إيران تغلي.. لماذا تخشى طهران هذه الاحتجاجات أكثر من سابقاتها؟

الاحتجاجات امتدت إلى أكثر من 180 مدينة وبلدة وترافقت مع رقابة غير مسبوقة على الإنترنت- الأناضول
الاحتجاجات امتدت إلى أكثر من 180 مدينة وبلدة وترافقت مع رقابة غير مسبوقة على الإنترنت- الأناضول
شارك الخبر
تشهد إيران موجة احتجاجات واسعة دفعت السلطات إلى رفع مستوى الاستنفار الأمني وفرض قيود مشددة على الاتصالات والإنترنت، في وقت تؤكد فيه تقارير دولية أن حجم التظاهرات واتساع رقعتها يشكلان مصدر قلق غير مسبوق للنظام.

وتأتي هذه الاحتجاجات، التي بدأت على خلفية انهيار العملة وارتفاع معدلات التضخم، وسط تصاعد سريع للشعارات المناهضة للنظام وانتشار الاحتجاجات في عشرات المدن، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف رسمية من تداعياتها على الاستقرار الداخلي ومسار الجمهورية الإسلامية.

وقالت مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، صنم وكيل، إن موجة الاحتجاجات الأخيرة تهدد استقرار الجمهورية الإسلامية ومستقبلها، موضحة أن ما بدأ كمظاهرات على خلفية انهيار العملة وارتفاع التضخم، تحول بسرعة إلى واحدة من أكثر موجات الاضطرابات زعزعة للنظام خلال سنوات.

وبينت وكيل، في مقال نشرته صحيفة "الغارديان"، أن هذه الاحتجاجات أظهرت صمود المجتمع الإيراني مقابل هشاشة متزايدة في بنية النظام السياسي الذي يواصل رفض أي إصلاحات بإصرار. ولفتت إلى أن حجم المظاهرات واتساع رقعتها وزخمها كان مصدر القلق الأكبر لدى السلطات، إذ اندلعت في جميع محافظات البلاد ووصلت إلى أكثر من 180 مدينة وبلدة، متجاوزة الانقسامات الطبقية والعرقية والإقليمية.

اظهار أخبار متعلقة



وأشارت إلى أن التحول نحو شعارات معادية للنظام كان سريعا وعلنيا وعلى نطاق واسع، حيث لم يعد المتظاهرون يطالبون بإنصاف من داخل النظام، بل أعلنوا رفضهم له بشكل قاطع، متحدين سلطة المرشد الأعلى علي خامنئي والمؤسسة الحاكمة بأكملها.

وأوضحت أن رد فعل الدولة عكس مدى خطورة التهديد الذي شعرت به، إذ فُرضت رقابة غير مسبوقة ومشددة على الاتصالات والإنترنت بهدف تعطيل التنسيق بين المحتجين ومنع انتشار صور القمع خارج البلاد، بالتوازي مع نشر كامل الأجهزة القمعية للنظام. وفي ظل غياب الوصول الكامل إلى المعلومات، قدّرت منظمات حقوق الإنسان مقتل أكثر من 6000 شخص، إلى جانب آلاف آخرين جرى اعتقالهم أو إصابتهم أو اختفائهم داخل منظومة الاحتجاز الإيرانية الغامضة.

وأشارت إلى أنه رغم استمرار العنف، واصل المتظاهرون إظهار شجاعة وإصرار على الحفاظ على الزخم، في مواجهة ما تم الإبلاغ عنه من مجازر، واستخدام الذخيرة الحية، واشتباكات الشوارع، والاعتقالات الجماعية، وحملات الترهيب.

وذكرت أن الحركة الاحتجاجية لا تزال إلى حد كبير بلا قيادة، وهو ما يشكل في آن واحد نقطة قوة وعائقا، إذ يجعل قمعها أكثر تعقيدا، لكنه يحد في المقابل من القدرة على التنظيم أو بلورة مسار سياسي واضح للمستقبل. واعتبرت أن هذا الوضع ليس خيارا بقدر ما هو نتيجة عقود من القمع الذي أضعف المجتمع المدني، إلى جانب سجن وترهيب النشطاء، حيث يقبع عدد كبير منهم حاليا في سجن إيفين.

وأكدت أن أهمية هذه الاحتجاجات تنبع من كونها جزءا من مسار أطول للمقاومة داخل إيران، مذكّرة بأن الإيرانيين خرجوا إلى الشوارع مرارا منذ احتجاجات 2009، ثم في أعوام 2017 و2018 و2019 و2022، وصولا إلى الموجة الحالية، وأن كل جولة قوبلت بالقمع بدلا من الإصلاح. وأضافت أن النظام، في ظل قيادة خامنئي، أظهر رفضا تاما لأي تسوية، مقابل تصعيد متواصل في الإكراه والتشدد الأيديولوجي.

اظهار أخبار متعلقة



وأوضحت أن الفراغ السياسي داخل البلاد ملأته شخصيات من خارج إيران، مشيرة إلى أن رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، دعا الإيرانيين علنا إلى النزول إلى الشوارع ومواصلة الضغط على النظام، وهو ما قوبل بهتافات باسمه في عدد من المدن.

واعتبرت أن هذه الهتافات لا تعكس بالضرورة دعوة لعودة النظام الملكي، بل تعبر عن غياب معارضة منظمة وذات مصداقية داخل إيران، والسعي إلى رموز تمثل قطيعة كاملة مع الجمهورية الإسلامية، مؤكدة أن هذا التطور يثير قلق السلطات، لأنه يعيد إلى الواجهة ذاكرة تاريخية سعت طويلا إلى طمسها.

وأضافت أن النظام، كعادته في الأزمات، سارع إلى إلقاء اللوم على أطراف خارجية، لافتة إلى أن خامنئي نفى في خطبة الجمعة بتاريخ 9 كانون الثاني/يناير وجود أي اضطرابات، معتبرا إياها نتاج تدخل قوى أجنبية، وواصفا المعارضة بالخيانة والمؤامرة الخارجية.

وأشارت إلى أن هذا الخطاب يخدم هدفا معروفا يتمثل في إضفاء شرعية على القمع الداخلي وتعزيز عقلية الحصار داخل الدولة، مشيرة إلى أن الحكومة نظمت في اليوم التالي مظاهرات مدعومة رسميا لإظهار صورة من الوحدة والسيطرة.

وبيّنت أن هذه الرواية تبدو أكثر خواء، خصوصا بعد الصراع الإسرائيلي الإيراني في حزيران/يونيو 2025، الذي كشف حجم الاختراق الإسرائيلي لمنظومات الأمن والاستخبارات الإيرانية. واعتبرت أن الاضطرابات الداخلية لم تعد في هذا السياق مجرد تحد سياسي، بل تحولت إلى تهديد وجودي، في ظل مخاوف القيادة من تلاقي المعارضة الداخلية مع الضغوط الخارجية وعمليات التسلل السري بما قد يزعزع قبضة النظام على السلطة.

وأشارت إلى أن المشهد الدولي يزيد تعقيد الأزمة، مع تهديد دونالد ترامب بتدخل عسكري محتمل دعما للمتظاهرين، في مقابل تحذير طهران من أن أي ضربة أمريكية قد تؤدي إلى رد انتقامي يستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة ودولة الاحتلال أيضا.

ولفتت إلى أن أي تدخل أمريكي مباشر قد يحمل نتائج متناقضة، إذ يمنح النظام مبررا لتصعيد القمع داخليا، فيما يتمثل الهدف الاستراتيجي في تعميق عزلة الجمهورية الإسلامية اقتصاديا، وتقويض بعض قدراتها الأمنية، وإضعاف مؤسسات الدولة الهشة أصلا. واعتبرت أن هذا الضغط لن يؤدي إلى تغيير فوري، لكنه سيعمق التناقضات الداخلية ويجعل الحكم أكثر صعوبة.

اظهار أخبار متعلقة



وخلصت إلى أن السيناريو المرجح لا يتمثل في تحرر قريب، بل في تحول الجمهورية الإسلامية إلى دولة أكثر انغلاقا على نفسها، تعتمد بشكل متزايد على القمع بدلا من التمثيل، في مسار يشبه إلى حد مقلق تجربة عراق صدام حسين، حيث كان البقاء قائما على الخوف والمراقبة والقوة العارية لا على القبول الشعبي.

وأكدت أنه حتى لو تراجعت هذه الاحتجاجات عن واجهة الأخبار، فإنها ليست حالة استثنائية، بل مؤشر واضح على نظام سياسي فقد قدرته على التكيف، محذرة من أن الاضطرابات المقبلة ليست مسألة احتمال بل مسألة وقت، ومشددة على أن الجمهورية الإسلامية التي ستخرج من هذه الأزمة لن تكون كما كانت.
التعليقات (0)