ما زالت القرارات التي اتخذتها الائتلاف الإسرائيلي الحاكم تعني ضمًّا تدريجيًّا للضفة الغربية، وهي بذلك تفرض رؤية اليمين بقيام دولة واحدة.
مايكل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات
الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب الإسرائيلية، ذكر أن "الصياغة البيروقراطية التي رافقت قرارات الحكومة الصادرة بشأن
الضفة الغربية تجعل من الصعب، ربما عن قصد، فهم المعنى العميق للخطوات التي تمت الموافقة عليها: ضمٌّ تدريجيٌّ للضفة الغربية، دون إعلان رسمي، ربما خشية إغضاب الرئيس دونالد ترامب، المعارض بشدة لهذا الضم".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة
يديعوت أحرونوت، وترجمته "عربي21" أن "ثلاثة عناصر تظهر في هذه القرارات: أولها تسهيل إجراءات شراء الأراضي الفلسطينية من قبل اليهود؛ وثانيها توسيع نطاق الرقابة والإنفاذ في منطقتي (أ و ب)، وهي خطوة يُتوقع أن تُضعف
السلطة الفلسطينية، التي يعتبرها كثيرون في الحكومة عدوًا لا يقلّ شأنًا عن
حماس، ويتمنون سقوطها، بل ويخططون له؛ وثالثها توسيع السيطرة الإسرائيلية على مواقع أثرية ودينية عديدة، أبرزها الحرم الإبراهيمي".
وأشار أن "كل هذه الخطوات تعني استمرارًا لجهود مساواة وضع المستوطنات القائمة على أراضي الفلسطينيين مع المدن المقامة داخل الخط الأخضر، وتترافق مع تعميق قبضة الوزير بيتسلئيل سموتريتش على الإدارة المدنية في الضفة الغربية، مع العلم أن حزب الصهيونية الدينية لا يخفي هدفه الرئيسي، المُجسّد في رؤيته للحسم عام 2017، وهي قيام دولة واحدة بين البحر والأردن، دون أي حاجز بين الشعبين".
وأوضح أنه "في مقابلات وتصريحات لا حصر لها، أوضح قادة الحزب أنه في ظل الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، نشأت "حقبة معجزة" تُتيح تحقيق التطلعات الأيديولوجية، والاقتراب من الخلاص، لكنهم يُشددون على ضرورة الحذر، فمن الضروري العمل في الخفاء لتغيير طبيعة الضفة، مع السعي في الوقت نفسه لتجاوز نقطة اللاعودة التي بعدها يستحيل الحديث عن انفصال الشعبين، ناهيك عن قيام دولة فلسطينية".
وأكد أن "رؤية سموتريتش تعتبر اليوم العقيدة الرسمية لدولة
الاحتلال، وفُرضت على عامة الإسرائيليين دون استشارتهم في موضوع يُتوقع أن يُؤثر بشكل كبير على وجودها في المستقبل، ويتم توجيه الانزعاج من فرض رؤية قطاعية لتقديم مبررات استراتيجية مصطنعة في محاولة لتصوير الحلم على أنه الصالح العام".
وأشار أن "اليمين الإسرائيلي يدّعي أن هذه الخطوة التاريخية تجسيد لاستخلاص دروس السابع من أكتوبر، وهو فشل يتحمل مسؤوليته من يحاولون تغيير الوضع في الضفة الغربية حاليًا، لكنهم لا يشعرون بالحاجة للتحقيق في إخفاقاتهم، ومعرفة ما إذا كانوا يكررونها؛ وغرس مفاهيم مغلوطة مفادها أن الفلسطينيين لا يفهمون إلا عندما تُسلب منهم أراضيهم، وأن وجود الاستيطان يعني انعدام المقاومة المسلحة".
وأضاف أنه "في الخفاء، تتطور في الضفة الغربية ثقافة تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك السائدة في دولة الاحتلال، وأبرز مظاهرها التصاعد الحاد في الإرهاب القومي اليهودي، فغالبًا ما تُصاحب هذه الظاهرة تبريرات دينية، مثل تطبيق عقيدة يوشع بن نون، التي تُجيز وضعًا أدنى لغير اليهود في الأرض، أو طردهم أو قتلهم، أو "إبادة عماليق"، وازدراءً شديدًا للمواقف العالمية بروح "يسكن شعبٌ وحده ولا يُؤخذ غير اليهود في الحسبان".
وأكد أنه "عندما يُسألون عما سيحدث لثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية قد يجدون أنفسهم تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، يتجنبون الخوض في الأمر، مفضلين الاعتقاد بأن "بعون الله ستُحل الأمور"، في تناقض صارخ مع الإيمان الأعمى بتحقيق رؤية ترامب بشأن غزة، وفي خضم ذلك، تتزايد المغامرات المزعومة المتخفية تحت ستار "الريادة التي تحمي جميع الإسرائيليين من تكرار هجوم 7 أكتوبر"، وتتمثل في المقام الأول في محاولات إنشاء مستوطنات، أو زرع بذور في قطاع غزة وسوريا ولبنان".
وأشار إلى أنه "في دولة الاحتلال ينشغل أصحاب الذاكرة القصيرة والتفكير الجامد بالدرجة الأولى بالعواقب الوخيمة، وينصبّ اهتمام الإسرائيليين بالدرجة الأولى على تداعيات الخطوات المتخذة في الضفة الغربية على الأجواء عشية شهر رمضان، ويدرسون تخفيف القيود لضمان الهدوء على أرض الواقع، ومن المحتمل أن يرغب قادة النقاش في أن يكون هذا هو محوره بدلاً من القضايا الجوهرية المتعلقة بصورة دولة الاحتلال".
وتساءل: "هل سيوافق العالم، لاسيما الإدارة الأمريكية الحالية والمستقبلية، على التغيير الحاصل في الوضع في الضفة الغربية، وهل يدرك الإسرائيليون أن السياسة المتبعة لا تسمح بالتطبيع، وقد أوضح سموتريتش بالفعل أنه في رأيه، "يمكن للسعوديين الاستمرار في ركوب الجمال في الصحراء"، والأهم من ذلك، هل يستطيع الإسرائيليون تخيّل شكل دولة واحدة بدون حاجز مادي بين مجتمعين متقاربين ديموغرافياً، ومعاديين لبعضهما، وما التكاليف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية إذا ما تحقق هذا السيناريو".
وأضاف أنه "بالنظر إلى واقع الضفة الغربية: فقد تم القضاء على خطر المقاومة المسلحة إلى حد كبير؛ وأخلى جيش الاحتلال ثلاثة مخيمات للاجئين في شمالها دون التعرض لضغوط خارجية، بل إن البعض يتوهم أن هذا سيؤدي لطمس هوية اللاجئين، ومحو ذكرى الماضي؛ ويجري تطوير المستوطنات في جميع أنحائها؛ ورغم التحذيرات المتكررة، فإن انتفاضة ثالثة لن تندلع".
تكشف هذه القراءة الإسرائيلية للقرارات الأخيرة أن ما ينبغي أن يقلق الاحتلال ليس الانفجار الذي يحذر منه الكثيرون في الضفة الغربية، بل الصمت المريب الذي يكتنف عملية الاندماج الجارية بين الاحتلال والضفة، ويُتوقع أن تُفضي لقيام دولة جديدة، غارقة في التوترات والاحتكاكات العنيفة، تفتقر للتوافق الداخلي والشرعية الخارجية.