أفكَار

التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا.. القانون الدولي مقابل حسابات القوة

يصبح التدخل في فنزويلا جزءا من منظومة استراتيجية متكاملة تربط بين الطاقة، القوة العسكرية، النفوذ الإقليمي، واستراتيجية الردع الدولي، مع مراعاة مصالح الولايات المتحدة في مواجهة المنافسين الاستراتيجيين (روسيا والصين).
يصبح التدخل في فنزويلا جزءا من منظومة استراتيجية متكاملة تربط بين الطاقة، القوة العسكرية، النفوذ الإقليمي، واستراتيجية الردع الدولي، مع مراعاة مصالح الولايات المتحدة في مواجهة المنافسين الاستراتيجيين (روسيا والصين).
شارك الخبر
لا يشكل التدخل الأمريكي في فنزويلا سابقة معزولة، بل يندرج ضمن سجل تاريخي من التدخلات العسكرية الأمريكية التي استهدفت اعتقال أو إسقاط قادة دول، فقد تدخلت أمريكا عسكريا في جمهورية الدومينيكان عام 1965 لإجهاض عودة الرئيس المنتخب خوان بوش بحجة منع الشيوعية، كما تدخلت في غرينادا 1983 من أجل إسقاط الحكومة بذريعة حماية الرعايا الأمريكيين، وتدخلت في العراق سنة 2003 من أجل إسقاط نظام صدام حسين وإعدامه لاحقا، ورغم اختلاف السياق الجغرافي إلا أن منطق تجاوز الشرعية الدولية متشابه، كما تدخلت في بنما سنة 1989 عندما اعتقل الجنرال نورييغا ونقل إلى الولايات المتحدة، وتدخلت في هايتي سنة 1994 حيث فُرض مسار سياسي بالقوة العسكرية.

تكشف هذه السوابق عن نمط متكرر تتغلب فيه اعتبارات القوة والمصلحة على قواعد القانون الدولي، وقد أعاد التدخل العسكري الأمريكي المباغث في فنزويلا، وما ترتب عنه من اعتقال الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد، طرح إشكالية مركزية في حقل العلاقات الدولية والقانون الدولي على حد سواء. فالحدث يمثل اختبارا حقيقا للقدرة العملية للقانون الدولي على حماية سيادة الدول، وفي الوقت نفسه مثالا حيا على سلوك القوى الكبرى وفق حسابات القوة والمصلحة الاستراتيجية، كما تصفه نظرية الواقعية الجديدة (Neorealism)، خاصة في مناطق تصنف ضمن دوائر النفوذ الاستراتيجي الأمريكي.

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن التدخل الأمريكي في فنزويلا يكشف عن الفجوة البنيوية بين مبادئ القانون الدولي وبين ممارسة العلاقات الدولية في عالم لا سلطة مركزية فيه، كما يعكس استراتيجية متكاملة للولايات المتحدة تهدف إلى إدارة الفوضى وتحقيق الهيمنة عبر التحكم بمصادر الطاقة وموازين القوة، وهو ما ستكون له تداعيات ملموسة على النظام الدولي وعلى مستقبل العلاقات الدولية.

التدخل العسكري الأمريكي يمثل انتهاكا صريحا لقواعد القانون الدولي..

تكتسي عملية التذكير المستمر بقواعد القانون الدولي وبالانتهاكات المرتكبة في حقها أهمية بالغة، حتى في ظل ما يواجهه هذا القانون من تحديات بنيوية وسياسية تعرقل تطبيقه الفعلي، فالإقرار بصعوبات الإنفاذ لا ينبغي أن يقود إلى التطبيع مع الانتهاك أو إلى تمييع الحدود الفاصلة بين الفعل المشروع والفعل غير المشروع، بل على العكس من ذلك، ينبغي الاستمرار في تعزيز الوعي بالقواعد المعيارية التي يكرسها القانون الدولي، باعتبارها إطارا ناظما يوضح الجرائم والعقوبات ويحدد المسؤوليات.

يعكس التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا الفجوة المتنامية بين القانون الدولي وممارسات القوة في النظام الدولي. فهو يمثل خرقا صارخا للسيادة والحصانات القانونية، وفي الوقت نفسه مثالا على سلوك دولة كبرى تركز على المصلحة الاستراتيجية والسيطرة على موارد الطاقة وموازين القوة، وفق منطق الواقعية الجديدة. كما يوضح التدخل أن الهيمنة الأمريكية لم تعد محصورة في منطقة واحدة، بل تدار عبر منظومة عالمية تربط بين الطاقة، القوة العسكرية، إدارة الفوضى، وضمان التفوق الاستراتيجي على الخصوم الدوليين والإقليميين.
إن استدامة التذكير بالخطاب القانوني المعياري يسهم في الحفاظ على وضوح المرجعيات القانونية في الوعي الجمعي للشعوب، ويمنع اختزال القانون الدولي في ميزان القوة أو اعتبارات الأمر الواقع، كما أن استعادة هيبة القانون الدولي في وعي الرأي العام العالمي تشكل عنصرا ضاغطا، ولو بصورة غير مباشرة، على الأنظمة التي تنتهكه، من خلال تعرية ممارساتها ونزع الشرعية الأخلاقية والقانونية عنها، بما يعزز دور المجتمع المدني والإعلامي العالمي في مساءلة هذه الانتهاكات، ويفتح المجال، على المدى المتوسط والبعيد، لإعادة الاعتبار لمنطق القانون في مواجهة منطق القوة.

انتهاك حظر استخدام القوة ومبدأ السيادة ومبدأ الحصانة الشخصية لرؤساء الدول..

يمثل استخدام القوة العسكرية الأمريكية داخل الأراضي الفنزويلية انتهاكا صارخا للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، فلم يكن هناك تفويض من مجلس الأمن، ولم يحدث أي هجوم مسلح من فنزويلا يبرر الدفاع المشروع، مما يجعل العملية تدخلا عسكريا عدوانيا وفق تعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار 3314 لسنة 1974)، ويضع الولايات المتحدة تحت مسؤولية دولية كاملة.

كما أن اعتقال رئيس منتخب أثناء ممارسة مهامه يمثل انتهاكا للحصانة الشخصية التي تحمي رؤساء الدول من أي إجراءات قسرية من دولة أخرى أثناء فترة توليهم، ويمثل نقل مادورو خارج البلاد لتقديمه للمحاكمة اختطافا دوليا غير مشروع، ويعد خرقا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

صحيح أن هذه الواقعة تبرز محدودية أدوات إنفاذ القانون الدولي، حيث تظل القواعد قائمة نظريا لكنها عاجزة عن منع القوى الكبرى من تجاوزها، وهو ما يعمق أزمة الشرعية الدولية ويجعل القانون أداة انتقائية تستدعى عند الحاجة، وهو ما يفرض اللجوء إلى علم العلاقات الدولية لفهم ما يجري.

تفسير التدخل الأمريكي في فنزويلا من منظور الواقعية الجديدة..

تقوم الواقعية الجديدة على فرضية أن النظام الدولي لا سلطة مركزية فيه لضمان الأمن أو فرض القواعد، ما يجعل الدول الكبرى مضطرة للاعتماد على القوة الذاتية لتحقيق مصالحها، ومن هذا المنطلق، لا تُعتبر القواعد القانونية عائقا، بل أدوات تتغير أهميتها حسب ميزان القوة.

ولذلك فإن التدخل في فنزويلا ينسجم مع حسابات القوة والموارد، خصوصا فيما يتعلق بالنفط، الذي يمثل أداة رئيسية في الاستراتيجية الأمريكية العالمية، بحيث تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وهو ما يجعل السيطرة على قرارها النفطي - بشكل مباشر أو غير مباشر - أداة مركزية للهيمنة الأمريكية، ومن شأن السيطرة على نفط فنزويلا أن يمنح الولايات المتحدة مرونة أكبر في إدارة سياساتها في الشرق الأوسط، ويخفف من الكلفة السياسية والعسكرية المرتبطة بالأزمات الإقليمية.

ومن منظور الواقعية الجديدة، فإن الولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى الاستقرار الشامل، بل إلى مستويات محسوبة من التوتر وعدم الاستقرار التي تمنع تشكل قوى إقليمية مستقلة، وتغذي الاقتصاد الحربي، وتضمن دور إسرائيل كقاعدة متقدمة للنفوذ الأمريكي في المنطقة.

بهذه الطريقة، يصبح التدخل في فنزويلا جزءا من منظومة استراتيجية متكاملة تربط بين الطاقة، القوة العسكرية، النفوذ الإقليمي، واستراتيجية الردع الدولي، مع مراعاة مصالح الولايات المتحدة في مواجهة المنافسين الاستراتيجيين (روسيا والصين).

والخلاصة أن التحكم في مصادر النفط خارج الشرق الأوسط يعيد رسم موازين القوى، حيث تتراجع مركزية النفط الخليجي في الاستراتيجية الأمريكية مع انخفاض كلفة الانخراط العسكري في الشرق الأوسط، وتعزيز دور إسرائيل كأداة لضبط التوازنات الإقليمية، مع الحد من قدرة الدول العربية على الاستفادة من النفط كورقة ضغط سياسية.

وتبقى هذه النتيجة الاستراتيجية متوقفة على مدى نجاح التدخل الأمريكي في تحقيق أهدافه المرحلية، لكن مع انعكاسات مؤكدة على النظام الدولي ومستقبل العلاقات الدولية.

السيناريوهات الاستشرافية المحتملة ومستقبل النظام الدولي..

إذا تمكنت واشنطن من تأسيس سلطة انتقالية، فقد يؤدي ذلك إلى انقسام داخلي عميق في فنزويلا بين مؤيد ومعارض، مع احتمالات مقاومة مسلحة أو اضطرابات اجتماعية واسعة، وليس من المؤكد نجاح مشروع إعادة البناء السياسي والاقتصادي الذي أطلقه الرئيس الأمريكي بالاعتماد على الدعم الخارجي، لأن هناك احتمال العزوف عن مشاركته من قِبل القوى الإقليمية المناهضة للتدخل، ومثل هذا السيناريو قد يعيد إنتاج نماذج التدخل الليبرالي القسري التي شهدها النظام الدولي مع تفاوت في النتائج.

وتبقى الإشكالية الجوهرية في هذا المسار هي إضفاء الشرعية على سلطة جديدة عبر التدخل العسكري الأجنبي، وهو ما يضعف مفهوم سيادة الدولة ويعيد إنتاج منطق القوة على حساب الإطار القانوني الدولي المعتمد على ميثاق الأمم المتحدة.

إن التراجع الفعلي لمكانة القانون الدولي كقيد سلوكي، سيخلق الشعور بانعدام الأمن على مستوى الدول الضعيفة، وسيدفعها نحو المزيد من التبعية والتحالف مع القوى الكبرى القادرة على توفير الحماية أو القادرة على المنافسة، وهو ما يجعلنا أمام نظام دولي هجين، تتعايش فيه الخطابات المعيارية مع ممارسات القوة، دون قدرة حقيقية على إخضاع الثانية للأولى، مما يجعل من استعادة هيبة القانون الدولي هدفا مستبعا على المدى المنظور وهو رهين بتغير ميزان القوى العالمي في حد ذاته.
كما أن التدخل الأمريكي بهذا الشكل سيستخدم كـحجة من قبل مناهضي الهيمنة الغربية (مثل روسيا والصين) لتكريس خطاب المواجهة مع النظام الدولي الغربي؛ وهو ما سيساهم في تعميق الاستقطاب في النظام الدولي بين قوى تدعم السيادة المطلقة للدول، وأخرى ترى في القوة أداة لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما قد يؤدي إلى الانتقال نحو نظام دولي أكثر تعددية وصدامية، حيث تتراجع القواعد القانونية لصالح المصالح الاستراتيجية، خاصة في مناطق حساسة مثل أمريكا اللاتينية وإفريقيا والمشرق العربي.

وحتى على المستوى الإقليمي هناك انقسام بين حكومات تدين التدخل وأخرى ترى في سقوط مادورو فرصة لإعادة ترتيب الأمور داخليا، وهو ما يزيد من ارتفاع احتمالات تشكيل محاور ضغط دولي ضد التدخل الأمريكي، واستعادة خطاب السيادة وعدم التدخل كركائز أساسية في العلاقات الدولية، مما قد يساعد في إعادة تشكيل ديناميات إقليمية بعيدا عن منطق الهيمنة الأحادية نحو صراع أيديولوجي وجيوسياسي أوسع.

على سبيل الختم..

يعكس التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا الفجوة المتنامية بين القانون الدولي وممارسات القوة في النظام الدولي. فهو يمثل خرقا صارخا للسيادة والحصانات القانونية، وفي الوقت نفسه مثالا على سلوك دولة كبرى تركز على المصلحة الاستراتيجية والسيطرة على موارد الطاقة وموازين القوة، وفق منطق الواقعية الجديدة. كما يوضح التدخل أن الهيمنة الأمريكية لم تعد محصورة في منطقة واحدة، بل تدار عبر منظومة عالمية تربط بين الطاقة، القوة العسكرية، إدارة الفوضى، وضمان التفوق الاستراتيجي على الخصوم الدوليين والإقليميين.

إن التراجع الفعلي لمكانة القانون الدولي كقيد سلوكي، سيخلق الشعور بانعدام الأمن على مستوى الدول الضعيفة، وسيدفعها نحو المزيد من التبعية والتحالف مع القوى الكبرى القادرة على توفير الحماية أو القادرة على المنافسة، وهو ما يجعلنا أمام نظام دولي هجين، تتعايش فيه الخطابات المعيارية مع ممارسات القوة، دون قدرة حقيقية على إخضاع الثانية للأولى، مما يجعل من استعادة هيبة القانون الدولي هدفا مستبعا على المدى المنظور وهو رهين بتغير ميزان القوى العالمي في حد ذاته.
التعليقات (0)