في هذا المقال الثاني من سلسلته الخاصة
بـ"عربي21" عن أسباب تعثر النهضة العربية والإسلامية، يواصل الباحث
والكاتب الفلسطيني الدكتور غازي التوبة قراءة أسباب تعثر النهضة العربية
والإسلامية، مركّزًا هذه المرة على حزب البعث العربي في سورية. من خلال استعراض
تاريخ الحزب منذ نشأته عام 1947 وحتى تحوله إلى قيادة طائفية وأيديولوجية ماركسية.
يحلل التوبة كيف أن الفقر الثقافي والفكري
الذي اعتمدت عليه الفكرة القومية العربية، بتحديده على عاملي اللغة والتاريخ
وإقصائه للدين، أسهم في انزلاق الحزب نحو منزلقين مدمرين: الأول أيديولوجي ماركسي،
والثاني طائفي، الأمر الذي أضعف القيم الجامعة وأدى إلى تدمير سورية على مدى عقود.
هذا التحليل يعكس رؤية التوبة العميقة حول
المخاطر الكامنة في الفكرة القومية عندما تغيب عنها مقومات الفكر الغني المتعدد
الأبعاد، ويؤسس لفهم أوسع لتحديات النهضة العربية والإسلامية.
لقد نشأ "حزب البعث العربي" في
سورية عام 1947، وأخذ ترخيصاً رسمياً بعد الاستقلال وقاده ميشيل عفلق وصلاح
البيطار، وتوسعت شعبيته في سورية بعد سقوط أديب الشيشكلي عام 1954، عندما اندمج مع
"الحزب العربي الاشتراكي" الذي أسسه أكرم الحوراني، فأصبح الحزبان حزباً
واحداً تحت اسم "حزب البعث العربي الاشتراكي".
نشأة البعث السوري
وقد استطاع حزب البعث العربي الاشتراكي أن
يقود سورية في هذه المرحلة من خلال جبهة شكلها من عدة أحزاب وشخصيات، من أبرز هذه
الأحزاب الحزب الشيوعي، ومن أبرز الشخصيات السياسية: خالد العظم الذي كان يسمى
"المليونير الأحمر"، وقد تحالفت هذه الكتلة مع جمال عبد الناصر في
مواجهة حلف بغداد، الذي تأسس في عام 1954 لمواجهة الشيوعية والاتحاد السوفييتي.
تحول حزب البعث العربي في سورية إلى حزب ذي قيادة علوية على مستوى القيادة القطرية والجيش، وهذا ناتج من الفقر الثقافي الذي تعانيه الفكرة القومية التي تعتمد عاملي اللغة والتاريخ في بنائها، فهذا الفقر الثقافي هو الذي يجعل من الأشخاص يعودون إلى انتماءاتهم العشائرية أو العرقية أو الطائفية عندا لا يجدون محتوى وقيماً ومفاهيم وأفكاراً تملأ قلوبهم وعقولهم ليتقاربوا أو يتباعدوا على أساسها.
وقد استفاد هذا التحالف المكون من مصر
وسورية من الاتحاد السوفييتي واشترى أسلحة تشيكية عام 1955 لمصر وسورية، ووقفت
سورية آنذاك إلى جانب مصر في المواجهة التي خاضتها ضد العدوان الثلاثي المكون من
إسرائيل وانكلترا وفرنسا والذي احتل سيناء وبورسعيد، ثم اضطرت إسرائيل أن تنسحب من
سيناء كما اضطرت انكلترا وفرنسا أن تنسحبا من بورسعيد بعد احتلالها أيضا بسبب قرار
اتخذه مجلس الأمن والأمم المتحدة بذلك، وكان هذا القرار نتيجة تفاهم الدولتين
العظميين آنذاك وهما أمريكا وروسيا.
وقد أثر هذا التقارب والتعاون بين سورية
ومصر في معركة السويس عام 1956، أن تطلب سورية الوحدة مع مصر عام 1958، حيث ذهب
عدد من ضباط الجيش السوري الذي يتكون من مختلف التوجهات السياسية والعسكرية،
ووقعوا اتفاق لقيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 شباط (فبراير) عام 1958.
لكن هذه الوحدة المصرية السورية لم تستمر
طويلاً ووقع الانفصال في 27 أيلول (سبتمبر) 1961، ولكن الانفصال انتهى وقام انقلاب
عسكري بقيادة اللجنة العسكرية في حزب البعث العربي الاشتراكي، وكانت قد تشكلت في
مصر أثناء الوحدة من خمسة ضباط هم:
1 ـ محمد عمران: وقد كان برتبة عقيد في
الجيش وهو علوي.
2 ـ صلاح جديد: وقد كان برتبة رائد في الجيش
وهو علوي.
3 ـ عبد الكريم الجندي: وقد كان برتبة رائد
في الجيش وهو اسماعيلي.
4 ـ حافظ الأسد: وقد كان برتبة رائد في سلاح
الطيران وهو علوي.
5 ـ أحمد المير: وقد كان برتبة رائد في
الجيش وهو سني من منطقة دير الزور.
وقد قادت هذه اللجنة العسكرية حزب البعث
العربي الاشتراكي في سورية، وحكمت سورية من خلال هذه القيادة، ثم قام الأعضاء
العلويون في اللجنة العسكرية بتصفية الطوائف الأخرى في الجيش بدءاً من أهل السنة
والدروز والاسماعيليين.
ثم بدأت اللجنة العسكرية بعد ذلك بتصفية
بعضها بعضاً، فتحالف حافظ الأسد وصلاح جديد وعبد الكريم الجندي ضد محمد عمران ففر
إلى لبنان ثم اغتالوه في لبنان، ثم تحالف حافظ الأسد وصلاح جديد ضد عبد الكريم
الجندي فدفعوه إلى الانتحار، ثم سجن حافظ الأسد صلاح جديد اثر الحركة التصحيحية
التي قام بها عام 1970.
هناك أمران ملفتان للنظر في شأن مسيرة
الحزب، وهما:
الأول ـ انقلاب الحزب من حزب يجمع كل أطياف
الأمة العربية إلى حزب تتحكم فيه طائفة وهي " الطائفة العلوية".
الثاني ـ انقلاب الحزب من حزب قومي إلى حزب
ماركسي تتحكم فيه الأيدلوجيا الماركسية بكل ماديتها ودمويتها وعنفها، وبكل ما
احتوته من تأجيج للصراع بين الطبقات. والسؤال الآن لماذا انزلق الحزب إلى مثل هذه
النتائج؟
إن "حزب البعث العربي الاشتراكي" في سورية نشأ حزباً قومياً عربياً، واعتمد الفكرة القومية العربية التي تقوم على عاملي "اللغة والتاريخ"، وتنكّر للإسلام بل عاداه، وسار على منهج ساطح الحصري في طرحه للتصور القومي وفي موقفه من الدين، لذلك أضحى الفكر القومي العربي عنده يعاني فقراً ثقافياً
أعتقد أن السبب في الوصول إلى هذه النتائج
هو الفقر الثقافي الذي قامت عليه "الفكرة القومية"، والتي قام عليها حزب
البعث واقتصارها على عاملي اللغة والتاريخ وإغفالها للدين الإسلامي، أو لنقل بصورة
أوضح عداؤها وإبعادها للدين الإسلامي، فجعل الفكرة القومية فقيرة ليس لديها أية
مواد أو مضامين أو
رأي في مشاكل النفس والقلب والعقل والدوافع والحاجات ولا تمتلك
ثراء وغنى في المفاهيم والقيم والسلوكيات والأفكار إلخ...، إن هذا الفقر الثقافي
والفكري الذي تعانيه الفكرة القومية جعل الأحزاب القومية العربية عرضة لانزلاقين
خطيرين لمعالجة هذا الفقر الثقافي والفكري، هما:
الأول ـ الانزلاق إلى فكرة أيديولوجية، كما
حدث مع حزب البعث السوري عندما انزلقت القيادة القطرية بقيادة صلاح جديد إلى
الفكرة الماركسية، وتبنتها بشكل كامل في عام 1966 وحاولت أن تطبقها في سورية، ووقف
إلى جانبه الأطباء الثلاثة: الدكتور نور الدين الأتاسي في رئاسة الدولة، والدكتور
يوسف الزعين في رئاسة الوزراء والدكتور إبراهيم ماخوس في وزارة الخارجية، وعاونهم
خالد الجندي في رئاسة نقابات العمال، حيث حاول الجميع مركسة المجتمع والدولة،
وأصبح حزب البعث حزباً ماركسياً وغابت عنه صبغته القومية، وكذلك وقع التغيير نفسه
مع حركة القوميين العرب فانقلبت من حركة قومية عربية إلى حركة ماركسية بعد مراجعات
أجرتها بعد نكسة عام 1967، وأخذت اسما جديداً لها هو: "الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين".
إن هذا الانزلاق في الحالتين السابقتين هو
إحدى نتائج الفقر الثقافي الذي تعانيه الفكرة القومية فاضطرها إلى هذا الانزلاق.
الثاني ـ فقد تحول حزب البعث العربي في
سورية إلى حزب ذي قيادة علوية على مستوى القيادة القطرية والجيش، وهذا ناتج من
الفقر الثقافي الذي تعانيه الفكرة القومية التي تعتمد عاملي اللغة والتاريخ في
بنائها، فهذا الفقر الثقافي هو الذي يجعل من الأشخاص يعودون إلى انتماءاتهم
العشائرية أو العرقية أو الطائفية عندا لا يجدون محتوى وقيماً ومفاهيم وأفكاراً
تملأ قلوبهم وعقولهم ليتقاربوا أو يتباعدوا على أساسها.
الخلاصة: إن "حزب البعث العربي
الاشتراكي" في سورية نشأ حزباً قومياً عربياً، واعتمد الفكرة القومية العربية
التي تقوم على عاملي "اللغة والتاريخ"، وتنكّر للإسلام بل عاداه، وسار
على منهج ساطح الحصري في طرحه للتصور القومي وفي موقفه من الدين، لذلك أضحى الفكر
القومي العربي عنده يعاني فقراً ثقافياً، وقد دفه هذا الفقر الثقافي إلى منزلقين
خطيرين أديا إلى تدمير سورية، هما:
1 ـ المنزلق الأيديولوجي الماركسي الذي قاده
صلاح جديد مع القيادة القطرية واتحاد العمال في سورية فخربوا سورية اقتصادياً
واجتماعياً.
2 ـ المنزلق الطائفي الذي قاده حافظ الأسد
الذي مكنه ومكن الطائفة العلوية من أن تستلم قيادة البلد، وهذا أدى إلى عدم
الاستقرار المستمر خلال الخمسين سنة الماضية، والثورات المستمرة والتي انتهت بثورة
الربيع العربي الذي اقتلع النظام وأنهى حكم حزب البعث الجائر.