تشير النتائج الأولية لحصول
أحزاب الموالاة في مصر على نسب تاريخية في أطول انتخابات برلمانية شهدتها البلاد
امتدت لـ 99 يوما بعد تلقي المحكمة الإدارية العليا 300 طعن انتخابي على مرحلتيها
وقررت إعادة الاقتراع بالدوائر التي شابها التزوير والمخالفة للقانون، وذلك برغم
مقاطعة المعارضة رفضا لنظام "القائمة" الانتخابي.
وبعد إجراء انتخابات مجلس
الشيوخ في آب/ أغسطس الماضي، دون الإعلان عن أية خروقات وفوز "القائمة
الوطنية" (الموالية) بـ195 مقعدا من 200 مقعد، شهدت اقتراع مجلس النواب منذ
10 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إلغاء نتائج 49 دائرة من أصل 70 بالمرحلة الأولى
لخروقات ومخالفات وتضارب محاضر الفرز، وسط تشكيك معارضون بدستورية البرلمان وعدم
قانونية اقتراع عزف عنه المصريون (17 بالمئة للشيوخ و11 بالمئة للنواب).
نسبة مرضية
واستحوذت الأحزاب الأربعة
المشكل الأساسي لـ"القائمة الوطنية"، والتابعة للجهات السيادية وهي:
"مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"الشعب الجمهوري"،
و"الجبهة الوطنية"، على 403 مقعدا من 568 مقعدا، بنسبة 70.9 بالمئة،
بواقع 277 مقعدا للأول التابع لجهاز "الأمن الوطني"، و87 للثاني التابع
لـ"المخابرات الحربية"، و65 للثالث، و24 للرابع، وهما تابعين
لـ"المخابرات العامة".
ويرى مراقبون أن نسبة 70.9
بالمئة مرضية لصانع القرار المصري وللأجهزة السيادية ولمؤسسة الرئاسة، وكافية
لتمرير أية قوانين حكومية وتصنيع جميع التعديلات على القوانين، وإقرار الاتفاقيات
الدولية، بما يرضى توجهات النظام؛ وخاصة مع ما يثار عن مشروع قانون يجري تجهيزه
لتعديل الدستور لتمديد حكم رئيس النظام عبدالفتاح
السيسي التي تنتهي ولايته
الثالثة في 2030، إلى ولاية رابعة، وهو ما يحتاج أغلبية ثلثي أصوات
"النواب" بحسب (المادة 226) من الدستور.
ويشيرون إلى أن الشكل العام
يوحي بأنها انتخابات جاءت بـ53 نائبا معارضا لنظام السيسي، بنسبة 10 بالمئة من
المقاعد، ومنحت 82 مقعدا للمستقلين، في نتيجة ترد وفق رؤية النظام على ما أثير حول
عمليات التزوير والرشى الانتخابية والمخالفات القانونية.
لكنه بقراءة أسماء من تصفهم
البيانات الحكومية بـ"المستقلين" وتنسبهم لـ"المعارضة"، تجد
أن أغلب الفئة الأولى في الأصل كانوا تابعين لأحزاب الموالاة الأربعة، في برلماني
عهد السيسي، (2015 و2020)، ولم تضمهم "القائمة الوطنية" في 2025، كما أن
عدد النواب المعارضين فعليا والذين حصلوا على مقاعد بالبرلمان الجديد لا يتعدون
أصابع اليد الواحدة.
اظهار أخبار متعلقة
ويلفت البعض إلى أن هناك 28
مقعدا يعينها السيسي، لتنضم إلى قائمة الموالاة، ما يجعل من البرلمان الذي سيجتمع
12 كانون الثاني/ يناير الجاري، صورة أكثر تمثيلا للسلطة من برلماني 2015 و2020.
ويكشف مشهد مصافحة نائب
رئيس حزب "مستقبل وطن" النائب أحمد عبدالجواد "مهندس القائمة
الوطنية"، بعض النواب المستقلين الذين جرى استبعادهم من القائمة وفازوا
بمقاعد بمجلس النواب، عن انتهاء الخلاف وبداية مرحلة عمل جديدة تحت قبة البرلمان
وفق رؤية حزب الأغلبية.
وبالمقارنة بين نتائج
برلمانات: 2015 و 2020 و 2026، فإن نسبة المستقلين انخفضت من 57 بالمئة شكلوا
الأغلبية، إلى نسبة 21 بالمئة، ثم 18.5 بالمئة، كما كان الحزب المهيمن هو
"المصريين الأحرار" بـ65 مقعدا، ليحصد "مستقبل وطن" 316 مقعدا
مشكلا الأغلبية منفردا، ليواصل تصدره الأغلبية في "النواب" ولكن بعدد
أقل بلغ 277 مقعدا، لكن بنسب أكبر للموالاة بعد ضم الأحزاب الثلاثة الأخرى شريكة
"القائمة الوطنية".
سجال الأرقام واعتراض
المعارضة
ووفق دراسة إحصائية
لـ"الهيئة العامة للاستعلامات" (حكومية) الأربعاء، حصلت 8 أحزاب معارضة
على 53 مقعدا، بنحو 10 بالمئة من الأعضاء المنتخبين، 4 أحزاب منها منتمية
لـ"الحركة المدنية الديمقراطية"، بعدد 32 مقعدا، يمثلون 60 بالمئة من
إجمالي مقاعد أحزاب المعارضة التي تبلغ مع المستقلين 158 مقعدا، يمثلون 28 بالمئة
من الأعضاء المنتخبين.
وذلك في إشارة إلى حصول
أحزاب "المصري الديمقراطي" على 11 مقعدا، و"العدل" 11 مقعدا،
و"الإصلاح والتنمية" 9 مقاعد، و"الوفد" 9 مقاعد، و"النور
السلفي" 6 مقاعد، و"التجمع 5 مقاعد، و"المحافظين"،
و"الوعي" مقعد لكل منهما.
وبرغم أن هذه الأرقام التي
ذكرتها "هيئة الاستعلامات" تمثل تراجعا مستمرا في الحضور الحزبي
بالبرلمان منذ عام 2015، إلا أن "الحركة المدنية الديمقراطية"، المعارضة
شككت في صحتها الأربعاء، مؤكدة أن "وجود 32 عضوا يمثلون الحركة بالبرلمان
الجديد، معلومة غير صحيحة"، موضحة أن "أغلبية هؤلاء الأعضاء ترشّحوا على
القائمة الوطنية، التي أعدتها أحزاب الموالاة، والتي استخدمت المال السياسي
لاستقطاب المواطنين ولم تحصد أكثر من 11بالمئة من الأصوات".
هل يكفي لتمرير خطط السيسي؟
لا يعطي الدستور المصري،
البرلمان، حق منح الرئيس ولاية جديدة بقرار إداري أو تصويت برلماني، حيث تنص
"المادة 140"، صراحة على أن (مدة الرئاسة 6 سنوات، ولا يجوز تولي
الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين)، ولذا فإن السيسي الذي تنتهي مدته دستوريا في
أبريل 2030 لا يحق له الترشح مجددا، إلا بتعديل دستوري جديد.
وتعد نتائج برلمان 2026
حاسمة في رسم المرحلة السياسية المقبلة لأكبر بلد عربي سكانا (118 مليون نسمة)،
ليس فقط لأنها تضع السياسة التشريعية حتى عام 2030، بل لأن هذا البرلمان هو القناة
الدستورية الوحيدة التي يمكن من خلالها تمرير تعديلات دستورية تتعلق بشكل الحكم
ومدة بقاء رئيس السلطة الحالية.
وفي قراءة البعض فإن سيطرة
ائتلاف "مستقبل وطن" وحلفاؤه "حماة الوطن"، و"الشعب
الجمهوري"، و"الجبهة الوطنية" على 71 بالمئة من المقاعد، تمنح
القصر الرئاسي بالعاصمة الجديدة شيكا على بياض لتمرير أي قوانين عادية، بدعم من المستقلين
أيضا والمعينين، في ظل عجز ما حصلت عليه ما يطلق عليها أحزاب المعارضة في مواجهة
تلك الأغلبية المفرطة.
اظهار أخبار متعلقة
ومع ما يمتلكه برلمان 2026
من أدوات قانونية وتشريعية وأغلبية عددية فإنه وفق خبراء يمكنه "القيام
بتعديل الدستور لمنح السيسي، ولاية رابعة، حيث تنص (المادة 226) من الدستور على أن
تعديل الدستور يتطلب موافقة خُمس أعضاء المجلس لتقديمه، وثُلثي الأعضاء لإقراره
قبل طرحه للاستفتاء العام"، وهو نصاب قانوني مضمون بأغلبية أكثر من 70 بالمئة.
ويلفت البعض إلى "جدل
قانوني مع نص الفقرة الأخيرة من (المادة 226)، التي تقول إنه (لا يجوز تعديل
النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية... ما لم يكن التعديل متعلقا بمزيد
من الضمانات)".
إلا أن سابقة إقرار
البرلمان تعديلات دستورية عام 2019، منحت السيسي عامين إضافيين بولايته الثانية
(2016- 2018) وأعطته ولاية ثالثة مدتها 6 سنوات حتى 2030، تثبت أن البرلمان يمكنه تجاوز
هذا النص مجددا واستحداث مواد جديدة تمنح السيسي، حق الترشح لمدد إضافية.
ويتوقع مراقبون أن
"يستخدم النظام مبررات مثل حماية الدولة من السقوط، أو مواجهة أخطار داخلية
وأخرى خارجية، أو استكمال المشروعات القومية، لحشد دعم البرلمان للتعديل الرئاسي
وتمرير استفتاء شعبي، كما حدث في مبررات تعديلات 2019، الدستورية واستفتاء نيسان/
أبريل.
ذات الخريطة وتغييرات شكلية
وفي إطار قراءة سياسية
هادئة ومسؤولة لنتائج انتخابات مجلس النواب ودور أحزاب الموالاة والمستقلين
والأحزاب غير الموالية، قال السياسي المصري مجدي حمدان موسى، إنها "تعكس في
مجملها استمرار الخريطة السياسية ذاتها، مع بعض التغييرات الشكلية في الأسماء لا
في الأدوار".
وأكد في حديثه
لـ"
عربي21"، أن "وجود عدد من المستقلين أو ممثلي أحزاب خارج دائرة
الموالاة لا يعني بالضرورة تشكل معارضة فاعلة، طالما أن السياق العام للعملية
السياسية لا يتيح مساحات حقيقية للاختلاف البرامجي أو الرقابة الجادة"، موضحا
أن "المعارضة ليست أرقاما داخل القاعة، بل قدرة على التأثير وصناعة بدائل،
وهو ما لم تتضح ملامحه بعد".
ويعتقد موسى، أن "فرص
الطعن على النتائج وإبطال البرلمان من الناحية القانونية، تظل قائمة فحق الطعن
مكفول وفق الدستور والقانون، متى توافرت أدلة جدية على مخالفات جوهرية تمس سلامة
العملية الانتخابية".
موسى، الذي قرر الخروج
المبكر من انتخابات مجلس النواب لما طغى عليها من سيطرة للمال السياسي والرشى
الانتخابية، يلفت إلى أن "الحديث عن إبطال البرلمان بغرفتيه، فهو يظل سيناريو
استثنائيا مرتبطا بأحكام قضائية باتة، وليس مجرد رغبات سياسية أو تقديرات إعلامية".
التعديل الدستوري والتحدي
الأهم
وعن "نسبة أحزاب
الموالاة وإمكانية التعديل الدستوري"، يرى القيادي في حزب
"المحافظين"، أن "حصول أحزاب الموالاة الأربعة على ما يقارب 70
بالمئة من المقاعد يوفر من حيث الشكل كتلة مريحة لإدارة التشريع وتمرير القوانين،
لكنه لا يكتمل بالضرورة كضمانة سياسية أو مجتمعية لتعديلات دستورية كبرى".
ويرى أن "التعديل
الدستوري لا يُقاس فقط بالأغلبية العددية داخل البرلمان، بل يحتاج إلى توافق وطني
أوسع، ومناخ سياسي يرسّخ الثقة ويمنح هذه التعديلات شرعية شعبية حقيقية، وهو ما يبقى
التحدي الأهم".
وفي قراءته لمستقبل أداء
البرلمان خلال السنوات الخمس المقبلة، قال إن "المشهد المتوقع لعمل البرلمان،
في حال استمرار المعطيات الحالية، لن يختلف جذريا عن البرلمانات السابقة، ما لم
يحدث تحول حقيقي في قواعد العمل السياسي، ويُفتح المجال أمام رقابة فعالة، ونقاش
تشريعي جاد، وتوازن حقيقي بين السلطات"، مؤكدا أن "التغيير المنشود لا
يبدأ من داخل القاعة فقط، بل من البيئة السياسية المحيطة بها".
اظهار أخبار متعلقة
وخلص للقول: "نحن أمام
برلمان يملك من حيث الشكل أدوات التشريع، لكنه يظل مطالبا بإثبات قدرته على تمثيل
الإرادة الشعبية، وممارسة دور رقابي حقيقي، والمساهمة في بناء دولة القانون
والمؤسسات، وهو الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة".
حصاد مر ومخاوف
واجهت
البرلمانات المصرية
الثلاثة في عهد السيسي، انتقادات تركزت حول "الهيمنة الأمنية على اختيارات
نواب البرلمان بشقيه، وتوجيه الجهات السيادية لعمل وأداء البرلمان، وسرعة تمرير
تشريعات وُصفت بأنها تضر بالحقوق الاقتصادية وأثرت على الأحوال المعيشية للمصريين"،
وهي الانتقادات التي تحولت إلى "مخاوف من استمرار أداء البرلمان الباهت
وتمرير قرارات ومشروعات واتفاقيات تضر بأمن مصر القومي".
وانتقدت المعارضة غياب البث
المباشر للجلسات، واعتبرته غيابا للشفافية، كما رأت أن البرلمان تخلى عن دوره
الرقابي لصالح تمرير مئات القوانين التي صدرت بقرارات رئاسية قبل انعقاده عام
2015، وبلغت أكثر من 340 قانونا في 15 يوما، مع ندرة طلبات استجواب الوزراء،
والاكتفاء بطلبات الإحاطة، مع إقرار قوانين وميزانيات وقروض ترفع الدين العام،
دفعت لوصفه بأنه "سكرتارية للحكومة".
ومن القوانين المثيرة للجدل:
"الإيجار القديم" (تعديلات 2024-2025)، و"التصالح في مخالفات
البناء"، وتعديلات قانون التعليم أو (نظام البكالوريا)، و"الإجراءات
الجنائية الجديد" (2025)، و"العمل الجديد"، وقبلهم:
"التأمينات والمعاشات"، و"تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية"،
وقوانين الضرائب والرسوم، وغيرها.