عباس زكي يكشف لـ"عربي21" آخر تفاصيل المؤتمر الثامن لحركة "فتح" (فيديو)
رام الله- عربي2109-Jan-2604:37 PM
عباس زكي أكد أن حركة فتح مُطالبة بمراجعة شاملة وقرارات مصيرية تعيدها إلى موقعها الطبيعي كحركة تحرر لا تشيخ- عربي21
شارك الخبر
كشف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الفلسطينية، عباس زكي، عن آخر
تفاصيل التحضيرات الجارية لانعقاد المؤتمر العام الثامن للحركة، موضحا أن "اللجنة
التحضيرية للمؤتمر قطعت شوطا متقدما في استكمال الترتيبات التنظيمية، بعد توزيع
أعضائها على اللجان الأساسية، تمهيدا لإنجاز مهامها خلال النصف الأول من عام 2026،
بما يضمن عقد مؤتمر مفصلي يواكب دقة المرحلة والتحديات الوجودية التي تواجه القضية
الفلسطينية".
وقال زكي، في مقابلة مصوّرة مع "عربي21"، أن "انعقاد
المؤتمر بات ضرورة وجودية في ظل حرب مفتوحة تستهدف الشعب والقضية الفلسطينية"،
مؤكدا أن "فتح مطالبة بمراجعة شاملة وقرارات مصيرية
تعيدها إلى موقعها الطبيعي كحركة تحرر لا تشيخ ولا تتنكر لتاريخها وتراثها
النضالي، بل تستعيد دورها الريادي في قيادة المشروع الوطني".
وأشار إلى أن "التحدي الأكبر يتمثل في مكان انعقاد المؤتمر العام
الثامن لحركة فتح، في ظل تعذر عقده على الأرض الفلسطينية بسبب سياسات الاحتلال، ما
دفع الحركة لأول مرة لبحث خيارات في أوروبا أو في دول عربية وإسلامية، بينها مصر
ولبنان".
وذكر أن "تأخر انعقاد المؤتمر يعود لظروف المعركة المفتوحة
ومحاولات فرض حلول تصفوية، تقوم على طمس الهوية والتنكر للتاريخ والشهداء والأسرى"،
مؤكدا أن "الحركة لن ترفع راية الاستسلام، وأن الوقت حان لتفنيد الاتهامات
واستعادة ثقة الشعب بفتح كعمود فقري للنضال الفلسطيني".
وأكد زكي أن حركة فتح بعد مؤتمرها الثامن لن تخضع للابتزاز أو التبعية
أو الاحتواء، موضحا أن "تعطيل دورها في مراحل سابقة كان بذريعة انتظار الحل
السياسي، لكن نتائج مسار أوسلو تحولت إلى أداة ضغط على الشعب والحركة، ما يستوجب
استعادة القرار الوطني المستقل".
وأدناه نص المقابلة المصوّرة مع "عربي21":
ما آخر التطورات الخاصة بانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح؟
قبل أيام، دعت اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام الثامن إلى اجتماع خُصص
لاستكمال كل ما يتعلّق بحركة تاريخية كبرى، تمر اليوم بمرحلة دقيقة، وتواجه واقعا
مغايرا لما كانت تقرره وتسير عليه في مراحل سابقة من تاريخها.
وقد عقدت اللجنة التحضيرية اجتماعها، وجرى خلاله توزيع أعضائها على
اللجان الأساسية والضرورية، ومن بينها لجنة البرنامج السياسي، ولجنة التنظيم،
ولجنة النظام، واللجنة اللوجستية، إضافة إلى لجنة العضوية. وتباشر هذه اللجان
أعمالها بصورة متزامنة، على أن تُستكمل مهامها خلال النصف الأول من عام 2026.
نحن أمام حركة تاريخية كانت لها أهداف كبيرة، لكن كثيرا منها لم
يتحقق، بل إننا اليوم نواجه حرب وجود حقيقية. ومن هنا تبرز ضرورة أن تعقد حركة فتح
مؤتمرها العام الثامن، وأن تُجري مراجعة شاملة، وتتخذ قرارات مصيرية، تعيدها إلى
موقعها الطبيعي، باعتبارها حركة لا تشيخ، ولا يمكن أن تتنكر لتاريخها أو لتراثها
النضالي الكبير.
والمجلس الثوري لحركة فتح عُقد في يومي 8 و9 كانون الثاني/ يناير الجاري،
لمناقشة وإغناء كل ما يتعلّق بإنجاح المؤتمر العام المرتقب، غير أن الصعوبة
الأساسية تكمن في كيفية انعقاد المؤتمر ومكانه.
في السابق، كنّا نعقد مؤتمراتنا على أرضنا، أما اليوم، وفي ظل تحكم
سموتريتش وبن غفير بالجانب الفلسطيني، بات من الصعب تكرار ذلك. ولذلك نبحث حاليا
عن أكثر من خيار آخر، سواء في أوروبا، في إحدى الدول الأوروبية، أو في المنطقة
العربية والإسلامية، وربما في دول مثل مصر أو لبنان.
ونحن نجري في هذه المرحلة كل الاتصالات اللازمة لضمان انعقاد المؤتمر
في موعده، وبقرارات موحّدة، وبانتخابات نضمن شفافيتها ونزاهتها، وصولا إلى النتائج
التي تلبي تطلعات الحركة وأبناء شعبنا.
لماذا تأخر انعقاد المؤتمر، وما الذي يُعوّل عليه؟
كما قال ابن خلدون، الإنسان يتأثر بالمحيط والمناخ، ونحن نعيش معركة مفتوحة
لا تعرف الهدنة، ولهذا تأخر انعقاد المؤتمر العام، على أمل أن نصل إلى شيء ما، لكن
المؤسف أن الطرف الآخر يريد حلا على الطريقة الصهيونية، يقوم على إخراجنا من
بلدنا، وإجبارنا على التنكر لتاريخنا، ولشهدائنا، ولأسرانا، ولكل القيم والأخلاق
التي حمت هذه المسيرة طوال 61 عاما.
لكن ليس من السهل أن نتنكر لتاريخنا أو أن نرفع أيدينا استسلاما. لقد
آن الأوان لإعادة الاعتبار لما كان شعبنا يراهن عليه، ولتفنيد كل التهم التي لحقت
بنا، في ظل فرض الهيمنة والقبضة الأوروبية–الأمريكية التي تحاول حرف المسار لمصلحة
العدو الصهيوني، دون أي مقابل لأصحاب الحق الشرعيين.
اليوم، العالم معنا إنسانيا. الدم الذي سال في غزة، وحرب الإبادة
والتطهير العرقي، أيقظت ما تبقى من ضمير إنساني في الدول الديمقراطية الغربية،
سواء في أوروبا أو حتى في الولايات المتحدة التي كانت حاضنة رئيسية لإسرائيل.
أوروبا نفسها، التي بدأت بوعد بلفور المشؤوم، وسهّلت الهجرات
الصهيونية إلى فلسطين عبر هربرت صموئيل، وشهدت عشرات المجازر عام 1948، تعود اليوم
لتتحدث عن الدولة الفلسطينية. بريطانيا تعترف، وفرنسا التي زوّدت إسرائيل عام 1954
بالمفاعل النووي في ديمونا وبطائرات الميراج، تدعو اليوم إلى قيام دولة فلسطينية،
وتسعى للتبرؤ من إرثها التاريخي تجاه شعبنا.
صرّحتم بأن حركة فتح بعد المؤتمر الثامن لن تخضع للابتزاز
أو التبعية أو محاولات الاحتواء.. فهل يعني ذلك أنها خضعت سابقا؟
حركة فتح كانت عمليا مستثناة في مراحل كثيرة؛ إذ جرى تعطيل دورها
بانتظار حل سياسي، حتى لا تُتّهم بأنها تعرقل أي أفق للسلام، لكن كل الفرص التي
أُعطيت لمَن قادوا العملية السياسية منذ أوسلو حتى اليوم تحوّلت إلى سلاح وُجّه في
صدر الشعب الفلسطيني وفي صدر حركة فتح نفسها.
نعم، نحن اليوم خارج الضغط والوصاية، وسنبرهن أننا لا نقبل التبعية
ولا الاحتواء، ولا التدخل في شؤون الآخرين. لدينا قضية عادلة وشعب عظيم، وكما طائر
الفينيق، نعود دائما من تحت الرماد، لأن قضيتنا عادلة، ولأن العالم بدأ ينقلب
إنسانيا لصالحنا، رغم القبضة الحديدية الرسمية المرتبطة بالقاطرة الأمريكية.
برأيكم، هل فقدت حركة "فتح" جزءا من زخمها
الجماهيري لصالح قوى جديدة؟
نعم، هذا شعب يمر بمجازر واسعة، ورغم كل ما يقدمه يُطلب إعدامه. ليس
كل الناس قادرين على الاستمرار بالوتيرة نفسها. الفلسطيني يعبر عن ذاته بطرق مختلفة،
سواء بشكل فردي أو ضمن تنظيمات، وهو يرى نفسه في مواجهة مباشرة مع العدو.
ولو بقيت "فتح" كما بدأت، لما ظهرت لا حماس ولا الجهاد ولا
أي فصيل آخر، لكن التراجعات الفتحاوية خلقت حالة فصائلية. ومع ذلك، تبقى فتح "العمود
الفقري" للنضال الفلسطيني، وقد أثبتت عبر التاريخ أنها حركة لا تموت.
شعارنا في الماضي كان: "دع ألف زهرة تتفتح"، لكن هذا الشعار
لم يكن مطلقا أو فوضويا، بل كان قائما داخل بستان الثورة، وفي اللقاء على أرض
المعركة. أمّا اليوم، فلا بستان للثورة قائم كما كان، ولا اللقاء يتم على أرض
المعركة بالشكل الذي عرفناه سابقا.
ومع ذلك، ورغم انتفاضة شعبنا العظيمة، ورغم أننا أصبحنا في مسار
الكفاح المسلح الرقم الصعب بعد معركة الكرامة الخالدة، يوم الخميس 21 آذار/ مارس
1968، فإن جوهر القضية لم يتغيّر.
في تلك اللحظة التاريخية، قال الرئيس جمال عبد الناصر مخاطبا ياسر
عرفات: "صدقت، إن فتح أنبل ظاهرة وُجدت لتبقى"؛ فردّ عليه أبو عمار في
حينه: "لتبقى ولتنتصر"، فقال له عبد الناصر: "النصر أن نأخذك إلى
السوفييت، ويتعاملون معك مباشرة".
نحن خضنا تجارب قاسية، وكنا في كل المواقع، وفي كل المعارك، ولم يكن
أحد يتوقّع لنا أن نستمر أو أن ننجح في الخروج من المأزق، لكن هذه قضية عادلة،
والقضية العادلة لا تُهزم مهما طال الزمن.
هل تعتقدون أن "الخيار المسلح" داخل فتح استُهلك
نهائيا أم يمكن أن يعود في صيغة جديدة غير كلاسيكية؟
لا، المعركة مستمرة، والصمود بحد ذاته شكل من أشكال النضال؛ ففي ظل الشحّ
الحاد في الإمكانيات، والحصار العربي الخاضع لإملاءات واشنطن - حيث يدفع العرب
للولايات المتحدة ما يقارب 5 تريليونات دولار بينما يعجزون عن إدخال الحليب
لأطفالنا الفلسطينيين - تتجلّى عظمة هذا الشعب وقيادته، قيادة لا يمكن أن
"تأكل بثدييها"، ولا يمكن أن تستسلم أو تتخلّى عن إرثها النضالي، ولا عن
شهدائها وجرحاها وأسرائها الذين يُعذبون في سجون الاحتلال، وأي تشكيك في ذلك إنما
هو فقدان للإنسانية قبل أي شيء آخر.
لكن حركة "فتح" تخلت فعليا عن "الكفاح
المسلح".. ما ردكم؟
هذا توصيف شعاري لا يعكس الواقع. انظر إلى الأسرى في السجون قبل 7
تشرين الأول/ أكتوبر 2023، غالبيتهم من "فتح"، وانظر إلى سجل الشهداء
والمقابر وسجل الخالدين معظمهم من حركة فتح التي هي حركة وسطية عظيمة، وحركة
مناضلين.
الشعب الفلسطيني حين يشعر بانحراف، لا يلتزم به، لأنه شعب أكبر من أي
تنظيم، وارتباطه بالمسيرة التاريخية العظيمة يفرض عليه التضحية. وإن لم نضحِّ أنا
وأنت، فمن يضحي؟
في الواقع، ليس كل ما يلمع ذهبا، ولو كانت حركة فتح قد تخلّت فعليا عن
كفاحها، لما كان لديها هذا العدد الكبير من الأسرى، عدد يعادل مجموع أسرى كل
الحركات الفلسطينية الأخرى، بل ويتجاوز أضعاف خصومها ومنافسيها، وهم يعرفون ذلك
جيدا.
نعم، حركة فتح حركة واسعة وكبيرة، وقد تلتزم بمرضاة العالم، لكن ليس
على حساب موت الضمير، ولا على حساب الوجدان، ولا على حساب الإرادة الفلسطينية.
لماذا فشلت كل محاولات إنتاج "تيار إصلاحي" حقيقي
داخل "فتح" رغم شكاوى القاعدة الشعبية المتكررة؟
لم تفشل تلك المحاولات، بل كان الهمّ الأكبر هو البحث عن فرصة لاختراق
صفوف الأعداء، ومحاولة انتزاع مكسب ما، سواء في ظل ما سُمّي بـ "السلام
الإبراهيمي"، أو في ظل إدارة الظهر العربي والإسلامي، الذي قد يكون حاضرا
بالصوت، لكنه في الواقع لا يتجاوز كونه ظاهرة صوتية لا تسمن ولا تغني من جوع.
أما اليوم، فإن المرجعية الحقيقية للإصلاح لم تعد في تلك الرهانات، بل
في تكريس أبجديات ومبادئ وأساليب حركة تاريخية ذات مصداقية عالية، حركة كانت،
وستبقى، وستعود بإذن الله إلى موقعها الطبيعي ودورها الأصيل.
هل ابتلعت السلطة الفلسطينية تنظيم حركة فتح؟ وكيف تحولت
الأجهزة الأمنية إلى حارس للنظام السياسي أكثر من كونها أداة في مشروع تحرر وطني؟
عندما يكون هناك خداع باسم السلام، يصبح كل شيء ممكنا. إسرائيل منذ
البداية أنكرت وجود الشعب الفلسطيني، وقالت إنه "شعب مُخترع"، وروّجت
لفكرة أنها تريد إعادة تشكيل المنطقة، وأن تكون الحارس الأول للولايات المتحدة في
الشرق الأوسط، مُستندةً إلى إرث طويل من الجرائم الأوروبية، من الاستعمار القديم
إلى الاستعمار الجديد المتجدد في الإدارة الأمريكية.
لكن الواقع أن الناس تغيّروا، وعددا كبيرا من قادة الأجهزة الأمنية
استُشهدوا ونفذوا عمليات خاصة، وهذا دليل قاطع على أن هذا الشعب، وهذه الحركة، ليس
من السهل احتواؤهما أو تدجينهِما. نحن نحاول، قدر المستطاع، ألا نعترض على أي خطوة
يمكن أن تحمل في طياتها خيرا لشعبنا؛ فعندما يُطرح، على سبيل المثال، وقف الحرب
على غزة، نقول نعم لوقف الحرب مهما بلغ الثمن، لأن غزة لم يعد لها منقذ عربي أو
إسلامي، إلا عبر بوابة هذا التاجر المتقلّب الذي يُدعى دونالد ترامب، والذي يسبّح
الجميع بحمده للأسف.
نحن لا نقف لنقول إن الجميع مخطئ، بل نقول: "اذهبوا وجربوا،
افعلوا ما ترونه ممكنا"، لكن إذا كان المقصود هو اختطاف غزة من الوطن، أو
طردنا خارج أرضنا، فذلك مرفوض بالكامل، لا هو ولا مَن معه يستطيعون ذلك، لأن الأرض
تتحدث بلسان الصامدين فيها.
نحن لا نريد أن نخسر الفرص، لكننا في الوقت نفسه لن نقبل الذل ولا
الإهانة ولا اغتصاب العقول. يستطيعون قتل أي إنسان فينا، لكنهم لا يستطيعون قتل
الفكرة التي تقول إننا نستحق، كغيرنا من الشعوب، حقوقنا الكاملة، وأن نعيش على
أرضنا بسلام.
وفي نهاية المطاف، الرابح هو مَن يبقى على الأرض. نحن هنا، حتى وإن لم
تكن هناك رواتب، ولا أمن، ولا مقومات حياة، نعيش بكرامة. وهناك دول تمتلك كل شيء
لكنها تعيش في خوف ورعب لأنها خرجت عن النص، وكما جاء في الحديث الشريف: "مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى". ومع ذلك، نحن لا نجد أي أحد يقف معنا، لا كمسلمين ولا كعرب،
فيما يقف كثيرون إلى جانب مَن يعربد، وينهب الأموال، ويدمر المدن والقرى يوما بعد
يوم.
هذا كله زائل ومؤقت، والبقاء في النهاية لأصحاب الفكرة، الفكرة التي
تقول إن هذه الأرض لا بد أن تتحرر، وأن أرض السلام لا يمكن أن تقوم على الانتقام.
إسرائيل إلى زوال، وقد أُتيحت لها فرص كثيرة ولم تحسن استثمارها.
كيف تقيّم أداء ومسيرة الرئيس محمود عباس داخل حركة فتح
مقارنة بمسيرة وأداء الرئيس الراحل ياسر عرفات؟
هذا سؤال لا أجيب عليه، لأن محمود عباس لا يزال رئيسا لفلسطين، وعندما
تجري الانتخابات، ومَن يترشح في مواجهته يقدّم برنامجه، قد نتفق معه أو نختلف،
لكنني أؤمن بأن الله موجود، حتى إن انخدع البشر.
وكما جاء في قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا".
كل مَن يتولى مهمة عامة هو مُحاسب عليها أمام الله، وأمام شعبه، وأمام التاريخ،
سواء في المؤتمرات القادمة أو في الانتخابات المقبلة.
لذلك، لا أريد أن أُستدرج الآن إلى فتح معارك داخلية إضافية. نحن نريد
أن ننجو بسلام، لأن عدونا كبير وخطير، وإذا كان لدينا ما نقوله، فمكانه داخل البيت
الفلسطيني.
مَن الشخص الأقرب لخلافة الرئيس محمود عباس؟
حتى ياسر عرفات، عندما رشح نفسه للسلطة، أنا هاجمته شخصيا. قلت له: "أنت
رئيس فلسطين وأبو الأمة، فكيف ترشح نفسك لقيادة حكم ذاتي منزوع السيادة وقابل
للحل؟، أنت كبير، ونريدك أن تبقى كبيرا، ولا نريدك أن تترشح لموقع بهذه الصيغة
الناقصة"، وكتب يومها في الصحف يسأل: لماذا وكيف؟، ثم أجابني لاحقا قائلا: "فعلت
ذلك من أجلكم، حتى لا يأتيكم غدا الجواسيس على المظلات ويصبحوا رؤساء عليكم".
هو سنّ سنة حميدة، مفادها أن صندوق الاقتراع هو الذي يأتي بالرئيس،
وأنا أثق بشعبي ثقة مطلقة بأنه لن يأتي بـ "جواسيس". لذلك، عندما تسألني
عن الخليفة، أقول لك: صندوق الاقتراع هو الفيصل، ولا أحد بديلا عن إرادة الشعب، ونحن
لسنا بدلاء عن الشعب، ولا أوصياء عليه. نترك الأمر للشعب كي يقول رأيه بحرية.
هل يمكن أن تترشح شخصيا لمنصب الرئاسة في الانتخابات
المقبلة؟
بصراحة، ورقتي محروقة لدى العرب والأمريكيين الذين يحبون إسرائيل،
وأنا لا أريد أن أجرّ على شعبي "مذبحة جديدة"، لكننا سنجد مَن يستطيع
المناورة، ومَن يعرف كيف يدير الزوايا، ومَن يعيد الاعتبار للنفسية الفلسطينية،
حتى لا تنكسر.
النفسية الفلسطينية لم تنكسر رغم الجوع، ورغم الألم، ورغم فقدان
الأحبة. كثيرون اليوم يبكون ويتألمون، لكن الحقيقة أن العرب والمسلمين، عبر
التاريخ، كانوا في كثير من الأحيان مجرد ظاهرة صوتية لا أكثر، ولو كانوا معنا فعلا
(العرب والمسلمين)، لما استمرت المأساة 76 عاما، فما الذي يجعل إسرائيل تتمدّد
وتستفحل يوما بعد يوم، ويزداد عدد أصدقائها، ويُسوّق لها ما يُسمّى بـ
"السلام الإبراهيمي"، وتُرتكب باسم ذلك أفعال يندى لها الجبين؟، لو كان
هناك دم عربي أو إسلامي حيّ يحمي هذه القضية، لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه
المؤسف للغاية.
اليوم، بفعل الدم والتضحيات، أصبحنا الرقم الصعب في معادلة الصراع.
صنعنا المعجزة في الماضي، وسنعود إن شاء الله في حين لا نعرف بعد شكل النضال
القادم، وربما تنفجر التناقضات داخل إسرائيل نفسها، فهم لم يعودوا أسطورة التفوق،
ولم يعودوا موحدين، ولم يعد لديهم ثقة بالمستقبل؛ فكثير من أصحاب الأموال والشركات
عندهم غادروا البلاد.
نحن نركز على أن هذا الشعب الفلسطيني، شعب الجبارين، إذا فقد الأمل،
صنع المعجزات. أما الخلافات الداخلية، فهي ما يجب أن نعمل على معالجته، لأن القلعة
مُحاصرة، والحرب وجودية، آن الأوان أن تكون تناقضاتنا الثانوية في الخلف، وأن
نُوجّه البوصلة نحو العدو الأول، العدو الذي هتك العرض وذبح الشعب، ويمارس دور "بلطجي
الحارة" كل يوم.
وسنصل، بإذن الله، إلى الوحدة التي دعا إليها ياسر عرفات، وسنحقق حلم
وطموح كل الأحرار والشرفاء في العالم. سنكون، كما بقية الشعوب التي ناضلت وحررت
نفسها، ولن يجدوا فينا مَن يستسلم لإرادة أعدائنا، مهما تبدلت وجوههم.
ما سبل تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية؟ وما أبرز الإصلاحات
المطلوبة برأيكم؟
منظمة التحرير الفلسطينية تحتاج، قبل كل شيء، إلى أن تعود لتمثل كل
الشعب الفلسطيني؛ فكل فلسطيني، أينما كان في أقصى بقاع العالم، هو عضو فيها بحكم
كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. لا يجوز اختطاف هذه المنظمة، ولا
تشويه صورتها، ولا التهاون في إصلاح أي خلل داخلها، لأنها تمثل قمة الانتماء
الوطني، وهي عقل الشعب الفلسطيني وشرفه.
هذه المنظمة لم تأتِ نتيجة قرار إداري أو ظرف عابر، بل جاءت بفعل
الدم، وبفعل المسيرة الطويلة، وبقناعة راسخة مفادها أننا من دون وحدة نحكم على
أنفسنا بالموت؛ فالوحدة حياة، والانقسام موت. منظمة التحرير هي الإطار الجامع الذي
يلمّ شتات الفلسطينيين، وهي الوطن المعنوي للشعب الفلسطيني، ولذلك يجب أن نحرص
عليها كما نحرص على حدقات العيون.
يجب ألا يكون أي فصيل خارج إطارها، وبالحوار وحده يمكن أن نتوصل إلى
الصيغة التي تُمكّن الجميع من أخذ مكانهم الطبيعي داخل هذه المنظمة، لأنها غير
قابلة للاختطاف من أي طرف. المرحلة القادمة تفرض مهام كبيرة، واستراتيجيات واضحة،
يفهمها كل العاملين وكل الفلسطينيين الذين يراهنون على منظمة التحرير باعتبارها
البيت الجامع للشعب الفلسطيني. والسؤال ليس إن كنا نعرف كيف نبدأ، بل إن كنّا نملك
الإرادة الحقيقية للنهوض بالمنظمة من جديد.
هل تحوّل الانقسام القائم بين حركتي فتح وحماس إلى صراع
صفري؟
نعم، هناك هوّة عميقة على مستوى الحزبية بين فتح وحماس، لكن الشعب
الفلسطيني يرفض هذه الهوّة الواسعة، ويطالب الجميع بأن يكونوا على مستوى المسؤولية
الوطنية. الشعب يدرك أن رأس حماس مطلوب، ورأس فتح مطلوب، ورأس الشعب الفلسطيني نفسه
مطلوب، وبالتالي فإن الخلاص لا يكون إلا بالفوز المشترك، وبالشراكة، وبإعادة بناء
التفاؤل الداخلي.
التاريخ علّمنا أن سياسات "فرّق تسُد" كانت دائما أداة
الاستعمار؛ بريطانيا قالتها صراحة، والولايات المتحدة مارستها عمليا، وإسرائيل
أعلنت منذ عام 1962 أن أمنها يتحقق عبر تفكيك الدول المركزية في المنطقة. أخذوا
مصر باتفاق كامب ديفيد، ثم دمّروا العراق بذريعة أسلحة لم تكن موجودة، وذبحوا
سوريا من الوريد إلى الوريد بلا سبب، واليوم يحاولون استكمال المخطط في الحالة
الفلسطينية.
لكن الوضع الفلسطيني مختلف؛ هو غير قابل للذبح، وكلما ازداد القتل بحق
الشعب الفلسطيني، ازداد الوعي العالمي بعدالة قضيته. من هنا، أرى أن الوقت قد حان
لندرك أن أهم مرتكزات القوة هي الوحدة الوطنية، وأن الأصوات المتناحرة، سواء في
فتح أو في حماس، يجب أن تصمت، لأن هناك عدوا أخطر وأهم هو العدو الإسرائيلي.
لماذا تأخر اجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة حتى الآن؟
ولماذا ترفض حركة فتح المشاركة في هذا الاجتماع؟
هذا سؤال أرفضه على المستوى الشخصي، لأنني لم أشارك في أي من هذه
اللقاءات، ولا أعرف ما هي الأسباب التي تُقدّم لتبرير هذا التعطيل. ما أعرفه أن
التخاصم الداخلي ونحن في قلعة مُحاصرة أمر غير مقبول. كان يجب على الجميع أن يدرك
أن الفشل لا ينعكس إلا على الفلسطينيين أنفسهم.
عندما نكون موحدين، يكون العالم كله معنا، وعندما نكون مختلفين، يجد
كل طرف خارجي ذريعته للتهرب من مسؤوليته، فيقول: الفلسطينيون مختلفون، ولا نريد أن
نقف مع طرف ضد آخر. هذا يعكس عدم نضج في ترتيب الأولويات الوطنية، ويعفي العالم،
وخاصة العرب والمسلمين، من مسؤولياتهم تجاه قضيتنا. لذلك، يجب أن نرتب بيتنا
الداخلي أولا، ثم نطلب من الآخرين الدعم والمساندة.
اجتماعات القاهرة السابقة شهدت مشاركة معظم الفصائل، في حين
غابت حركة فتح.. لماذا هذا الرفض المتكرر من قِبل فتح؟
الحوارات الفلسطينية لم تقتصر على القاهرة وحدها؛ شملت جدة في
السعودية، والجزائر، وصنعاء، وموسكو، والصين، وبكين مؤخرا، وكلها لم تُفضِ إلى
نتائج حاسمة. ومع ذلك، تبقى مصر الدولة المركزية المعنية أولا، لأن غزة تشكل سكينا
في خاصرة الأمن القومي المصري، وفلسطين من دون مصر الكبرى تبقى عارية ومكشوفة.
لهذا، نحن نراهن على مصر، ونؤمن بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام
محاولات العبث بمكان يُشكّل إما خنجرا مسموما في خاصرتها، أو المتراس الأول في
مواجهة هذا العدو. ولذلك، لا نريد أن نغرق في تبادل الاتهامات: مَن أخطأ، فتح أم
حماس. الأهم أن مصر، بإذن الله، ستجمع الجميع، ولن تكون هذه اللقاءات مجرد بيانات
وتصريحات بلا معنى أو أثر.
متى يمكن أن يحدث ذلك برأيكم؟
أقول ذلك دون أن أكون عضوا في أي وفد، ودون أن يكون لي موقع رسمي يسمح
لي بالتنبؤ أو الجزم بالمواعيد، لكنني أؤمن أن اللحظة ستأتي، لأن البديل عن الوحدة
هو الانتحار الوطني.
كيف ترون المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام في قطاع غزة؟
هذه خطة خبيثة بكل المقاييس. جرى استبدال الترحيل القسري بمصطلح "الهجرة
الطوعية"، لكن ما معنى الهجرة الطوعية في واقع مدمر؟، الناس تُدفع للعودة إلى
غزة في ظل غياب مقومات الحياة، لا وقف لإطلاق النار، ولا بيوت، ولا خيام، ولا أفق
للعيش، ثم يظهر السماسرة ليعرضوا المال، والعمل، والتعليم خارج الوطن، بحجة العودة
لاحقا بعد الإعمار، بينما الهدف الحقيقي هو تفريغ غزة من سكانها.
صحيح أن مصر ترفض الترحيل، لكنهم يحاولون تمرير الفكرة بصيغة "الطوع".
اليوم نرى فلسطينيين يغادرون إلى إفريقيا، ونسمع عن أفكار أمريكية لإصدار جوازات
سفر أمريكية مُقيّدة لأبناء غزة، لا تمنحهم صفة المواطنة، ولا تحفظ لهم هويتهم
الفلسطينية، ليصبحوا بلا هوية، كما حدث مع فئات "البدون" في أماكن أخرى.
هذه لعبة أمريكية مكشوفة، تهدف إلى فصل غزة عن الجسد الفلسطيني.
الحديث عمن سيحكم غزة هو جوهر الخطة؛ مرة يُطرح اسم طوني بلير، ومرة أخرى تُقدّم
خطط عبر كوشنير، وكأن غزة ليست مُدمّرة، وكأن أهلها لا يموتون جوعا وغرقا ومرضا،
وهم يتحدثون عن مشاريع وخطط بينما يتجاهلون حقيقة الإبادة.
غزة ستبقى غزة العزة، الرقم الصعب الذي فرضه الله، وخير الرباط كما
ورد في الأثر. مَن ينتظر حلا أمريكيا لا يخدم إسرائيل هو إما مخدوع أو جبان أو
جاهل بالسياسة. هؤلاء قد يُسمح لهم بأن يكونوا أصدقاء لأمريكا، لكن ليس على حساب
الدم الفلسطيني.