من لافتة الصلاة على النبي إلى استغاثة الهدم.. عصا "الأمن" تواصل ملاحقة المصريين؟

محامون مؤيدون للسلطات زعموا أن النشطاء أتلفوا الأرصفة- مواقع تواصل
محامون مؤيدون للسلطات زعموا أن النشطاء أتلفوا الأرصفة- مواقع تواصل
شارك الخبر
بعد أيام من مرور الذكرى الـ15 لثورة 25 يناير 2011، شهدت مصر تحركات أمنية أغضبت كثيرين، بينها توقيف شابين بتهمة تعليق لافتة "صل على النبي"، والقبض على سيدة اشتكت عبر مقطع مصور من هدم بيتها بمدينة السويس، ورغم إخلاء سبيل الشابين لاحقا؛ إلا أن الواقعتين دفعت للمطالبة بوقف التعامل الأمني الغليظ مع المصريين.

الأزمة الأولى بدأت منتصف الشهر الماضي، مع انتشار تريند عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لافتة تحمل جملة "صل على النبي"، على طريق مدينة (العاشر من رمضان- الإسماعيلية)، لاقت تفاعلا واسعا وانتشارا حد انتشارها بمناطق عديدة بينها مسجد جديد بالصعيد، إلى جانب لافتات أخرى، تحمل أدعية مشابهة.


توقيف وانتقادات


الانتشار الواسع للافتة، دفع بعض الصفحات التي ترفع شعارات علمانية، إلى المطالبة بنزعها، ومعاقبة الشابين الشقيقين، عبدالرحمن، وعبدالرحيم إبراهيم، من محافظة الإسماعيلية بعد ظهورهما مع اللافتة، فيما تقدم محامون ببلاغات ضدهما بحجة إتلاف الرصيف، ليعلن شقيقهما الثالث الخميس الماضي، 29 كانون الثاني/ يناير الماضي، توقيفهما، لتقرر جهات التحقيق إخلاء سبيلهما على ذمة القضية (904 لسنة 2026) جنح العاشر من رمضان.

ولا يكاد شارع مصري تخلو منازله وسياراته في الريف أو الصعيد والمناطق الشعبية بالقاهرة وعواصم المحافظات من كتابة عبارات "اذكر الله" و"لا إله إلا الله" و"الله أكبر" و"صل على النبي"، وغيرها، من الأدعية التي تمثل أكثر الجمل المتداولة في أحاديث المصريين.

وينص القانون (208 لسنة 2020)، حول تنظيم الإعلانات على الطرق العامة، على تبيعة إعلانات الطرق للوحدات المحلية وأجهزة المدن بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة أو الهيئة العامة للطرق والكباري، وتقول مادة (٩): "كل من وضع إعلانا أو لافتة أو تسبب في وضعه بالمخالفة لهذا القانون يعاقب بغرامة لا تقل عن مثلي قيمة تكلفة الأعمال".

وهو النص الذي يعني وفق محامين، أن مخالفة الشابين لا تزيد عن جنحة ومخالفة إدارية، وليست جناية، خاصة وأن اللافتة ليست إعلانا تجاريا ولا تهدف إلى تحقيق أرباح، ملمحين إلى أن إتلاف الرصيف أمر تقدره الجهات الإدارية ويخضع للغرامة.

وقائع سابقة


وربط مراقبون بين توقيف صاحبي لافتة "صل على النبي"، وبين حملات سابقة رفضتها السلطات وأوقفت بعض المصريين، على خلفيتها؛ ملمحين إلى ملصق "هل صليت على النبي اليوم؟" التي انتشرت بقوة عام 2014، على المحال التجارية والسيارات، ومواقع التواصل الاجتماعي.

حينها اعتبرتها السلطات إشارة سياسية وادعت وسائل الإعلام أن فيها نبرة طائفية، ووصف وزير الأوقاف السابق مختار جمعة انتشارها بـ"أمر مريب وخبيث"، فيما واجهها وزير الداخلية محمد إبراهيم، بحملة أمنية واسعة، وقابلتها السلطات المحلية بتحصيل غرامة 30 جنيه على كل ملصق، حتى اختفت تماما.

اظهار أخبار متعلقة



ووفق محللين فإن توقيف الشابين بسبب عبارة يرددها المصريون كل لحظة تعكس حالة من التوجس الأمني من أي لافتة أو شعار يتجمع عليه المصريون.

وتساءل المحامي أحمد مهران: "هل أصبح الصلاة على النبي جريمة؟"، مضيفا عبر "فيسبوك": "هل المشكلة في اللافتة؟، ومكانها؟، أم في العبارة نفسها؟".

وتأتي واقعة القبض على أصحاب لافتة "صل على النبي"، وسط جدل أثاره صانع ‏محتوى ملحد يدعى عمر كوشا، إثر نشره أغنية بعنوان "يا نبي سلام عليك"، على غرار ‏اللحن الشهير للمنشد السويدي ماهر زين، لكنها تضمنت كلمات مسيئة لنبي الإسلام.‏

ما دفع الأزهر الشريف لوصفه بأنه "اعتداء سافر"، في حين أثار غضبا ومطالبات ‏شعبية بتوقيف كوشا بتهم ازدراء الإسلام، فيما أعلن المحامي خالد المصري أنه شخص ‏معروف بإلحاده وأسرته في المنوفية تبرأت منه.‏

وحتى كتابة هذه السطور لم يصدر عن السلطات المصرية تحركا إزاء كوشا الذي لم ‏يتأكد مكان إقامته الحالية، لكنه تحدى، واشترط لحذف المقطع إلغاء قانون ‏ازدراء الأديان في مصر، بحسب موقع "القاهرة 24"، المحلي.‏

ثاني الوقائع: القبض على سيدة مصرية اشتكت عبر مقطع مصور الأربعاء الماضي، من ‏هدم السلطات المحلية بمحافظة السويس مدعومة من قوات الشرطة لبيتها في رسالة ‏إلى السيسي، لتقوم الداخلية بنفي هدم بيتها وحدها، والتأكيد أن الهدم طال بيوت ‏أخرى في نفس المكان، معلنة عن توقيف السيدة.‏

ومع تصويرها لقوات الشرطة أثناء عملية الهدم، وجهت السيدة استغاثة لرئيس ‏النظام عبدالفتاح السيسي، قائلة: "جايين يهدموا العمارة وأمهلوني يوما واحدا ‏لاخلائها"، وذلك بعد هدم أحد الجدران وهدم عقارات أخرى مجاورة في حي الجناين ‏بمحافظة السويس، مؤكدة أنه يتم الاستيلاء علي بيتها رغم ملكيتها له بتسلسل ملكية ‏موثق، مشيرة إلى قول السلطات إنها "أوامر الرئيس السيسي". ‏

الجمعة الماضية 30 كانون الثاني/ يناير الماضي، اعترفت الصفحة الرسمية لوزارة ‏الداخلية بحدوث عملية إزالة بعض العقارات ضمن مشروع تطوير الطرق لربط ‏المعابر باعتباره من أعمال المنفعة العامة، مؤكدة أنه أمكن ضبط السيدة والتحقيق ‏معها.‏

ويمثل توقيف سيدة لمجرد الشكوى العلنية من هدم بيتها وفق مراقبين، أن نقد ‏سياسات هدم المنازل وإخلائها تمثل خطا أحمر لدى السلطات، وأنها لن تتراجع عنه، ‏وأن تعاملها لن يكون سوى الخيار الأمني، ما يفاقم حالة الاحتقان الشعبي بسبب ‏قرارات نزع الملكية والأزمات الاقتصادية.‏

الهدم والإخلاء منذ 2014‏

وشهدت السنوات الأخيرة، إخلاء وهدم لآلاف المنازل والشقق السكنية والاستيلاء على ‏أراضي زراعية وصحراوية تحت دعاوى تطوير وتخطيط عمراني واستثمار أجنبي، والتي ‏طالت في وقت مبكر من حكم السيسي، إزالة مدينة رفح على الحدود الفلسطينية ‏وتهجير أهلها بين أعوام (2014/ 2017).‏

ومنذ العام 2017، تفجرت أزمة إخلاء سكان "جزيرة الوراق" بوسط نيل القاهرة، ‏واقتحام الأمن لها لتنفيذ القرار الجمهوري (20 لسنة 2018) بتحويلها إلى "مركز ‏تجاري عالمي" تتبناه الإمارات تحت اسم "مدينة حورس".‏

وبين أعوام (2018/ 2025)، تفجرت أزمة تهجير سكان مدينة العريش عاصمة شمال ‏سيناء، لتوسعة مطارا وميناء يحمل اسم المدينة، وفي عام 2021 صدر القرار ‏الجمهوري (رقم 430) بنزع ملكية أراض بحي "الريسة".‏

ومع الإعلان عن استثمار إماراتي وقطري في "رأس الحكمة" و"علم الروم" بالساحل ‏الشمالي الغربي في 2024 و2025، بدأت عمليات إخلاء مساحات شاسعة من الأراضي ‏الساحلية وسط احتجاجات القبائل والمطالبة بالتعويض.‏

كما شهد حي المناخ بمحافظة بورسعيد، العام الماضي، أزمة إخلاء واسعة وسط ‏غضب الأهالي، ما رصده تقرير لـ"مرصد العمران"، ونشره 26 كانون الثاني/ يناير ‏الماضي، مؤكدا وجود 109 مشروع نفع عام تطلب نزع ملكية عقارات أو أراضي، ‏بإجمالي 24 ألف فدان خلال عام 2024، وذلك إلى جانب نزع ملكية 17 ألف وحدة ‏سكنية بنفس العام.‏

متناسق مع تفكير النظام
وفي قراءتها لما تكشفه تلك المواقف عن حجم التعامل الأمني الغليظ في أبسط القضايا ‏في الشارع المصري، قالت الحقوقية هبة حسن: "مثل هذه المواقف للأسف ليست ‏الأولى ولا تُعتبر سلوكا جديدا للنظام المصري، وهي تُظهر حجم ما وصلت له الدولة من ‏مخاوف ونمط في التعامل، فالنظام منذ ٢٠١٣ يستخدم القبضة الأمنية وأصبحت ‏إدارة الدولة بها أسلوب معتمد".‏
‏ ‏
المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية لحقوق والحريات، وفي حديثها لـ"عربي21"، ‏أضافت: "بدأ التعامل الأمني مع المخالفين للنظام سياسيا والرافضين له، وتطور ليطال ‏أي معارضة لإجراء أو قانون، وصولا لأي مساحة من الحركة أو المواقف المعبرة عن ‏الرفض أو حتى توجيه المجتمع".‏

وترى أنه "في واقعة السيدة، فهي في نظر النظام معترضة، والاعتراض ممنوع حتى وإن ‏كان على ظلم شخصي من أحد الموظفين التنفيذيين لأنه يفتح عيون المجتمع -كما يرى ‏النظام- ويمنح جرأة على الاعتراض، وهو ما يعمل منذ ٢٠١٣ على قتله في المجتمع"، ‏ملمحة لقول رئيس النظام: "ما حصل في ٢٠١١ لن يتكرر".‏

وعن حالة الشابين، تعتقد حسن، أنه "على الرغم من أن ما قاما به مجرد تنبيه ونشر ‏لسنة حسنة، وهي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه في نظر النظام ‏خطر، فأي شخص يستطيع أن يصنع حالة أو يوجه المجتمع -حتى ولو بمجرد كلمات ‏ذكر- فهو خطر محتمل، يمكن أن يقود الجماهير لثورة على ظلم النظام وقهره".‏
‏ ‏

اظهار أخبار متعلقة



وختمت معبرة عن أسفها بالقول: "ما يحدث متناسق تماما مع نمط تفكير النظام الأمني ‏ومخاوفه التي من المؤكد أنه برغم كل ما يفعله ستتحقق يوما، وسيتحرك الشعب ‏ويتحرر، فكلما زاد الظلم اقتربت لحظة الانفجار مهما زاد قمعه".‏

وقائع أمنية مماثلة

ولم تتوقف عمليات التوقيف الأمني للمصريين، لأسباب يرى معارضون أنها غير ‏منطقية، وبينها في 20 كانون الثاني/ يناير الماضي، اعتقال الناشط السياسي أحمد ‏دومة، عقب نشره مقطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي، يرصد أزمة المعتقل محمد ‏عادل، ليتم إخلاء سبيل دومة (المعتقل السابق) لاحقا بكفالة 100 ألف جنيه.‏

في التوقيت ذاته، اعتقلت السلطات المحامي أحمد أبوالنصر، بمدينة المحلة الكبرى، ‏إثر منشور له بـ"فيسبوك" انتقد فيه أحد الأوضاع العامة، وفق "مركز الشهاب لحقوق ‏الإنسان".‏

والخميس الماضي، وبحسب موقع "الدستور" المحلي، أوقفت الأجهزة الأمنية مصوري ‏فيديو أثار الجدل للمحامي أشرف نبيل خلال استقلاله طائرة خاصة متوجها إلى مدينة ‏أسوان، بدعوى التصوير دون تصريح.‏

وفي 24 كانون الثاني/ يناير الماضي، قبضت مباحث الجيزة على الصحفي الشاب فارس ‏فؤاد، لتغطيته خبرا عن اختطاف طفل سوداني الجنسية من مدرسة حكومية، ليتم ‏إخلاء سبيله بكفالة 5 آلاف جنيه.‏

وفي 7 كانون الأول/ديسمبر الماضي، تم توقيف رئيس تحرير موقع "إيجبتك" الصحفي ‏أحمد رفعت، لنشره خبرا تحت عنوان: "دواجن فاسدة وملونة تغزو الأسواق"، ما ‏سبقه اعتقال الأجهزة الأمنية الصحفي بصحيفة الأخبار إسلام الراجحي لانتقاده ‏تراكم القمامة في قرية بمركز فارسكور بمحافظة دمياط.‏
التعليقات (0)