أطباء بلا حدود لـ"عربي21": لن نقبل بأي شروط إسرائيلية تقوّض مبادئنا الإنسانية

أطباء بلا حدود تقدم خدمات إنسانية داخل قطاع غزة- جيتي
أطباء بلا حدود تقدم خدمات إنسانية داخل قطاع غزة- جيتي
شارك الخبر
قالت رئيسة المكتب الإعلامي الإقليمي لمنظمة "أطباء بلا حدود"، إيناس أبو خلف، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إن منظمتهم لن تقبل بأي شروط تفرضها السلطات الإسرائيلية من شأنها تقويض مبادئها الإنسانية الأساسية، وفي مقدمتها الاستقلال والحياد وعدم التحيّز.

وأكدت أن "أي إجراءات أو متطلبات تُعرّض طواقمها للخطر، أو تُقيّد وصولها إلى المرضى والمحتاجين، تُمثّل انتهاكا خطيرا للقانون الإنساني الدولي، ولن تكون أساسا مشروعا لاستمرار العمل الطبي أو الإنساني في غزة، ونحن سنستمر في البحث عن كل السبل القانونية والدبلوماسية المتاحة للحفاظ على وجودنا الطبي في غزة والضفة الغربية".

وأشارت أبو خلف، إلى أن "ما تشهده غزة اليوم لم يعد مجرد قيود متراكمة على العمل الإنساني، بل يُمثّل انتقالا خطيرا إلى استخدام الأدوات الإدارية والقانونية كسلاح مباشر لقطع شرايين المساعدة عن السكان المدنيين".

وأوضحت أبو خلف أن "نظام التسجيل الإسرائيلي الجديد، والتهديد بعدم تجديد تسجيل منظمات دولية، بينها أطباء بلا حدود، يعني عمليا تعريض مئات آلاف الفلسطينيين لخطر فقدان الرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية، في وقت يعيش فيه الناس في خيام، تحت المطر والبرد، وفي ظل انعدام حاد للأمن الغذائي".

وكشفت أن "عدم تجديد تسجيل المنظمة، وفق ما أُبلغت به من السلطات الإسرائيلية، يعني مطالبة أطباء بلا حدود بإنهاء عملياتها خلال مهلة لا تتجاوز 60 يوما، إلى جانب فرض قيود خطيرة على إدخال الطواقم الدولية والمستلزمات الطبية، وتعقيد التنسيق الأمني والحركي، وهذه الإجراءات تجعل الاستمرار في العمل بالآلية الحالية شبه مستحيل، وتهدد بتقليص نطاق التدخلات الطبية، وتأخير الاستجابة الطارئة".

وكانت 37 منظمة غير حكومية دولية، بينها "أطباء بلا حدود"، قد تلقت في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2025 إشعارا رسميا بأن تسجيلها سينتهي في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2025.

واشترطت إسرائيل على بعض هذه المنظمات تقديم قوائم بأسماء موظفيها الفلسطينيين لإخضاعهم لـ"فحص أمني".

وسبق أن حظرت إسرائيل عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، بادعاء دعمها لحركة "حماس"، وهو ما نفته الوكالة والأمم المتحدة.

اظهار أخبار متعلقة



وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

كيف تنظرون للحرب الإسرائيلية المفتوحة على المنظمات الإنسانية في غزة؟ وكيف تتأثر المنظمات الإنسانية بالقرارات الإسرائيلية الأخيرة؟

ما نراه اليوم هو انتقال من القيود التدريجية على العمل الإنساني إلى استخدام الأدوات الإدارية والقانونية كسلاح لقطع شرايين المساعدة عن الناس في غزة. نظام التسجيل الجديد، والتهديد بعدم تجديد تسجيل منظمات إنسانية دولية مثل أطباء بلا حدود، يعني عمليا تهديد مئات آلاف الفلسطينيين بفقدان الرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية في وقت يعيشون فيه في خيام، وتحت المطر والبرد، ومع مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي.

في عام 2025 وحده، قدّمت فرق أطباء بلا حدود ما يقارب 800 ألف استشارة طبية خارجية، وعالجت أكثر من 100 ألف حالة صادمة، وأدارت أكثر من 400 سرير، وأجرت نحو 22700 عملية جراحية، وساعدت في أكثر من 10 آلاف ولادة، ووفّرت أكثر من 700 مليون لتر من المياه في غزة. هذه الخدمات تُسند نظاما صحيا مدمَّرا، وهي غير متوفرة بشكل كاف في أماكن أخرى.

بينما تقليص وجود المنظمات الإنسانية أو طردها من الميدان في هذه الظروف القاسية، خاصة في الشتاء، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تجريد خطير للناس من وسائل البقاء الأساسية.

في ظل الحاجة الماسّة لأهالي غزة إلى خدمات أطباء بلا حدود، لا سيما لمرضى السرطان وجرحى الحرب، ما الذي سيتغيّر عمليا في آلية عملكم داخل القطاع بعد هذه القرارات الإسرائيلية؟

وفقا لما أبلغتنا به السلطات الإسرائيلية، فإن عدم تجديد التسجيل يعني أن تسجيل أطباء بلا حدود يصبح غير ساري المفعول، وأننا سنُطالب بإنهاء عملياتنا خلال فترة تبلغ 60 يوما من تاريخ الإخطار، مع ما يرافق ذلك من صعوبات في إدخال الطواقم الدولية والمواد الطبية، وفي تنسيق الحركة والأمان مع السلطات العسكرية. هذا يجعل استمرار العمل بالآلية الحالية شبه مستحيل.

حاليا تواصل فرقنا العمل في عشرات المرافق والنقاط الطبية في غزة، وتدعم ما يقارب خمس أسِرّة المستشفيات وولادة طفل واحد من بين كل ثلاثة أطفال يولدون في القطاع، لكن الإجراءات الجديدة تهدد قدرتنا على جلب الإمدادات، وتحريك الطواقم، والحفاظ على ممرات آمنة. عمليا، يعني ذلك تقليصا إجباريا في نطاق تدخلاتنا، وتأخيرات خطيرة في توقيت الاستجابة، واضطرارنا إلى التركيز على أقل قدر ممكن من الخدمات ذات الأولوية القصوى، مع تقليص أو إيقاف خدمات أخرى يحتاجها الناس بشدة، من رعاية الأمراض المزمنة إلى متابعة مرضى السرطان وإعادة التأهيل بعد الإصابات البليغة.

هل ما يجري اليوم يُمثّل تحوّلا نوعيا من عرقلة العمل الإنساني إلى هجوم مباشر ومنهجي عليه؟ وما خطورة ربط تسجيل المنظمات الإنسانية بشروط أمنية وسياسية على مبدأ الاستقلال الإنساني؟

الذي نرصده هو استخدام منظّم للأدوات البيروقراطية والقانونية، إلى جانب الاتهامات العلنية غير المثبتة، لتقييد عمل المنظمات الإنسانية وإضعاف قدرتها على الوصول إلى الناس بدلا من تسهيل هذا الوصول كما تقتضي الالتزامات القانونية الدولية. التهديد بحرمان عشرات المنظمات من التسجيل، في ظل دمار شبه تام للبنية الصحية في غزة يرقى إلى استهداف منهجي لحيّز العمل الإنساني نفسه.

ربط التسجيل بشروط أمنية وسياسية – مثل طلب قوائم مفصلة للموظفين المحليين بدون ضمانات كافية حول كيفية استخدام هذه البيانات وحمايتها – يمسّ جوهر الاستقلال والحياد الإنساني. في سياق تعرّض فيه العاملون الصحيون والإنسانيون للاعتقال والتهديد والقتل، يصبح اشتراط هذه القوائم شرطا تعسفيا وخطيرا، يضع موظفينا في دائرة الاستهداف ويحوّل الوصول الإنساني إلى امتياز مشروط سياسيا، لا إلى واجب قانوني تجاه السكان المدنيين.

هل يمكن أن تصلوا إلى نقطة التقاء مع السلطات الإسرائيلية؟ وهل لديكم خطة بديلة من أجل الاستمرار في العمل؟

منذ أشهر وأطباء بلا حدود منخرطة في إجراءات التسجيل، وقد قدّمنا القسم الأكبر من المعلومات المطلوبة، وطلبنا مرارا لقاءات مع الوزارة المسؤولة عن التسجيل من أجل توضيح نقاط الخلاف، خصوصا ما يتعلق بقوائم الموظفين. للأسف، لم نتلق إجابات كافية ولا ضمانات واضحة حول كيفية حماية بيانات زملائنا الفلسطينيين، في سياق قُتل فيه 15 من زملائنا على أيدي القوات الإسرائيلية. مع ذلك، ما زلنا نسعى إلى حوار بنّاء يضمن استمرار وصولنا الإنساني مع احترام التزاماتنا القانونية والإنسانية تجاه موظفينا ومرضانا.

لدينا دائما خطط طوارئ تشغيلية، تشمل دعم الكوادر المحلية قدر الإمكان، وإعادة توزيع بعض الأنشطة أو تسليمها لشركاء آخرين عندما يكون ذلك ممكنا، لكن لا توجد خطة بديلة يمكنها تعويض فقدان الوصول الآمن والمباشر إلى غزة.

ما نسمعه رسميا يتمحور حول استكمال متطلبات التسجيل، بما في ذلك مشاركة قوائم الموظفين، لكننا لا نستطيع التكهن بما تريده السلطات الإسرائيلية على المستوى السياسي. ما يمكننا التأكيد عليه هو أننا لن نقبل بأي شرط يقوّض مبادئنا الإنسانية أو يعرّض موظفينا للخطر، وسنستمر في البحث عن كل السبل القانونية والدبلوماسية المتاحة للحفاظ على وجودنا الطبي في غزة والضفة الغربية.

هل تخشون أن يؤدي التضييق على "أطباء بلا حدود" إلى سلسلة انسحابات لمنظمات أخرى، وما يعنيه ذلك إنسانيا؟

نعم، هذا خطر حقيقي. القواعد الجديدة لا تطال أطباء بلا حدود وحدها، بل تهدد بسحب التسجيل عن عشرات المنظمات الإنسانية الدولية. إذا فقدت المنظمات المستقلة وذات الخبرة إمكانية الوصول إلى غزة والضفة الغربية، فإن النتيجة ستكون فجوة إنسانية هائلة لا يمكن للنظام الصحي المدمر ولا لبقية الفاعلين ملؤها.

اليوم، تدعم أطباء بلا حدود سريرا واحدا من كل خمسة أسِرّة في مستشفيات غزة، وتساعد في ولادة طفل واحد من بين كل ثلاثة أطفال يُولدون في القطاع، وتوفر مئات آلاف الاستشارات والعمليات الجراحية سنويا. إذا انسحب عدد أكبر من المنظمات التي تقدّم خدمات حيوية مماثلة، فسيُحرم الناس من الرعاية الطارئة، ورعاية الأمراض المزمنة، وخدمات الصحة النفسية، والمياه والصرف الصحي. على المستوى الإنساني، هذا يعني المزيد من الوفيات التي كان يمكن تجنبها، ومزيدا من المعاناة لمَن يعيشون أصلا على حافة البقاء.

من الناحية القانونية، كيف تقيّمون التزامات إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال تجاه حماية العمل الطبي والإنساني؟

بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، تتحمل إسرائيل التزامات واضحة بموجب القانون الإنساني الدولي، من بينها ضمان عمل النظام الصحي، واحترام وحماية المنشآت والكوادر الطبية، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية بشكل سريع وغير معرقل إلى السكان المدنيين. وضع عراقيل إدارية تؤدي فعليا إلى منع منظمات طبية مستقلة من العمل في غزة، يتعارض مع هذه الالتزامات، ومع قرارات مثل قرار مجلس الأمن 2720، الذي يدعو إلى إيصال المساعدات الإنسانية بشكل غير معرقل.

الهجمات المتكررة على المرافق الصحية، واستهداف العاملين الصحيين، والتدابير التي تُعرقل أو تمنع تقديم الرعاية، تُمثّل انتهاكات خطيرة لالتزام حماية العمل الطبي في أوقات النزاع. لا يمكن التعامل مع الرعاية الصحية كامتياز قابل للتفاوض؛ فهي التزام قانوني أخلاقي لا يسقط حتى في أصعب الظروف الأمنية.

هل وثّقتم حالات جرى فيها تجاهل مطالبكم بالحوار مقابل تصعيد إعلامي وتشويه للسمعة؟

على مدى أشهر، التمسنا مرارا وتكرارا توضيحات من السلطات الإسرائيلية بشأن متطلبات التسجيل، خصوصا طلب قوائم الموظفين، وطالبنا بضمانات حول استخدام هذه البيانات وحمايتها. ورغم تقديم مقترحات وسطية عديدة، لم نتلق ردودا جوهرية أو ضمانات كافية، في الوقت نفسه الذي صدرت فيه بيانات عامة تتهم موظفين مرتبطين بأطباء بلا حدود بالانتماء إلى جماعات مسلحة، دون تقديم أدلة قابلة للتحقق أو إشراكنا في حوار جاد حول الادعاءات.

على مدار العامين الماضيين، كانت أطباء بلا حدود أيضا هدفا لحملة معلومات مضللة، شملت اتهامات علنية بالارتباط بـ "الإرهاب" أو "التواطؤ" مع أطراف عسكرية. نحن نأخذ هذه الادعاءات على محمل الجد، لأنها لا تسيء فقط لسمعة المنظمة، بل تعرّض طواقمنا ومرضانا للخطر وتُضعف ثقة الناس بالخدمات الطبية الحيوية التي نقدّمها.

إلى أي حد تشعرون أن المجتمع الدولي يكتفي بالمراقبة بدل ممارسة ضغط فعلي لوقف هذا المسار؟

حتى الآن، لا يرقى رد فعل المجتمع الدولي إلى مستوى خطورة ما يحدث. رأينا بيانات قلق ودعوات عامة، لكن المطلوب اليوم هو تحرّك عملي واضح: استخدام النفوذ السياسي والاقتصادي والدبلوماسي للضغط من أجل احترام القانون الإنساني الدولي، ولضمان استمرار وصول المنظمات الإنسانية المستقلة إلى غزة.

لقد دعونا مرارا الدول، خاصة تلك التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل، إلى اتخاذ خطوات ملموسة: دعم تجديد تسجيل المنظمات الإنسانية، وربط التعاون العسكري والأمني باحترام واضح للقانون الدولي، والعمل في المؤسسات الدولية لضمان مساءلة جدية عن الانتهاكات. الاقتصار على "المراقبة" أو الاكتفاء بالتصريحات لا يغيّر الواقع على الأرض، بل يسمح باستمرار مسار تدمير الحيّز الإنساني.

هل يمكن أن يُشكّل ما يحدث في غزة سابقة خطيرة تهدّد العمل الإنساني في نزاعات أخرى حول العالم؟

نعم، ما يحدث اليوم يحمل كل ملامح سابقة خطيرة. إذا أصبح مقبولا أن تُفرَض على المنظمات الإنسانية شروط سياسية وأمنية تعسفية – مثل مشاركة بيانات حساسة عن الموظفين في سياق معادٍ – أو أن تُستخدم الاتهامات غير المثبتة لتجريم المنظمات وحرمانها من التسجيل، فسوف يغري ذلك أطراف نزاع أخرى حول العالم لتبني الأسلوب نفسه.

هذا يُحوِّل مبدأ الحياد والاستقلال الإنساني إلى شعار فارغ، ويُشرعن تحويل الوصول الإنساني إلى أداة ضغط سياسي وأمني. إذا لم يُواجه هذا المسار بوضوح، سيجد العاملون الطبيون والإنسانيون أنفسهم في مزيد من البيئات التي يُطلب منهم فيها الاختيار بين خيانة مبادئهم أو مغادرة الناس لمصيرهم، وهذا تهديد مباشر لمستقبل العمل الإنساني ككل، وليس فقط في غزة.

ما الرسالة التي توجهونها إلى الدول الداعمة لإسرائيل، خصوصا تلك التي تؤكد التزامها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان؟

رسالتنا واضحة: لا يمكن التوفيق بين دعم غير مشروط لسياسات تُدمّر النظام الصحي وتقيّد المساعدات، وبين الادعاء بالالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. الدول التي تقدم دعما سياسيا أو عسكريا أو ماليا لإسرائيل لديها مسؤولية خاصة في استخدام نفوذها لضمان احترام التزاماتها كقوة قائمة بالاحتلال، ووقف الإجراءات التي تُفرغ القانون الإنساني من مضمونه.

ندعو هذه الدول إلى الضغط العلني وغير العلني لضمان تجديد تسجيل المنظمات الإنسانية المستقلة والسماح لها بالعمل دون عراقيل، وينبغي عليهم مراجعة سياسات نقل الأسلحة أو الدعم العسكري الذي قد يسهم في ارتكاب انتهاكات خطيرة، ونطالبهم بدعم آليات تحقيق مستقلة وذات مصداقية في الهجمات على المرافق الصحية والعاملين الإنسانيين.

مَن يصرّح بالتزامه بالقانون الدولي لا يمكنه أن يغضّ الطرف عن السياسات التي تنسف هذا القانون على الأرض.

في ظل هذا الواقع القاتم، ما الذي يحتاجه العمل الإنساني في غزة بشكل عاجل: حماية سياسية، مساءلة قانونية، أم تغيير جذري في مقاربة المجتمع الدولي لما يجري؟

العمل الإنساني في غزة يحتاج كل ما سبق، وبشكل متزامن:
•           يحتاج إلى حماية سياسية ملموسة: قرارات واضحة تحمي المنظمات الإنسانية من التجريم والتحريض، وضمانات عملية لسلامة الطواقم والمرافق الطبية، ورفع العراقيل الإدارية التي تخنق عملياتنا، بما في ذلك إجراءات التسجيل الجديدة.

•           يحتاج إلى مساءلة قانونية: تحقيقات مستقلة في الهجمات على المرافق الصحية والعاملين الإنسانيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي، لأن غياب المساءلة يشجع تكرار الانتهاكات.

•           ويحتاج أيضا إلى تغيير جذري في مقاربة المجتمع الدولي: الانتقال من إدارة تبعات الأزمة إلى التعامل مع أسبابها البنيوية، ومن خطاب “إدارة المساعدات” إلى الدفاع عن حيّز إنساني مستقل، وعن حق الناس في الرعاية والحياة الكريمة.

بدون هذه العناصر الثلاثة، سيبقى العمل الإنساني محاصَرا، مهما بلغت كفاءة الفرق واستعدادها للعمل في أصعب الظروف.

أخيرا، إذا استمر هذا النهج، كيف سيكون المشهد الإنساني في غزة خلال الأشهر المقبلة؟ ومَن سيدفع الثمن الأكبر؟

إذا استمرت السياسات الحالية – من تقييد المساعدات وإغلاق المعابر إلى تهديد المنظمات المستقلة بسحب التسجيل وتجريم العاملين الإنسانيين – فسنشهد انهيارا أعمق لما تبقّى من النظام الصحي، وارتفاعا حادا في الوفيات التي كان يمكن تجنبها.

إن غياب أطباء بلا حدود ومنظمات أخرى يعني عمليا تراجع عدد الأسِرّة والجراحين وأقسام الطوارئ، في سياق لا يتوقف فيه العنف؛ حيث تلد نساء حوامل دون رعاية متخصصة، ويعاني أطفال من سوء التغذية والأمراض المعدية بلا علاج كاف، وينقطع العلاج عن مرضى السرطان والأمراض المزمنة، فيما يُترك مزيد من الناس بلا مياه نظيفة ولا صرف صحي ملائم.

الثمن الأكبر سيدفعه المدنيون في غزة، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة: الأطفال، والمرضى، وكبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة، لكن ثمن هذا النهج لا يقتصر على غزة؛ إنه يرسّخ رسالة مفادها أن القانون الإنساني الدولي قابل للتفاوض، وأن حماية العمل الطبي ليست خطا أحمر، وهذا ما ينعكس على كل ساحة نزاع في العالم.
التعليقات (0)