في هذا النص العميق، يتأمل الكاتب والباحث
المصري جمال سلطان في مشهد النهايات التي واجهها عدد من أعظم رموز الفكر والأدب في
العالم العربي، من توفيق الحكيم وطه حسين إلى مصطفى صادق الرافعي، ليكشف كيف تصنع
الأيام الأخيرة للفنان أو المفكر مفاجآت قاسية، أو تسلط الضوء على هشاشة الإنسان
أمام الموت والزمن.
تنشر "عربي21" هذا النص بالتزامن
مع نشره على الصفحة الرسمية للكاتب على فيسبوك، كجزء من قراءة فكرية تحاول أن
تتجاوز السرد البسيط للأحداث، لتقف عند طبيعة النهاية، وعلاقاتها بالذاكرة،
والحياة، والإنجاز، والكرامة الإنسانية.
قصة توفيق الحكيم
من القصص المؤلمة التي تعلق بذاكرتك وأنت
تتجول في مذكرات أو ذكريات حول النهايات التي انتهت إليها رحلة رموز ثقافية أو
فكرية أو أدبية رفيعة، ملأت الدنيا وشغلت الناس، الحال الصحية والنفسية والذهنية
التي كانوا عليها في أعوامهم الأخيرة، أو أيامهم الأخيرة، وكيف تأتي مفاجآت الأيام
والأحوال وصدماتها أحيانا، لتخطف الإنسان من الوجود خطفا، على النحو الذي حدث مع
الرافعي، أو لتقضي على ما تبقى للإنسان من عقل أو توازن نفسي، بفعل عنف الصدمة مع
كبر السن على النحو الذي حدث مع الراحلين الكبيرين "توفيق الحكيم"،
و"طه حسين".
وكان توفيق الحكيم، الشخصية الصبورة،
العنيدة، طويلة النفس في التعامل مع الدنيا والناس والأحوال، قد أصيب بشرخ نفسي
كبير بعد وفاة ابنه الوحيد "إسماعيل"، وكان هو كل دنياه في تلك الأيام،
وأمله، وزهرة عمره الباقية، وقد أنجبه على كبر، وكان فنانا رقيق الحس، ويحكي
أصدقاء الأديب الكبير أنه عندما بلغه نبأ وفاة إسماعيل من توابع الفشل الكبدي، راح
يلطم خديه وهو يصرخ من شدة الألم والحزن والذهول، ومن بعدها دخل المستشفى من توابع
أعراض شتى، تنقل خلالها بين مستشفى المقاولون ومستشفيات أخرى حتى وافاه الأجل،
وكان قد فقد ذاكرته، ولم يعد يميز الأشخاص والأحداث.
يقول الأديب الكبير نجيب محفوظ، وهو من أخلص
أصدقائه وحوارييه، وكان يرى أنه أحق بجائزة نوبل منه ـ أنه عندما زار "توفيق
الحكيم" في عامه الأخير، صافحه توفيق وهو يسأله: أنت مين ؟ يقول نجيب، أنه
خرج من عنده وهو في حزن شديد، ويقول : اللهم نسألك حسن الختام.
قصة طه حسين
أديبنا الكبير طه حسين، أيضا أصابته أعراض
الشيخوخة مبكرا نسبيا، وفي سنواته الثلاث الأخيرة، كان لا يتحرك إلا على كرسي
متحرك، لصعوبة المشي عليه، كما انحنى ظهره وتقوس، حتى أن جبهة رأسه كانت تكاد
تلامس ركبته كما يحكي رفقته، واضطربت ذاكرته جدا، وبدأ يفقد التمييز بين الأشخاص
والزائرين، حتى أن زوجته كانت ترفض تشغيل أجهزة التسجيل عند أي حوار صحفي معه،
خشية أن ينتشر ما يعانيه من اضطراب ذهني أو اختلاط، كما يقول الدكتور محمد الدسوقي
سكرتير العميد، حيث يقول : وكانت زوجة العميد تتدخل في لقائه مع الكتاب والصحفيين
، لكي لا يطول ، وذلك خوفاً عليه من الإرهاق والإغماء ، وكانت تنبه علىّ بألا
نستخدم أجهزة التسجيل في أي لقاء ، حتى لا يسجل بصوت زوجها ما قد يسيء إليه ، بسبب
نسيانه وضعف ذاكرته.
مؤلمة هي قصص النهايات، وهي تذكرنا بالحقيقة التي نهرب منها دائما في زحام الحياة، وإغواء الآمال، وهي أن الحياة قصيرة وإن بدا طولها للغافلين، وأنها ستطوى يوما ما رغما عنك، لا باختيارك، ولا بتوقيتك، كبيرا كنت أم صغيرا، عظيما كنت أم وضيعا، جبارا قاسي القلب كنت أم زاهدا سليم القلب، ولا يبقى منك إلا سيرة عمل صالح أو كلمة طيبة، إن غاب ذكرها عن الناس، فلن يغيب ذكرها عن رب الناس.
ويضيف الدسوقي شارحا : قبل وفاته بنحو ثلاثة
أعوام كان ينسى بصورة غريبة ، فقد يزوره من يعرفه معرفة حميمة وبعد خروجه مباشرة
يسألني من كان هنا ؟ وكان هذا النسيان يسبب لي أحياناً مواقف حرجة كان يأتيه زائر
في المساء فيسأله : هل قرأت اليوم في الصحف خبر كذا وكذا ، فيجيب العميد : إن
الدسوقي لم يقرأ لي هذا الخبر ، فإذا حاولت أن أذكره بأننا قرأنا هذا الخبر ، أصر
على موقفه، وأحيانا يقسم بالله بأننا لم نقرأه ، فلا أجد بدا من الصمت" ، وقد
ازدادت صحة العميد في العام الأخير سوءا وازدادت ذاكرته ضعفا.
وكانت تنتابه الهلاوس في بعض الأحيان
والخيالات المخيفة، من فرط الاضطراب الذهني، فينتفض ويبدي جزعه منها ويطلب إبعاد
الأشرار من حوله وهم محض خيالات غير موجودة، ويتصور أن من حوله يكرهونه ويريدون به
شرا، حتى أن زوجته الفرنسية تسأله : وهل أنا منهم؟ فيقول : لا ، أنت لست منهم، وقد
كان يحبها حبا كبيرا.
قصة مصطفى صادق الرافعي
ويختلف ذلك عن النهاية التي انتهى إليها
الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، والتي كانت من باب موت الفجأة، بدون أي مقدمات
تشير إلى دنو الأجل، ومما رواه محمد سعيد العريان، صديق الرافعي وراويته وسكرتيره،
عن يومه الأخير في كتابه "حياة الرافعي" يقول : استيقظ مع الفجر على عادته كل يوم، فتوضأ وصلى، وجلس في
مصلاه يسبح ويدعو ويتلو قرآن الفجر، وأحس بعد لحظة حُرَاقًا في معدته، فتناول دواء
وعاد إلى مصلاه، وصحا ولده الدكتور محمد لموعده، فشكا إليه ما يجد في معدته، وما
كان إلا شيئًا مما يعتاده ويعتاده الناس كثيرًا من حموضة في المعدة، فأعطاه ولده
شيئًا من دواء وأشار عليه أن ينام، ثم لبس محمد ثيابه ومضى ليدرك القطار الأول إلى
القاهرة كعادته كل يوم، ومضت ساعة ثم نهض الرافعي من فراشه لا يحس ألما ولا يشكو
وجعًا وما به علة، فأخذ طريقه إلى الحمام، فلما كان في البهو سمع أهل الدار سقطة
عنيفة أحدثت صوتا شديدًا، فهبوا مذعورين ليجدوا الرافعي جسدا بلا روح".
وكان موت الرافعي مفاجأة كبرى لأصدقائه
وقرائه ومتابعيه، لأنه لم يكن يبدو عليه مرض شديد، ولا أعراض شيخوخة، كما أنه كان
يرتب لمشروعات مستقبلية، اتفق عليها مع أحمد حسن الزيات في مجلة الرسالة، كما كان
قد اشترى قطعة أرض في طنطا ويعمل على ادخار مبلغ من المال يساعده في بنائها، ولم
يكن يدرك أن أجل الله أسبق مما قدر ورتب.
وقد رثاه "سعيد العريان" بكلمات
مؤثرة، جاء فيها : "طبت نفسا يا مصطفى لكم كنت تخشى الهرم والمرض والزمانة
ولزوم الفراش وثقل الأيام التي تعد من الحياة وما هي من الحياة ، فأي كرامة نلت؟
وأي مجاز جزت؟ وهل رأيت الطريق بين الحياتين إلا ما كنت تريد ؟ وهل كانت إلا
خَفْقة نفس نقلتك من ملأ إلى ملأ أرحب في كنف الخلد وفي ظلال الجنة؟، يرحمك الله
يا صديقي، ويرحمنا".
ثم مات بعده من رثاه، رحم الله الجميع.
مؤلمة هي قصص النهايات، وهي تذكرنا بالحقيقة
التي نهرب منها دائما في زحام الحياة، وإغواء الآمال، وهي أن الحياة قصيرة وإن بدا
طولها للغافلين، وأنها ستطوى يوما ما رغما عنك، لا باختيارك، ولا بتوقيتك، كبيرا
كنت أم صغيرا، عظيما كنت أم وضيعا، جبارا قاسي القلب كنت أم زاهدا سليم القلب، ولا
يبقى منك إلا سيرة عمل صالح أو كلمة طيبة، إن غاب ذكرها عن الناس، فلن يغيب ذكرها
عن رب الناس.