولار.
كما استعرض المركز بدايات هذه النخبة، مشيرة إلى أن طفرة الإنترنت في نهاية القرن الماضي جعلت من الأمريكي الشاب من أصل ألماني (بيتر ثيل) مؤسساً مشاركاً لشركة "باي بال" الشهيرة، التي تدير اليوم التحويلات المالية عبر الإنترنت في العديد من دول العالم، كما أنه من أنشأ نظام جمع ومعالجة البيانات "بالانتير"، الذي كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أول مستثمر فيه، والذي يتم استخدامه حالياً من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية، بما في ذلك البنتاغون، وكذلك البنوك التجارية، كما أن شركة "بالانتير" تعمل اليوم لصالح كييف، حيث تساعد في جمع المعلومات الاستخباراتية ونقل القوات بأمان وتوجيه الطائرات المسيرة والصواريخ بدقة أكبر.
ويرى التقرير أنه بينما يدعي ترامب بأنه يحارب دولة عميقة واحدة، فإن دولة عميقة أخرى تتشكل خلف ظهره، ومن الواضح أن هذه الدولة الجديدة لن تسلم السلطة لشعب أمريكا أيضاً؛ حيث إن هناك دلائل كثيرة على أن الدولة العميقة الجديدة تُبنى بأيدي الأوليغارشية التكنولوجية في وادي السيليكون، حيث يعتبر بيتر ثيل الأكثر نفوذاً.
ووفقا للمركز، فإن فلسفة ثيل تقترح إمبراطورية جديدة تقودها الولايات المتحدة، حيث تصبح الأوليغارشية التكنولوجية هي الأرستقراطية، والمبرمجون هم الخدم، بينما يتحول الباقون إلى قوة عاملة خشنة ستنتفي الحاجة إليها تدريجياً بعد استبدالهم بالروبوتات. وسيكون النموذج الأولي للعقيدة الجديدة تلك المنظمة التي عقدت ندوات ثيل في سان فرانسيسكو بعنوان "الاعتراف بالمسيح في التكنولوجيا والمجتمع"، والتي ناقشت تحول الوعي من جسد إلى جسد وغيرها من الأفكار الظلامية، وهو ما اعتبره الفيلسوف دوغين هذه دعوة لاتخاذ خطوة أخرى للأمام على نفس الطريق نحو الهاوية الذي سلكه الغرب طوال العصر الحديث.
وأضاف دوغين، أنه بالنظر إلى ما يفعله ترامب حالياً في السياسة العالمية، من إلغاء للقانون الدولي، وغزو للدول ذات السيادة، واختطاف للحكام الشرعيين، والاستيلاء على النفط والمعادن حيثما يشاء، وقصف المنشآت النووية، والاستمرار في دعم نظام كييف الشيطاني بصراحة؛ فإن موضوعات ندوات ثيل لم تعد شيئاً مجرداً.
اظهار أخبار متعلقة
وكشف تقرير المركز الروسي، أن أفعال ترامب وحاشيته تعني انقسام الغرب إلى أجزاء؛ فلن يحصل على الامتيازات إلا أولئك الذين يسبحون بموافقة في فلك سياسة واشنطن الجديدة. وتؤكد أن النخبة الأمريكية الجديدة المكونة من مليارديرات العالم الرقمي تعتمد على هذه الحداثة، وأنه لا يهم ما إذا كان ترامب يدرك أن هذه النخبة تستخدمه لأغراضها الخاصة، فهي بمثابة الجدار الذي يستند إليه اليوم ليثبت للعالم من هو سيد البيت.
وأكد أن هذا أصبح مفهوماً لأوروبا، حيث خلقت العولمة تحت المظلة الأمريكية لعقود من الزمن وهماً بالشراكة يكون فيه للاتحاد الأوروبي صوته الخاص. كما أصبح هذا واضحاً في مقر حلف شمال الأطلسي، وهو التحالف الذي يمكن لترامب أن يدمره بركلة قدم. وترى الكاتبة أنهم قد يكونون في حالة صدمة وحتى قد يحتجون، لكن ذلك لن يغير شيئاً في تعابير وجه ترامب، الذي عبر الخط اللاعودة في إعادة رسم الواقع السياسي.
كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة والقانون الدولي الراسخ هي مجرد حقائق لعالم ثنائي القطب، حيث كانت قوتان عظميان تجريان حواراً، بينما تتخذ البقية موقفاً مع أحد الطرفين بدافع الخوف أو المصلحة؛ غير أن انتحار الاتحاد السوفيتي أنهى هذا العالم، وأن مجلس السلام الخاص بترامب يستعد ليحل محل الأمم المتحدة من أجل إعطاء الولايات المتحدة الحق في التحدث وحل مشاكل العالم بمفردها.
وختم المركز تقريره بالقول إنه من المفارقات أنه بخلع قناع العولمة، أعاد ترامب الواقعية إلى السياسة، مما يسهل ظهور الحكمة في السياسة الدولية، ويساهم في تقييم سليم لآفاق تحرك الولايات المتحدة في المستقبل القريب. ورغم حتمية تغيير رئيس أمريكي بآخر، إلا أن هذا التغيير بالكاد سيكون قادراً على هدم الجدار الذي يستند إليه ترامب اليوم.