ما تُخفيه وثائق إبستين أكبر…

محمد سليم قلالة
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
ما سُمِح بنشره من وثائق إبستاين لا يزيد عن 10% من مجموع الوثائق، وجزء كبير مِمَّا نُشر تمَّت مراقبته بإحكام… تم محو الأسماء التي أرادوا مَحوَها، والإبقاء على الأخرى، ولا شيء عن الصور والفيديوهات… ونحن لا يهمنا كل هذا بقدر ما يهمنا وجود مثل هذه الممارسات في عالمنا المعاصر… التفاصيل والأسماء والقضايا غير الأخلاقية مسائل ثانوية بالنسبة لِما ينبغي أن نَعيه من هذه القصة: مَن يُدير العالم وكيف؟ وماذا علينا أن نفعل لكي لا نقع في قبضة مثل هذه الدوائر أو على الأقل كيف نستبق مُخططاتها ونُحصّن أنفسنا ضد أساليب تلاعبها بالعقول والشعوب والدول؟

إن وجود جزيرة معزولة لمالك خاص في بحر الكاريبي اسمه “إبستاين” يحدث بها ما يحدث، ينبغي أن يُنبِّهنا قبل كل شيء إلى أمر أعمق من الفضائح التي يُركِّز عليها الإعلام اليوم: أنه توجد في العالم أكثر من جزيرة من هذا النوع، وأكثر من مكان خاص يُشبه مثل هذه الجزيرة، وأكثر من نادٍ تتم فيه إدارة العالم بطريقة موازية للحكومات والدول ولكن لا إشارة إليها!! مَن منّا يعلم عن جزر مثل Necker القريبة من جزيرة إبستاين وThe Brando وLaucala وغيرها من الجزر المماثلة؟ ومَن مِنّا يُتابع ما يجري بنشاطات نادي Bohemian Grove أو النوادي المماثلة مثل Bilderberg Group، Skull and Bones؟ بل ومَن منّا يعرف ما يجري داخل المنتديات العالمية الرقمية التي باتت تنافس التقليدية مثل The Chief Executives Network، Clubhouse،Vistage Digital… وغيرها؟

مَن منّا يتابع مثل هذه الدوائر الضيّقة التي تضم كبار رجال المال والسياسة والإعلام ونافذين في كل المستويات وتلتزم بأن عضويتها تكون ضيقة ومحدودة ولا تصدر عن اجتماعاتها أيّ بيانات أو محاضر يمكن الإطلاع عليها؟ هل هذه أهم، أم جزيرة إبستاين التي فاحت منها رائحة الفساد والرذيلة؟ ولماذا تم الكشف عن هذه دون الجزر والمنتديات الأخرى؟

سؤال يفترض أن يُنبِّهنا إلى مسألة في غاية الأهمية: أن القرار العالمي وأحيانا قراري الحرب والسلم إنما تتم ضمن دوائر غير رسمية تسيطر عليها فئات محدودة من رجال المال والسياسة والإعلام! وعليه، فإن “إبستاين” ليس سوى التعبير الذي سُمِح به عن دائرة من هذه الدوائر فاحت منها رائحة الفساد، ولذلك تمت التضحية به ضمن صراع عالمي محسوب بين بعضها البعض قاعدته الذهبية: لا يُسمَح فيه أبدا بالكشف عمَّا لا يريدونه أن يُعرَف…

ولذلك تمت تغطية الكثير من الأسماء ولن نرى بالطبع كافة الوثائق.. فمثل هذه الجزر والنوادي والمنتجعات والنوادي الرقمية تترابط فيما بينها بعلاقات مباشرة وغير مباشرة، وتربطها أيضا علاقات مباشرة وغير مباشرة بالحكومات؟ ألم تذكر وسائل إعلام فرنسية أن “إبستاين” كان يزور باريس مرة في الشهر على الأقل ولديه إقامة مشبوهة هناك بـ22 شارع “فوش” راح ضحيتها العشرات، وفُتحت بشأنها تحقيقات، وأنه كانت لديه علاقات أكيدة مع الطبقة الحاكمة، وبعد أن انتشرت الفضيحة اليوم تجري الآن التضحية بالوزير السابق للثقافة ومدير معهد العالم العربي بباريس “جاك لانغ” للتغطية عن الآخرين؟ ألم يثبت أن “إبستاين” كان يزور الجزر الشبيهة بجزيرته التي لا تصلها سوى الطائرات الخاصة، ويشارك في النوادي الشبيهة بناديه؟ لماذا يتم التستر على ذلك؟

يكفي هذا بالنسبة لنا، لِنحذر هذا العالم المُركَّب بهذه الطريقة، ولِنعلم أن كل ما يتم الحديث عنه اليوم وعن “إبستاين” بالتحديد، ليس سوى الجزء البارز من الصراعات الداخلية بين مئات الدوائر الخاصة المنتشرة عبر العالم والساعية للتحكم فيه…وما علينا سوى أن نعتبر! إن ما يتم نشره اليوم هو فرصة لنا لإعادة تصحيح نظرتنا للعالم ولِما يجري به… لعلنا سنفهم ما حدث أمام أعيننا في فلسطين وغيرها، وما سيحدث في غيرها من الأماكن، وما الذي ينبغي علينا إدراكه والتسلح به لِنستبق الأحداث ونخرج مُنتصرين من هذا الصراع الخفي والمُعلَن…

الشروق الجزائرية
التعليقات (0)