نشرت مجلة "ذي نيويوركر" مقالا للكاتب ديفيد ريمنيك تناول فيه دروس الثورة
الإيرانية عام 1979 التي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا
بهلوي، وطرح تساؤلا حول ما إذا كان نظام الجمهورية الإسلامية سيواجه اليوم الدرس الدموي نفسه، أم أن آيات الله تعلموا شيئا مختلفا من تلك التجربة، في وقت وضعت فيه التظاهرات المستمرة في المدن الإيرانية النظام الحالي أمام معضلة واضحة.
وأشار ريمنيك إلى أن محمد رضا بهلوي وجّه خطابا إلى الأمة في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 1978، مع استمرار الاضطرابات في
طهران، قال فيه "لقد استمعت لأصوات ثورتكم"، متعهدا بإصلاح أخطاء نظامه، والإفراج عن المعتقلين، والدعوة إلى انتخابات برلمانية، والتحقيق في الفساد داخل أركان حكمه، إضافة إلى تخفيف القمع الممارس ضد المعارضة.
وبين الكاتب أن هذه الخطوة، كما يحدث غالبا مع الأنظمة الهشة، فُسرت على أنها علامة ضعف ويأس، لا محاولة حقيقية للإصلاح.
اظهار أخبار متعلقة
وفي قرية تقع خارج العاصمة الفرنسية باريس، وجّه آية الله روح الله الخميني هجوما لاذعا على الشاه، واصفا نظامه بأنه "ديكتاتوري ضعيف" و"يلتقط أنفاسه الأخيرة"، مؤكدا أنه لن تكون هناك أي تنازلات، رغم الخطاب الذي ألقاه الشاه في طهران.
وبعد شهرين فقط، فر الشاه من إيران، وكان يعاني من مرض السرطان، ليبدأ رحلة شاقة بين عدد من الدول بحثا عن منفى مقبول، قبل أن يتوفى في تموز/يوليو 1980 في القاهرة.
وتطرق ريمنيك إلى وضع إيران الحالي، مشيرا إلى أن حاكمها أو مرشدها الأعلى، خليفة الخميني، آية الله علي
خامنئي، البالغ من العمر 86 عاما وأحد أطول الحكام بقاء في السلطة في العالم، يدرك تماما قصة الشاه وتآكل نظامه.
ومع خروج مظاهرات حاشدة في عشرات المدن الإيرانية، يواجه المرشد الروحي للجمهورية معضلة لا تختلف كثيرا عن تلك التي واجهها الشاه، إلا أن خامنئي، في ظل وجود الحرس الثوري الإسلامي وأدوات القوة الأخرى كوسائل قمع، اختار إراقة الدماء بدلا من المصالحة.
وأوضح الكاتب أن سعي النظام إلى قطع الإنترنت ووسائل الاتصال الأخرى أدى إلى تباطؤ كبير في التغطية الإعلامية، إلا أن منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن السلطات الإيرانية قتلت بالفعل ما يصل إلى مئتي متظاهر.
ونقل ريمنيك عن سكوت أندرسون، مؤلف كتاب "ملك الملوك"، وهو عمل تاريخي عن الثورة الإيرانية صدر العام الماضي، قوله: "للأسف، إذا كان آية الله يستخلص أي درس من الشاه، فهو أن الشاه كان ضعيفا واستسلم".
وأضاف أندرسون أنه لو كان الشاه أكثر تشددا وأمر جنوده بقتل الناس عشوائيا في الشوارع، لكان من الممكن إنقاذ نظامه، متسائلا إلى أي مدى سيواصل الجنود اليوم إراقة المزيد من الدماء.
وأشار المقال إلى أن عددا من الخبراء يرون أن قادة النظام الإيراني استقوا توجيهاتهم القاتمة ليس فقط من تجربة عدوهم التاريخي الشاه، بل أيضا من التاريخ اللاحق. وفي هذا السياق، استعرض الكاتب تجربة الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين سعى إلى تحديث نظامه عبر دمقرطة الحياة السياسية، وإنهاء الرقابة، وتخفيف حدة الحرب الباردة مع
الولايات المتحدة، وإدخال آليات السوق إلى الاقتصاد.
وأوضح أن غورباتشوف خلص إلى قناعة مفادها "لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو"، بعدما ترك نظام قائم على الأيديولوجيا الشيوعية والمواجهة الاتحاد السوفييتي في حالة فقر وعزلة وصدام.
ورغم أن سياساته الليبرالية حسّنت بعض الأوضاع، فإنه خاطر بوجود نظام هش، وفي نهاية المطاف لم يستطع السيطرة على القوى التي أطلقها، ما أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي مع نهاية عام 1991 وإجباره على التنحي.
وتولى خامنئي السلطة عام 1989، في ذروة ما عُرف بـ"هوس غورباتشوف"، وأسهم مشهد سقوط الاتحاد السوفييتي في تعميق شكوكه، وشكوك النظام الإيراني، تجاه الغرب وأي مؤشرات على إصلاح داخلي.
واستشهد ريمنيك بخطاب ألقاه خامنئي أمام مسؤولين حكوميين في تموز/يوليو 2000، قال فيه: "لقد توصلت الآن إلى استنتاج مفاده أن الولايات المتحدة وضعت خطة شاملة لتقويض نظام الجمهورية الإسلامية"، مضيفا أن "هذه الخطة هي تقليد لتلك التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي السابق"، ومشيرا إلى أن المسؤولين الأمريكيين يعتزمون تنفيذ الأمر نفسه في إيران، مع وجود دلائل عديدة على ذلك في تصريحاتهم خلال السنوات الماضية.
وواجهت الجمهورية الإسلامية في السابق موجات من الاضطرابات الداخلية، من بينها احتجاجات طلابية عام 1999 عقب إغلاق صحيفة إصلاحية، وصعود الحركة الخضراء عام 2009 بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد بطريقة وُصفت بالمزورة.
كما اندلعت عام 2022 مظاهرات "المرأة، عيش، الحرية"، إثر مقتل مهسا أميني بعد اعتقالها بسبب عدم ارتداء الحجاب بشكل صحيح.
ورغم ذلك، يرى معظم خبراء الشأن الإيراني أن الجمهورية الإسلامية لم تواجه خطرا وجوديا كما هو الحال اليوم، إذ عبّرت الاحتجاجات السابقة عن رفض أيديولوجية النظام الديني المتشدد، وإصراره على الحجاب، وسيطرته على الإعلام والتعليم، ووحشيته العامة.
وبين الكاتب أن الشرارة هذه المرة جاءت من الأزمة الاقتصادية العامة التي يعاني منها الإيرانيون، حيث تجاوز معدل التضخم 50 بالمئة، وتراجعت قيمة العملة الوطنية الريال بشكل حاد، مع انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي ونقص في المياه، وارتفاع فلكي في أسعار المواد الغذائية، إلى حد اختفاء بعض السلع الأساسية من الأسواق.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أن القطاع الوحيد الذي لم يتأثر بشكل كبير بالأزمة الاقتصادية هو نخبة النظام، ولا سيما قادة الحرس الثوري الإسلامي، الذين يشكلون ركنا أساسيا في المؤسسة الأمنية، ويحققون أرباحا طائلة من مصالحهم الاقتصادية في قطاعات متعددة، من بينها النفط والموانئ والتصنيع والإسمنت. وينظر كثير من الإيرانيين إلى الحرس الثوري باعتباره نوعا من المافيا المسلحة.
وأشار إلى أن هذا الاستياء المتراكم منذ سنوات أسهم في تعميق الشعور الوطني بالغضب والأزمة. ونقل عن فاطمة شمس، أستاذة الأدب في جامعة بنسلفانيا، قولها في مقابلة مع إسحاق شوتينر في المجلة نفسها: "هذا تمرد لشعب يتضور جوعا"، موضحة أن الاحتجاجات تجاوزت المدن الكبرى ووصلت إلى مناطق تُعد تقليديا محافظة وهادئة وموالية للنظام.
وأكد ريمنيك أن العامل الاقتصادي ليس وحده المحرك للتظاهرات، إذ انكشفت هشاشة نظام آيات الله مع تعرض أقوى حلفائه الخارجيين وأكثرهم كلفة، حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن، لأضرار جسيمة خلال العامين الماضيين، ما دفع الإيرانيين إلى التساؤل بصوت أعلى من أي وقت مضى عن سبب إنفاق موارد البلاد على حلفاء أجانب بدلا من توجيهها إلى الداخل.
وأضاف أن النظام رغم تفاخره بمؤسسته الأمنية، شهد في حزيران/يونيو تعاونا بين دولة الاحتلال والولايات المتحدة لقصف منشآت نووية إيرانية دون مقاومة تذكر، كما تمكنت قوات الاحتلال، التي توغلت داخل النظام الإيراني عبر أجهزتها الاستخباراتية على مر السنين، من قتل عدد من كبار القادة العسكريين والاستخباراتيين والسياسيين دون عوائق، واضطر خامنئي نفسه إلى الاختباء أثناء القصف.
وأشار الكاتب إلى أن خامنئي، وهو يتابع التوغل الأمريكي الأخير في فنزويلا، الحليف المقرب لإيران، لا بد أنه يتساءل عما إذا كان دونالد ترامب سينفذ تهديده بالتدخل في حال مقتل المزيد من المتظاهرين في إيران. وبدلا من الاعتراف بالفساد المستشري في نظامه، ألقى باللوم في الاحتجاجات على الولايات المتحدة ودولة الاحتلال.
ورأى ريمنيك أن ما يميز وضع إيران اليوم عن عام 1979 أن نظام خامنئي على الأرجح لا يجد ملاذا آمنا.
ففي عهد الشاه، تلقى كثير من أفراد النخبة الإيرانية تعليمهم في الخارج، وكانوا يتقنون لغات أجنبية، ما أتاح لهم مغادرة البلاد عام 1979 وإعادة بناء حياتهم في مدن مثل لندن أو لوس أنجلس.
أما الجمهورية الإسلامية فقد فقدت كثيرا من أفضل وألمع أبنائها بسبب الهجرة، فيما ينتمي أفراد النخبة المتبقون عموما إلى خلفيات ريفية. ونقل الكاتب عن كريم سجادبور، الخبير في الشأن الإيراني في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، قوله إن "ظهورهم إلى الحائط"، وإن "عقليتهم هي إما أن تقتل أو تُقتل".
وختم المقال بالإشارة إلى أن الاحتجاجات الحالية في إيران ليست ذات طابع ديني، ولا تستهدف متحدثا أو فئة بعينها، بل تمثل في جوهرها تعبيرا عن الفخر الوطني والسعي إلى حياة طبيعية مزدهرة ومستقرة، وتتردد في الشوارع شعارات تطالب بالحرية، وإن لم تكن بالضرورة دعوة صريحة إلى الديمقراطية.
ومع ذلك، يظل من الصعب التنبؤ بدقة بمآلات الأحداث، سواء أكان النظام سينهار أم سيتمكن من الصمود.
وقبل أشهر قليلة، نشر سجادبور مقالا في مجلة "فورين أفيرز" بعنوان "خريف آيات الله"، تناول فيه تصورات محتملة لمستقبل إيران بعد وفاة خامنئي أو في حال عزله. وتساءل فيه عما إذا كانت إيران قد تشبه الصين وتتحول من نظام ديني إلى نظام تكنوقراطي، أو تصبح مثل باكستان دولة أمنية يقودها جنرالات الحرس الثوري، أو تنزلق إلى عزلة كوريا الشمالية وإرهابها، أو إلى رجعية روسيا ما بعد الحقبة السوفييتية في عهد فلاديمير بوتين، أو إلى استبداد تركيا في عهد رجب طيب أردوغان.
وحلل سجادبور هذه السيناريوهات بدقة، مستندا إلى فهم عميق لتاريخ إيران وخصوصياتها، مؤكدا أن محاولة استخلاص تنبؤات واثقة من فوضى ما يجري في الشوارع والمكاتب الحكومية ضرب من الحماقة.
اظهار أخبار متعلقة
كما نشر الخبير في الشأن الإيراني جيمس أ. بيل، ومؤلف كتاب "النسر والأسد" حول العلاقات الأمريكية الإيرانية، مقالا في مجلة "فورين أفيرز" أن البديل الأرجح للشاه كان "مجموعة يسارية تقدمية من ضباط الجيش متوسطي الرتب"، مشيرا إلى أن الاحتمالات الأخرى شملت "مجلسا عسكريا يمينيا، ونظاما ديمقراطيا ليبراليا قائما على النماذج الغربية، وحكومة شيوعية"، غير أن التاريخ، كما خلص، اختار مسارا مختلفا تماما.